تأثير هولدن كولفيلد… إذا أردت أن يصدقك الناس!

ثمة ملاحظة ساخرة شديدة الذكاء تُنسب في معناها إلى هولدن كولفيلد، الفتى المراهق بطل رواية ج. د. سالينجر الشهيرة The Catcher in the Rye  مفادها: إذا أردت أن تجعل الناس يصدقونك، فتحدث إليهم بكلام لا يفهمونه؛ إذ قد يفضّلون تصديقك على الاعتراف بأنهم لم يفهموا ما قلت!
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذه الفكرة أنها تصدر، داخل العالم الروائي، عن فتى في السادسة عشرة، ولكنها تلامس واحدة من أعقد نقاط الضعف في العقل البشري: أن الإنسان لا يخشى الكذب وحده، وإنما يخشى أيضًا أن يبدو عاجزًا عن فهمه.
ومن هنا يمكن أن نقترح تسمية هذه الظاهرة بـ “تأثير هولدن كولفيلد”: تلك الحالة التي تزداد فيها قابلية الإنسان لتصديق قول ما، ليس على الرغم من غموضه، وإنما أحيانًا بسبب غموضه؛ لأن الاعتراف بعدم فهمه قد يبدو في نظر المتلقي اعترافًا بنقص معرفي أو محدودية عقلية لا يريد أن ينسبها إلى نفسه.
وهنا تحديدًا يظهر فائض التمثّل بوصفه قوة معرفية قادرة على صناعة مفارقة عجيبة: فبدل أن يكون عدم الفهم سببًا للتوقف عن التصديق، يصبح في بعض الحالات سببًا يدفع إلى التصديق!
يفترض التفكير العقلاني ترتيبًا بسيطًا للأمور: يعرض شخص دعوى، فنفهم معناها أولًا، ثم نبحث عن أدلتها، ثم نقرر بعد ذلك قبولها أو رفضها. أي أن المسار الطبيعي ينبغي أن يكون: فهم ثم دليل ثم حكم.
لكن «تأثير هولدن كولفيلد» يقلب هذا الترتيب رأسًا على عقب. فقد يسمع الإنسان كلامًا لا يفهمه، ثم يفترض أن سبب عدم فهمه هو ليس غموض الكلام أو خواءه، وإنما قصوره هو عن بلوغ المستوى الفكري الذي صدر عنه ذلك الكلام.
وهكذا يتحول الغموض نفسه إلى قرينة على العمق. فإذا قال أحدهم كلامًا بسيطًا واضحًا، شعرنا بأننا قادرون على مناقشته واختباره والاعتراض عليه. أما إذا أغرق كلامه في شبكة من المصطلحات المركبة والتعبيرات المجردة والجمل التي يستعصي أحيانًا حتى تحديد مدلولاتها، فقد ينشأ لدى بعض المتلقين انطباع معاكس تمامًا: لا بد أن هذا الكلام عميق، بدليل أنني لم أفهمه!
وهذه واحدة من أغرب القفزات المنطقية التي يستطيع العقل البشري القيام بها؛ إذ لا توجد علاقة ضرورية بين صعوبة الكلام وعمقه. فالكلام قد يكون صعبًا لأنه عميق بالفعل، ولكنه قد يكون صعبًا أيضًا لأنه رديء الصياغة، أو مضطرب المفاهيم، أو متناقضًا، أو حتى فارغًا من أي مضمون يمكن اختباره.
ولكن لماذا لا يقول الإنسان ببساطة: «لم أفهم»؟ فهنا تتدخل الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه والصورة التي يريد للآخرين أن يحملوها عنه. فالإنسان لا يستقبل الأفكار بوصفها معلومات مجردة فحسب، وإنما يستقبلها من داخل شبكة كثيفة من التمثلات المتعلقة بذاته وبالآخرين وبمكانته بينهم. وحين يواجه كلامًا صادرًا عن فيلسوف أو عالم أو طبيب أو مفكر أو أستاذ جامعي أو شخص يتمتع بهيبة ثقافية، لا يعود السؤال الوحيد: هل هذا الكلام صحيح؟ بل يظهر إلى جواره سؤال أكثر خفاءً: ماذا سيعني عني أن أقول إنني لم أفهمه؟
ومن هنا يستطيع فائض التمثّل أن يحرف عملية الحكم المعرفي بأكملها. فالإنسان لا يريد فقط الوصول إلى الحقيقة؛ فهو يريد أيضًا حماية تمثّله عن نفسه بوصفه إنسانًا ذكيًا وقادرًا على الفهم. وعندئذ قد تصبح الموافقة أقل كلفة نفسيًا من السؤال. فأن تقول: «هذا كلام عميق» قد يكون أسهل من أن تقول: “ما معنى هذا الكلام تحديدًا؟”. وأن تهز رأسك موافقًا قد يكون أيسر من أن تطلب من المتحدث تعريف المصطلح الذي استخدمه. وأن تنسب الغموض إلى عمق الفكرة قد يكون أكثر راحة من أن تفكر في احتمال آخر أكثر إحراجًا: ربما لا توجد خلف الغموض فكرة عميقة أصلًا.
وبهذا المعنى، يبدو «تأثير هولدن كولفيلد» قريبًا بصورة مدهشة من الحكاية الشهيرة عن ثياب الإمبراطور الجديدة. فلقد كان الجميع يرون الإمبراطور عاريًا، ولكنهم كانوا يخشون التصريح بما يرونه لأن الخدعة قامت على شرط نفسي بالغ الذكاء؛ إذ قيل لهم إن الثوب لا يستطيع رؤيته الأغبياء وغير الأكفاء.
وهنا حدث شيء بالغ الدلالة. فلم تعد المسألة: هل توجد ثياب؟ بل أصبحت: ماذا سيقول الآخرون عني إذا قلت إنني لا أراه؟ وبمجرد انتقال السؤال من الواقع إلى صورة الذات، انتصرت الخديعة!
وهذا تقريبًا ما يحدث في بعض أشكال الخطاب المعرفي. فبدل أن نسأل: «هل توجد فكرة واضحة هنا؟»، يصبح السؤال الضمني: “ماذا لو كان الآخرون يفهمونها وأنا الوحيد الذي لا يفهم؟”.
وعندها يستطيع الوهم أن يعيش بقوة الخوف الاجتماعي من الاعتراف بعدم الفهم.
وهذا يفسر جانبًا من القوة التي تستطيع اللغة الاصطلاحية أن تمنحها لأصحابها، ولا يعني ذلك بالطبع أن المصطلحات العلمية والفلسفية المعقدة غير ضرورية. فكل حقل معرفي متقدم يحتاج إلى لغة دقيقة، وقد تكون بعض الأفكار عصية على التبسيط من دون الإخلال بها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المصطلحات من أدوات لزيادة الدقة إلى أدوات لإنتاج الهيبة.
فاللغة العلمية الحقيقية تحاول تقليل الالتباس قدر الإمكان، حتى عندما يكون موضوعها بالغ التعقيد. أما اللغة المتعالية معرفيًا فقد تستخدم التعقيد نفسه لتوسيع المسافة بين المتحدث والمتلقي. وكلما اتسعت هذه المسافة، أصبح السؤال أصعب. وكلما أصبح السؤال أصعب، أصبح الادعاء أكثر حصانة. حتى نصل إلى وضع مفارق تصبح فيه الدعوى الأقل قابلية للفهم هي أيضًا الأقل تعرضًا للنقد؛ لا لقوتها، وإنما لأن أحدًا لا يريد أن يكون أول من يرفع يده قائلاً: “عفوًا، ولكن ماذا يعني هذا الكلام؟”.
وتظهر خطورة هذه الآلية حين تنتقل من المواقف الاجتماعية البسيطة إلى المجالات التي تتشكل فيها المعتقدات الكبرى. فيمكن للخطاب الزائف أن يستعير مفردات من الفيزياء أو علم الأعصاب أو علم النفس أو الرياضيات، ثم يعيد تركيبها في جمل تبدو علمية لمن لا يمتلك تخصصًا يسمح له بتفكيكها. وعندئذ يقع المتلقي أمام امتحان نفسي أكثر منه معرفيًا. فإما أن يسأل عن الدليل ويجازف بأن يبدو غير مطلع، وإما أن يمنح المتحدث رصيدًا من التصديق على افتراض أن وراء هذه الكلمات المعقدة معرفة لا يستطيع هو بلوغها. وهكذا تستطيع هيبة اللغة أن تحل محل قوة الدليل.
وهنا يصبح «تأثير هولدن كولفيلد» أكثر من مجرد ملاحظة ساخرة في رواية؛ إنه مفتاح لفهم إحدى الطرق التي يمكن أن تنتشر بها الأباطيل في المجتمعات المتعلمة نفسها. فالجهل وحده لا يجعل الإنسان قابلًا للخداع، بل قد تجعله رغبته في ألا يبدو جاهلًا أكثر قابلية للخداع! وهذه مفارقة بالغة الدلالة المعرفية.
ولعل أكثر أشكال هذه الظاهرة تطرفًا ذلك الخطاب الذي يصاغ بطريقة تجعل الاعتراض عليه نفسه دليلًا على صحة الخطاب. فإذا قلت إنك لم تفهم، قيل لك إنك لم تبلغ المستوى المطلوب لفهمه. وإذا طلبت دليلًا، قيل لك إن الأدلة التقليدية لا تصلح لهذا النوع من المعرفة. وإذا أشرت إلى تناقض، قيل لك إنك تفكر بمنطق ثنائي عاجز عن إدراك “المستويات الأعمق”. وهكذا يُغلق النظام على نفسه.
فالفكرة لم تعد مطالبة بإثبات ذاتها، بل أصبح المتلقي مطالبًا بإثبات أنه مؤهل لفهمها. وهذه واحدة من أخطر عمليات قلب عبء الإثبات: بدل أن يقول صاحب الادعاء “سأثبت لك أن ما أقوله صحيح”، يجد المتلقي نفسه مضطرًا إلى القول: “سأثبت لك أنني لست غبيًا لعدم فهم ما تقول”.
ومن السهل عندئذ أن نعرف من المنتصر، إنه صاحب الادعاء.
وربما لهذا السبب ينبغي إعادة الاعتبار إلى واحدة من أكثر العبارات تواضعًا وقيمة معرفية في تاريخ المعرفة: “لم أفهم”. فهذه العبارة ليست اعترافًا بالغباء، بل قد تكون بداية الذكاء النقدي. وحين نقول لمن يحدثنا: «عرّف مصطلحك»، أو «أعد صياغة فكرتك»، أو «ما الدليل؟»، أو «ما الذي يمكن أن يثبت خطأ ادعائك؟»، فإننا لا نكشف عن قصور معرفي، بل نعيد العلاقة بين الادعاء والدليل إلى وضعها الطبيعي.
فالعبارة التي لا نفهمها لا تصبح صحيحة لأن قائلها عالم. ولا تصبح عميقة لأنها غامضة. ولا تصبح علمية لأنها تحتوي على مصطلحات علمية. ولا يصبح عجزنا عن فهمها دليلًا على عبقريتها.
وهنا يمكن فهم الظاهرة من منظور فائض التمثّل بصورة أعمق. فالإنسان لا يتعامل مع العبارة الغامضة بوصفها عبارة فحسب، وإنما يحيطها بسلسلة من التمثلات: قائلها عال، إذاً هو ذكي. وهو يستخدم كلمات لا أفهمها، إذاً لا بد أن وراءها معرفة عميقة. والآخرون لا يعترضون، إذاً لعلهم يفهمون. فإذا اعترضت أنا، فقد أبدو الوحيد الذي لم يفهم. إذاً الأفضل أن أصمت. ثم تأتي المرحلة الأخيرة والأخطر: بل ربما الأفضل أن أصدق.
وهكذا يستطيع فائض التمثّل أن يبني حول جملة فارغة بنية كاملة من المعاني التي لم تكن موجودة في الجملة نفسها. فالواقعة الأصلية بسيطة للغاية: “سمعت كلامًا لم أفهمه”. ولكن فائض التمثّل يحولها إلى: “سمعت كلامًا بالغ العمق، لكن معرفتي لم تبلغ بعد المستوى الذي يسمح لي بفهمه”.
وبين الجملتين تقع مساحة هائلة يمكن أن تعيش فيها الخرافة، والدجل، والتعالي المعرفي، والأيديولوجيا، والعلم الزائف.
ولعل المفارقة التي التقطها هولدن كولفيلد تكمن هنا تحديدًا: قد لا تكون أفضل طريقة لخداع الإنسان أن تقدم له كذبة يستطيع فهمها، لأن ما يفهمه يستطيع أيضًا تفكيكه. أما إذا أردت أن تمنح الكذبة حصانة إضافية، فألبسها ثوبًا لغويًا يجعل من الصعب فهمها، ثم اجعل المتلقي يشعر بأن الاعتراف بعدم فهمها سيكشف عن قصوره هو لا عن قصور كلامك. وعندئذ قد يحدث الشيء العجيب؛ فهو لن يطالبك بالدليل، بل قد يدافع عنك أمام من يطالبك به.
ولعل هذا يكشف عن وجه آخر من وجوه المأزق المعرفي الذي يضعنا فيه فائض التمثّل: فالإنسان لا يصدق دائمًا لأنه اقتنع، ولا لأنه رأى الدليل، ولا حتى لأنه فهم. بل قد يصدق أحيانًا لكي يحمي تمثّله عن نفسه! وقد يدافع عن فكرة لا يفهمها كي لا يقال إنه لم يفهمها! وقد يمنح الغموض صفة العمق لأن البديل النفسي أكثر إيلامًا: أن يعترف ببساطة بأنه لا يعرف ما الذي قيل له!
ولهذا ربما ينبغي أن نقلب مقولة هولدن المفترضة إلى قاعدة معرفية مضادة: إذا قال لك أحدهم كلامًا لم تفهمه، فلا تصدقه ولا تكذبه بعد. اطلب منه أولًا أن يجعلك تفهم ما يقول. فالحقيقة التي تستحق أن نصدقها لا ينبغي أن تحتاج إلى خوفنا من أن نبدو أغبياء لكي نحميها من السؤال.

أضف تعليق