اكتمال التصنيف وفقاً للانطباع الأول من تجليات الخضوع لسلطان فائض التمثّل

ثمة مفارقة لافتة في الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع “التصنيف”. فحين يكون موضوع التصنيف نباتاً أو حيواناً أو كائناً مجهرياً، لا يكاد الباحث يجرؤ على الجزم بهويته التصنيفية قبل أن يستوفي ما يلزم من الملاحظة والفحص والمقارنة وجمع الأدلة. وقد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، وتُراجع النتائج، ويختلف الباحثون، وتُستدرك الأخطاء، لأن التصنيف العلمي لا يُفترض أن يكتمل بمجرد أن «يبدو» الكائن شيئاً ما. أما حين يكون موضوع التصنيف إنساناً، فإن هذه “الصرامة المعرفية” تكاد تختفي! فقد لا يحتاج أحدنا إلى أكثر من لقاء واحد، أو عبارة واحدة، أو موقف عابر، أو هيئة خارجية، أو نبرة صوت، أو حتى تعبير وجه، لكي يضع إنساناً آخر في خانة تكاد تكون نهائية: متكبر، ساذج، خبيث، طيب، بخيل، مغرور، ذكي، جاهل، صادق، كاذب، جدير بالثقة، أو ينبغي الحذر منه.!
وهنا تحدث المفارقة، فكلما كان موضوع التصنيف أكثر تعقيداً، أصبح تصنيفنا له، في حياتنا اليومية، أسرع!
فنحن لا نقبل أن يصنّف عالِم الحيوان نوعاً جديداً اعتماداً على مشاهدة عابرة لفرد واحد، ولا أن يصنّف عالِم النبات نباتاً مجهولاً اعتماداً على لون زهرة رآها للحظات.! ولكننا نقبل لأنفسنا أن نصنّف إنساناً، وهو كائن بالغ التعقيد، اعتماداً على دقائق معدودة من التفاعل معه! فلماذا؟
لعل الإجابة تكمن، وفق المنظور الميتابايولوجي، في فائض التمثّل. فالإنسان لا يتعامل مع الآخر بوصفه مجموعة من الوقائع التي لم تكتمل معرفته بها بعد، وإنما يسارع إلى بناء تمثّل له. وما إن تتوافر للعقل بضعة عناصر حتى يبدأ بملء الفراغات بنفسه. فهو لا يقول: «هذه هي المعلومات القليلة التي أملكها عنه حتى الآن»، وإنما ينتقل، في كثير من الأحيان ومن غير أن يشعر، من المعلومة إلى الصورة، ومن الصورة إلى التأويل، ومن التأويل إلى التصنيف. وهكذا يصبح ما نجهله عن الآخر مادةً يملؤها التمثّل، بدلاً من أن يظل مساحة معلّقة تنتظر المعرفة.
فليس الإشكال في أن يتكون لدينا انطباع أول. فهذا أمر يصعب تجنبه، وربما كان له أساس وظيفي قديم؛ إذ يحتاج الكائن أحياناً إلى اتخاذ قرار سريع بشأن ما إذا كان الموجود أمامه آمناً أو خطراً، مألوفاً أو غريباً، ودوداً أو عدائياً. ولكن المشكلة تبدأ عندما يفقد العقل التمييز بين الانطباع بوصفه فرضية أولية والتصنيف بوصفه نتيجة مكتملة.
فالانطباع الأول لا ينبغي، من الناحية المعرفية، أن يكون أكثر من بداية سؤال مفاده: هل هذا الإنسان حقاً كما بدا لي؟ غير أن فائض التمثّل يحوله إلى جواب: هذا الإنسان هو كما بدا لي! والفرق بين العبارتين هائل. ففي الأولى يظل باب المعرفة مفتوحاً، أما الثانية فتغلقه. والأولى تجعل الوقائع اللاحقة قادرة على تعديل الصورة، بينما تجعل الثانية الصورة السابقة هي التي تتحكم في تفسير الوقائع اللاحقة.
وهنا لا يعود العقل يبحث عن حقيقة الآخر بقدر ما يبدأ، من حيث لا يشعر، بالبحث عن الأدلة التي تثبت صحة تصنيفه الأول له. فإذا صنّف شخصاً منذ اللقاء الأول بأنه متكبر، أمكن أن تتحول تصرفاته التالية كلها إلى أدلة على تكبره: صمته تكبر، تحفظه تكبر، ثقته بنفسه تكبر، عدم مبادرته بالحديث تكبر، وربما حتى اعتذاره يُفسَّر بوصفه تكبراً متخفياً.
فلقد أُغلق الملف أولاً، ثم بدأت الأدلة تُجمع بعد ذلك!
وهذا هو عكس ما يفترض أن يحدث في أي عملية معرفية سليمة؛ إذ ينبغي أن نجمع الأدلة أولاً، ثم نقرر، إن أمكن، في أي خانة ينبغي وضع الظاهرة التي ندرسها.
ولكن لماذا يفعل العقل ذلك؟ لأن إبقاء الآخر في خانة «لم أعرفه بعد» مكلف معرفياً ونفسياً. فالقول إنني لا أعرف بعد إن كان هذا الإنسان جديراً بالثقة، أو طيباً، أو متكبراً، أو صادقاً، يعني أن عليّ الاستمرار في المراقبة والمراجعة، وأن أبقى مستعداً لتغيير حكمي، وأن أتحمل حالة من عدم اليقين. أما التصنيف السريع فيريح العقل من هذا العبء؛ إذ أنه يغلق الملف. وبمجرد إغلاقه، يصبح العالَم الاجتماعي أكثر بساطة: هذا صديق، وهذا عدو؛ هذا صالح، وهذا سيئ؛ هذا ذكي، وهذا غبي؛ هذا يشبهني، وهذا يختلف عني؛ هذا يمكن الوثوق به، وهذا لا يمكن الوثوق به.
وهكذا لا تعود التصنيفات بالضرورة أوصافاً لما عرفناه عن الآخرين، بل قد تصبح أدوات يستخدمها العقل لكي يخفف عن نفسه عبء الاستمرار في معرفتهم.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحكم المتسرع على الآخرين بوصفه شكلاً من أشكال “اقتصاد الجهد المعرفي”. غير أن الاقتصاد هنا قد يتحول إلى تبذير للحقيقة. فنحن نوفر على العقل كلفة الانتظار، لكننا ندفع مقابل ذلك احتمال إساءة فهم إنسان كامل!
ومن أكبر الأخطاء التي يرتكبها التصنيف القائم على الانطباع الأول اختزال الإنسان في حدث. فإنسان غضب مرة يصبح «عصبياً غضوبا»، ومن كذب مرة يصبح «كذاباً»، ومن أخفق في الإجابة عن سؤال يصبح «جاهلاً»، ومن أظهر موقفاً كريماً يصبح «نبيلاً»، ومن ارتكب فعلاً سيئاً يصبح “شريراً”! ولكن الإنسان ليس فعلاً واحداً، بل إنه ليس بضعة أفعال أيضاً. فالإنسان “صيرورة” ممتدة في الزمن، تظهر شخصيته عبر تفاعل أفعاله واختياراته واستجاباته في ظروف مختلفة. وما يبدو شجاعة في موقف قد يكون تهوراً في موقف آخر، وما يبدو جبناً قد يكون فطنة، وما يبدو بخلاً قد يكون احتياطاً، وما يبدو بروداً قد يكون خجلاً، وما يبدو تكبراً قد يكون تحفظاً، وما يبدو ضعفاً قد يكون امتناعاً واعياً عن الدخول في صراع لا يستحق. ولهذا فإن التصنيف الحقيقي للإنسان يحتاج إلى الزمن. ليس لأن الزمن يضيف إلينا أحداثاً فحسب، بل لأنه يسمح لنا باختبار الفرضيات التي صنعناها عنه. فكل موقف جديد ينبغي، من حيث المبدأ، أن يكون فرصة لمراجعة التصنيف السابق، لا مجرد مادة جديدة نعيد تأويلها لكي تنسجم معه!
الأخطر من ذلك أن التصنيف المبكر لا يبقى وصفاً بريئاً داخل ذهن صاحبه، بل قد يتحول إلى إطار يحدد كيفية تعامله مع الشخص المصنَّف. فإذا قررنا أن شخصاً ما «سيئ النية»، تعاملنا معه بحذر وعدائية. وقد يستجيب هو لهذا التعامل بالمثل. وعندئذ نقول: ألم أقل منذ البداية إنه سيئ النية؟! وهكذا يمكن للتمثّل أن يسهم في إنتاج بعض الوقائع التي ستستخدم لاحقاً لإثبات صحته.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ لم نعد نسيء تفسير الإنسان وفق التصنيف الذي صنعناه له فحسب، بل ربما ندفعه، عبر طريقة تعاملنا معه، إلى سلوك يعزز ذلك التصنيف! أي إن فائض التمثّل لا يكتفي أحياناً بأن يصنع صورة الإنسان في أذهاننا؛ بل قد يشارك، بطريقة غير مباشرة، في صناعة الإنسان الذي ستتعامل معه تلك الأذهان.
والآن، لنتخيل أننا تعاملنا مع معرفتنا بالآخر بشيء من الصرامة التي يتعامل بها الباحث العلمي مع موضوع دراسته. فسنقول عندئذ: لقد رأيت منه موقفاً واحداً، وهذا لا يكفي، وسمعت منه عبارة، لكنني لا أعرف سياقها كاملاً، وتصرف بطريقة معينة اليوم، لكنني لا أعرف كيف يتصرف في ظروف أخرى، وشعرت بعدم الارتياح إليه، لكن شعوري معلومة عن استجابتي أنا له، وليس بالضرورة حقيقة عنه. فكوّنت عنه انطباعاً، لكن الانطباع ليس تصنيفاً.
وعندئذ سيتحول الآخر من «ملف مغلق» إلى سؤال مفتوح. وقد تكون هذه واحدة من أصعب الممارسات المعرفية على الإنسان، لأنها تتطلب منه مقاومة الرغبة في أن يعرف قبل أن يعرف، وأن يحكم قبل أن تتوافر له شروط الحكم.
ربما كان أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الوعي بفائض التمثّل هو تغيير لغتنا الداخلية. فبدلاً من: “إنه متكبر”، نقول: “بدا لي متكبراً”. وبدلاً من: “إنه شخص سيئ”، نقول: “صدر عنه فعل أراه سيئاً”. وبدلاً من: “لا يمكن الوثوق به”، نقول: “ما أعرفه حتى الآن لا يكفيني للوثوق به”. فهذه ليست مجرد فروق لغوية. بل إنها فروق معرفية عميقة، لأن العبارة الأولى تحول التمثّل إلى حقيقة عن الإنسان، بينما تحتفظ الثانية بالمسافة الضرورية بين ما هو عليه الآخر وما تمكنت أنا حتى الآن من معرفته عنه.
ولعلنا نصل هنا إلى نتيجة أكثر جذرية: ربما لا يكتمل تصنيف الإنسان أصلاً بالكيفية التي نتصورها. فإذا كان الكائن الحي في التصنيف البيولوجي يمكن تحديد نوعه بعد استيفاء خصائص معينة، فإن الإنسان الفرد يظل متغيراً، متفاعلاً مع ظروفه، قادراً على مراجعة نفسه، وعلى التصرف بطرائق لم نتوقعها منه. ولهذا فإن معرفتنا بالإنسان ينبغي أن تظل، إلى حد ما، معرفة مفتوحة. والمشكلة ليست في أن نكوّن أحكاماً مؤقتة؛ فنحن مضطرون إلى ذلك في حياتنا. وإنما في أن ننسى صفة المؤقت فيها، فنحوّل الاحتمال إلى يقين، والانطباع إلى حقيقة، والموقف إلى شخصية، والجزء إلى كل. وهنا تحديداً يظهر سلطان فائض التمثّل: إذ لا يطيق العقل أن يظل الآخر ناقص الصورة، فيسارع إلى إكمالها بما لديه هو، لا بما قدمه الآخر فعلاً من أدلة عن نفسه.
ولذلك فإن واحدة من أكثر العبارات تواضعاً ودقة التي يمكن أن نقولها عن إنسان آخر قد تكون: “لم يكتمل تصنيفي له بعد”. بل لعل العبارة الأدق هي: “ربما لن يكتمل هذا التصنيف أبداً”. فالإنسان الذي أمامنا ليس عينة جامدة تنتظر أن نضع عليها بطاقة باسمها، وإنما تاريخ لم نقرأ منه إلا صفحات، واحتمالات لم نشهد تحقق معظمها، وشخصية لا تظهر أبعادها جميعاً في موقف واحد أو عشرة مواقف!
ومن هنا فإن التريث في الحكم على الآخرين ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو فضيلة معرفية أيضاً. إذ أنه اعتراف بحدود ما نعرفه. واعتراف بأن الانطباع الأول بداية لعملية التصنيف، وليس نهايتها. واعتراف، قبل كل شيء، بأن الآخر يستحق منا القدر نفسه من التثبت الذي نبديه حين نريد معرفة حقيقة أي شيء آخر في هذا العالم.
والمفارقة أن الإنسان، الذي ابتكر أكثر مناهج التصنيف العلمي دقة لكي لا يخطئ في تسمية نبات أو حيوان، لا يزال قادراً على أن يختصر إنساناً كاملاً في دقائق معدودة. ولعل ذلك ليس دليلاً على براعة العقل في معرفة الآخرين بقدر ما هو دليل على براعة فائض التمثّل في إقناع العقل بأنه عرف ما لم يعرفه بعد!

أضف تعليق