
لعل من أكثر العبارات طرافةً، وفي الوقت نفسه دلالةً على مشكلة معرفية أعمق مما توحي به للوهلة الأولى، تلك العبارة التي قد يضعها بعض الأطباء النفسيين على مكاتبهم:
Trust me, I’m a psychiatrist.
أي: “ثق بي، فأنا طبيب نفسي”.
قد تُقرأ العبارة بوصفها مزحة مهنية لا أكثر، وقد يكون هذا بالفعل كل ما أراده من وضعها أمامه. غير أن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع المنطق الذي تنطوي عليه العبارة بوصفه قاعدة معرفية: عليك أن تثق بما أقوله لأنني أحمل صفة علمية أو مهنية تمنح قولي سلطة خاصة.
ولكن: إلى أي مدى ينبغي أن تمتد هذه الثقة؟
فإذا كان الطبيب النفسي يتحدث في مسألة تقع تحديدًا ضمن مجال تكوينه السريري والعلمي، فإن صفته المهنية تمنح قوله وزنًا معرفيًا لا ينبغي تجاهله. أما إذا انتقلنا من ذلك إلى افتراض أن عبارة «أنا طبيب نفسي» تمنح صاحبها سلطة تفسيرية على كامل الظاهرة الإنسانية، فإننا نكون قد انتقلنا من احترام الاختصاص إلى شيء مختلف تمامًا يمكن تسميته: التعالي المعرفي.
والتعالي المعرفي، بالمعنى الذي أقترحه هنا، هو ليس مجرد الغرور الذي قد يصيب عالمًا أو طبيبًا أو أكاديميًا، وإنما هو اعتقاد ضمني بأن السلطة التي اكتسبها الإنسان داخل حقل معرفي محدد يمكن أن ترافقه حين يغادر ذلك الحقل، فتظل آراؤه محتفظة بالوزن المعرفي نفسه حتى في المسائل التي لا تكفي أدوات تخصصه وحدها للحكم فيها.
وهنا يظهر أثر ما أسميه فائض التمثّل. فنحن لا نرى المتخصص كما هو فقط: إنسانًا اكتسب معرفة دقيقة في نطاق معين. بل نبني له صورة ذهنية تتجاوز هذه الحقيقة المحدودة. فالطبيب لا يعود في تمثّلنا إنسانًا يعرف الطب فحسب، وإنما يصبح «الذي يعرف»! والفيزيائي لا يعود عالمًا يمتلك معرفة متقدمة بالظواهر الفيزيائية، وإنما قد يتحول في المخيال العام إلى نموذج للعقل القادر على إصدار أحكام أكثر موثوقية حتى في الفلسفة والدين والأخلاق والسياسة وطبيعة الوعي! وعالم الأنثروبولوجيا قد يغادر دراسة الإنسان ضمن أدوات تخصصه ليصبح، في تمثّل المتلقي، صاحب سلطة على كل سؤال يتعلق بالإنسان!
وهكذا تنتقل السلطة من المعرفة إلى صاحب المعرفة. وهذا انتقال بالغ الخطورة.
فالعلم الحديث نفسه لم يتقدم لأن العلماء أصبحوا يعرفون كل شيء، بل لأن المعرفة ازدادت تخصصًا إلى الحد الذي جعل عبارة «أنا عالم» عديمة الدقة تقريبًا ما لم يتبعها سؤال: عالم في ماذا تحديدًا؟
بل إن السؤال ينبغي أن يكون أكثر دقة أحيانًا: في أي فرع من هذا العلم؟ وفي أي مسألة من هذا الفرع؟ وبأي أدوات؟ وإلى أي مدى تسمح تلك الأدوات بإصدار الحكم الذي يصدره صاحبها؟
فالطبيب النفسي، مثلًا، يعمل في حقل شديد التعقيد لا يعيش في عزلة عن علوم الأعصاب، وعلم النفس السريري، وعلم الأدوية، وعلم الوراثة، وعلم الغدد، والطب الباطني، وعلم الاجتماع، وغيرها من الحقول التي قد تصبح ذات صلة بحسب الظاهرة قيد الدراسة. وليس المقصود أن الطبيب النفسي ينبغي أن يكون متخصصًا في جميع هذه العلوم، فهذا مستحيل، وإنما المقصود أن معرفته بحدود اختصاصه هي جزء من كفاءته المعرفية نفسها.
ومن هنا فإن عبارة: “ثق بي، فأنا طبيب نفسي” لا تستطيع، بالمعنى المعرفي الصارم، أن تعني: “ثق بكل ما أقوله عن النفس البشرية لأنني طبيب نفسي”! وإنما أقصى ما تستطيع أن تعنيه هو: “امنح رأيي وزنًا يتناسب مع مقدار وقوع المسألة التي أتحدث عنها داخل مجال خبرتي، ومع قوة الأدلة التي أستند إليها”. والفارق بين العبارتين هائل.
والأمر نفسه ينطبق على عالم الفيزياء. فعبارة: “ثق بي، فأنا عالم فيزياء” قد تكون ذات معنى حين يناقش مسألة تقع ضمن تخصصه الفيزيائي الدقيق. ولكن ماذا يحدث إذا انتقل الفيزيائي من وصف الكون إلى تقرير ما إذا كان للوجود غاية، أو من دراسة المادة إلى إصدار حكم نهائي بشأن طبيعة الوعي، أو من معادلاته إلى تقرير ما ينبغي للإنسان أن يؤمن به؟! هنا ينبغي أن نسأل: هل لا يزال يتحدث بصفته عالم فيزياء، أم أنه أصبح إنسانًا يحمل رأيًا فلسفيًا مستعينًا بالهيبة التي منحه إياها تخصصه العلمي؟
والسؤال نفسه يمكن أن يوجه إلى عالم الأنثروبولوجيا حين ينتقل من دراسة الثقافات البشرية إلى إصدار أحكام نهائية في الأخلاق، وإلى عالم الأحياء حين ينتقل من تفسير آلية تطورية إلى تقرير القيمة الأخلاقية لسلوك ما، وإلى عالم الأعصاب حين ينتقل من رصد النشاط الدماغي المصاحب لتجربة إنسانية إلى الزعم بأنه قد فسّر التجربة ذاتها تفسيرًا كاملًا. فالمشكلة لا تكمن في هذا الانتقال في ذاته؛ فمن حق العالم، مثل غيره، أن يفكر في الفلسفة والأخلاق والدين والسياسة والفن. بل قد تكون معرفته العلمية مصدرًا مهمًا لإثراء تفكيره فيها، لكن المشكلة تبدأ عندما ترحل السلطة المعرفية معه من اختصاصه إلى خارجه من دون أن تقدم جواز مرورها المنهجي!
وهنا ينبغي أن نميز بين حق الإنسان في الكلام وحق كلامه في السلطة! فللمتخصص الحق الكامل في أن يتحدث خارج تخصصه، ولكن ليس من حقه أن يطالبنا بأن نمنح قوله هناك الدرجة نفسها من الثقة التي نمنحها له داخل مجال خبرته.
ولعل المفارقة أن “التعالي المعرفي” لا يصنعه المتخصص وحده، بل نصنعه نحن أيضًا. فنحن الذين نطلب من الفيزيائي أحيانًا أن يخبرنا عن الله، ومن الطبيب أن يخبرنا عن معنى الحياة، ومن عالم الأحياء أن يحسم لنا سؤال الأخلاق، ومن عالم النفس أن يفسر لنا التاريخ والسياسة والحب والدين، ثم ننسى أن لقبًا أكاديميًا لا يستطيع أن يحول الإنسان إلى موسوعة تمشي على قدمين!
إن فائض التمثّل يجعلنا لا نستمع إلى العبارة وحدها، وإنما نستمع أيضًا إلى صورة قائلها. ولهذا قد تبدو العبارة نفسها أكثر إقناعًا إذا سبقها لقب «البروفيسور» أو «الدكتور» أو «العالم»، حتى عندما لا تكون القضية المطروحة واقعة ضمن المجال الذي استحق صاحبه ذلك اللقب بسببه. وهكذا تتحول الألقاب، من إشارات إلى تخصص محدود، إلى ما يشبه رأس مال معرفيًا قابلًا للإنفاق خارج المجال الذي جرى اكتسابه فيه.
لكن هل ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟ لنتخيل عالم فيزياء شهيرًا وطبيبًا متخصصًا في أمراض القلب وعالم أنثروبولوجيا يتناقشون في قضية قانونية دقيقة. فشهرة الفيزيائي لا تجعله أكثر معرفة بالقانون، وعدد أبحاث طبيب القلب لا يمنحه سلطة خاصة في تفسير النص القانوني، ومكانة عالم الأنثروبولوجيا الأكاديمية لا تحسم النزاع. فإذا كان بين الجالسين محامٍ متخصص تحديدًا في المسألة المطروحة، فقد يكون الأقل شهرة بينهم هو الأكثر أهلية للكلام فيها.
إننا هنا نصل إلى قاعدة معرفية بالغة البساطة، لكنها كثيرًا ما تضيع تحت سطوة فائض التمثّل: قيمة الاختصاص تزداد كلما اقترب السؤال من حدوده، وتتضاءل كلما ابتعد عنها. ولذلك فإن السؤال الأكثر نضجًا هو ليس: من القائل؟ ولا: ما لقبه؟ بل: ما العلاقة بين اختصاص القائل والقضية التي يتحدث عنها؟ ثم يأتي السؤال الأهم: ما دليله؟ فالدليل لا يصبح أقوى لأن صاحبه مشهور، ولا تزداد صحة الحجة بازدياد عدد الألقاب المكتوبة قبل اسم قائلها. والاختصاص، على أهميته القصوى، لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الحجة، وإنما سببًا إضافيًا يدعونا إلى الإصغاء إليها بعناية حين تقع ضمن المجال الذي اكتسب فيه المتخصص خبرته.
ولعل أخطر صور “التعالي المعرفي” تظهر عندما ينسى المتخصص حقيقة تبدو بديهية مفادها أن الظواهر لا تحترم حدود الأقسام الجامعية. فالإنسان لا ينقسم في الواقع إلى علم نفس وطب أعصاب وأنثروبولوجيا وعلم اجتماع وبيولوجيا وفلسفة! إنما نحن الذين قسمناه كذلك كي نستطيع دراسته. والكون لا يحتوي رفًا للفيزياء وآخر للكيمياء وثالثًا للبيولوجيا؛ فتلك حدود رسمها العقل البشري لتنظيم المعرفة، وليست بالضرورة حدودًا ترسمها الظواهر لنفسها.
ولهذا فإن الظاهرة الواحدة قد تقع عند تقاطع تخصصات عديدة، بحيث لا يستطيع أي تخصص منفرد أن يدعي امتلاكها كاملة.
ومن هنا تنقلب المسألة رأسًا على عقب: فكلما كانت الظاهرة أكثر تعقيدًا وتداخلًا، كان ينبغي للمتخصص أن يصبح أكثر تواضعًا معرفيًا، لا أكثر تعاليًا، وذلك لأن اتساع ما يعرفه في زاويته الخاصة ينبغي أن يجعله أكثر وعيًا بمقدار ما يقع خارجها.
ولذلك ربما كان الشعار المعرفي الأكثر نضجًا هو ليس: Trust me, I’m a psychiatrist.
ولا: Trust me, I’m a physicist.
ولا: Trust me, I’m an anthropologist.
بل شيء أقل إثارة للإعجاب وأكثر علمية:
Don’t trust me because of what I am. Examine what I say, and ask whether I am still speaking within what I actually know.
“لا تثق بي بسبب صفتي؛ افحص ما أقول، واسأل إن كنت ما أزال أتحدث ضمن حدود ما أعرفه فعلًا”.
فالعالِم الحقيقي لا تظهر عظمته فقط في اتساع المساحة التي يستطيع أن يقول داخلها: “أنا أعرف”، بل ربما تظهر بصورة أوضح عند الحد الذي يستطيع أن يقف عنده ويقول: “من هنا يبدأ اختصاص غيري”.
وعند هذه النقطة تحديدًا يفترق “التخصص المعرفي” عن “التعالي المعرفي”. فالأول يعرف قيمة ما يعرف، أما الثاني، فيتوهم أن قيمة ما يعرف تمنحه سلطة على ما لا يعرف.
