لماذا كُذِّبَ أنبياء الله تعالى؟… قراءة ميتابايولوجية في الاستجابة البشرية للوحي

بعد مئات المقالات التي حاولتُ فيها تتبّع بعض الآثار التي أحدثتها الانعطافة التطورية الأولى في الإنسان، ربما أصبح من الممكن أن نعود إلى بعض أكثر الوقائع تكرارًا في التاريخ القرآني فنقرأها قراءة مختلفة.
فقد انطلقت تلك المقالات، على اختلاف موضوعاتها، من فرضية مركزية مفادها أن الإنسان لم يواصل مسيرته التطورية على الخط نفسه الذي حكم وجوده في عالم الطبيعة، وإنما حدثت له انعطافة غيّرت شيئًا جوهريًا في طريقة تعامله مع ذاته والآخر والعالم. ولم يكن أهم ما أحدثته هذه الانعطافة تغيرًا تشريحيًا يمكن العثور عليه في عظمة أو جمجمة، وإنما تغيرًا في المنظومة التي يتعامل الإنسان من خلالها مع الواقع.
ومن هنا جاءت الفوائض الثلاثة التي حاولت تلك المقالات تتبع تجلياتها المختلفة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس؛ وإن كان فائض التمثّل، من الناحية المعرفية، أشدها أثرًا وأبعدها امتدادًا.
فبمقتضى فائض التمثّل لم يعد الإنسان يتعامل مع الأشياء كما هي فحسب، بل أصبح يتعامل معها بعد أن تمر عبر شبكة هائلة من التصورات والتأويلات والتوقعات والمعتقدات والهويات والمصالح والمخاوف والرغبات.
وهكذا لم يعد الواقع وحده هو الذي يحدد استجابة الإنسان للواقع. وهذه نتيجة بالغة الدلالة؛ لأنها تعني أن تقديم الدليل للإنسان لا يضمن اقتناعه، وأن وضوح الحقيقة لا يضمن قبوله لها، وأن قوة الحجة لا تستلزم بالضرورة قوة تأثيرها فيمن يسمعها. فالإنسان لا يستقبل الحجة في فراغ، بل تدخل إلى عقل سبق أن امتلأ بتمثلات عن العالم وعن نفسه وعن جماعته وعن أسلافه وعن خصومه، وقد لا يسأل ذلك العقل، عندئذ: هل ما أسمعه صحيح؟ بقدر ما يسأل، من حيث يدري أو لا يدري: ماذا سيحدث لعالمي إن كان ما أسمعه صحيحًا؟
وهنا ربما نستطيع أن نعود إلى القرآن العظيم بسؤال مختلف: كيف كان لنا أن نتوقع أن تستقبل الجماعات البشرية الأنبياء؟ بل لعل السؤال الأدق هو: بعد كل ما عرفناه عن الإنسان، هل كان ينبغي أصلًا أن نتوقع استجابة مختلفة كثيرًا عن تلك التي قصّها علينا القرآن العظيم؟
فالقرآن العظيم يقدم أمامنا مشهدًا يكاد يتكرر مع اختلاف الأزمنة والأمكنة والأقوام: رسول يأتي قومه برسالة، فلا تكون الاستجابة الغالبة هي الإصغاء الهادئ، ثم فحص الدعوى، ثم مطالبة صاحبها بالأدلة، ثم وزن الأدلة بعيدًا عن الموروث والمصلحة والهوية. بل نجد التكذيب والسخرية والاتهام والإعراض والتهديد والإيذاء، وقد ينتهي الأمر بمحاولة إخراج الرسول أو قتله.
وللوهلة الأولى يبدو ذلك مستغربًا. فلماذا يعادي الإنسان من يدعوه إلى ما يراه الرسول حقًا وخيرًا؟ ولكن الاستغراب يبدأ بالتراجع إذا نقلنا السؤال من تاريخ الأديان إلى طبيعة الإنسان الذي يستقبل الرسالة.
فالأنبياء لم يكونوا يخاطبون عقلًا مجردًا، بل كانوا يخاطبون بشرًا. والفرق هائل.
فكان النبي يأتي إلى جماعة سبق أن اكتمل لديها تمثّل للعالم: لها آلهتها أو معتقداتها، ولها أسلافها، ولها زعاماتها، ولها مراتبها الاجتماعية، ولها مصالحها، ولها تفسيراتها للعالم وظواهره واحداثه، وما هو حق وما هو باطل، ومن يستحق الطاعة ومن لا يستحقها. ثم يأتي رجل من داخل هذه الجماعة أو قريب منها ليقول لها، في جوهر دعوته: إن جانبًا أساسيًا مما تظنونه حقيقة هو ليس حقيقة. وهذه ليست معلومة جديدة تضاف ببساطة إلى المعلومات القديمة، بل هي تهديد لبنية كاملة من التمثلات.
ومن هنا نفهم لماذا يكثر في القرآن العظيم احتجاج الأقوام بما وجدوا عليه آباءهم. فالموروث هنا لا يؤدي وظيفة «المعلومة» فحسب؛ إذ أنه جزء من النظام الذي يمنح العالم معناه واستقراره. ولهذا فإن التخلي عنه ليس، نفسيًا ومعرفيًا، شبيهًا بتصحيح معلومة خاطئة في كتاب، وإنما قد يعني بالنسبة إلى الإنسان انهيار جزء من العالم الذي عاش داخله طويلًا. ويمكن عندئذ أن نفهم على نحو أعمق قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. فالآباء هنا ليسوا مجرد مصدر قديم للمعلومات، بل هم مصدر للهوية والشرعية والمعنى.
وهنا يتجلى فائض التمثّل في واحدة من أقوى صوره؛ إذ تصبح الفكرة التي ورثها الإنسان جزءًا من تعريفه لنفسه، بحيث يغدو نقد الفكرة في إدراكه شبيهًا بنقد ذاته. ومن ثم لا يعود النبي حامل «خبر» يمكن قبوله أو رفضه بهدوء، بل يصبح، في منظومة التمثّل القائمة، تهديدًا وجوديًا لعالم مكتمل. وهذا قد يساعدنا كذلك على فهم مفارقة أخرى تتكرر في قصص الأنبياء: لماذا لم تكن زيادة الأدلة تؤدي دائمًا إلى زيادة الإيمان؟ وذلك لأن المشكلة لم تكن دائمًا نقص الدليل. فلقد كان هناك، في حالات كثيرة، شيء يسبق التعامل مع الدليل نفسه إلا وهو المنظومة التي ستقرر كيف ينبغي تفسير الدليل. فالواقعة الواحدة يمكن، تحت سلطان فائض التمثّل، أن يُعاد صياغتها بما يحفظ الاعتقاد السابق. وإذا جاء النبي بما لا يستطيع المخالف تفسيره بسهولة، أمكن نقله إلى خانة أخرى: سحر، كهانة، جنون، افتراء، شعر، أو غير ذلك.
وهنا تظهر واحدة من أخطر قدرات العقل البشري: قدرته على حماية تمثلاته من الوقائع بدل تعديل تمثلاته وفقًا للوقائع!
ولعل هذا ما يجعل اتهام الأنبياء بالجنون أو السحر أو الكذب أكثر دلالة مما يبدو. فهذه الاتهامات لم تكن بالضرورة محاولات لتفسير النبي بقدر ما كانت محاولات لإعادة وضعه داخل عالم يمكن فهمه من دون هدم العالم القديم. فإذا كان الرجل ساحرًا، فلا حاجة إلى إعادة النظر في معتقداتنا. وإذا كان مجنونًا، فلا حاجة إلى الإصغاء إليه. وإذا كان كاذبًا، فلا حاجة إلى مساءلة ما ورثناه. وهكذا يقوم فائض التمثّل بعملية دفاعية بالغة الكفاءة: فبدل أن تتغير المنظومة بسبب الواقعة، تتغير دلالة الواقعة لكي تبقى المنظومة كما هي!
ولكن الأمر لا يقف عند فائض التمثّل. فهنا يمكن أن تدخل الفوائض الأخرى في المشهد. فحين يفشل الإعراض والسخرية والتكذيب في إسكات صاحب الرسالة، قد ينتقل الإنسان من إعادة تفسير التحدي إلى محاولة إزالة مصدره.
وهنا يلتقي فائض التمثّل بفائض العدوان. فمن جرى تمثله أولًا بوصفه كاذبًا أو ساحرًا أو مجنونًا أو خطرًا على الجماعة يصبح الاعتداء عليه بعد ذلك أكثر سهولة؛ لأن العدوان لا يقع، في وعي المعتدي، على إنسان يحمل رأيًا مخالفًا فحسب، وإنما على ذلك الكائن الذي أعادت منظومة التمثّل تعريفه بوصفه خطرًا ينبغي تحييده.
ومن هنا ربما نستطيع فهم ذلك التصاعد المألوف في قصص الأنبياء: دعوة، ثم استهجان، ثم سخرية، ثم تكذيب، ثم تشويه، ثم تهديد، ثم إيذاء، ثم محاولة إخراج أو قتل. فهي ليست مراحل منفصلة بالضرورة. فقد تكون أجزاء من دينامية إنسانية واحدة تبدأ بتمثّل الآخر وتنتهي أحيانًا بتبرير العدوان عليه!
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فنحن حين نقرأ قصص الأنبياء بعد مئات السنين قد نقف تلقائيًا في صف النبي، ثم نستغرب كيف عجز قومه عن رؤية ما يبدو لنا واضحًا. ولكننا نمتلك امتيازًا لم يمتلكوه: فنحن نقرأ القصة بعد أن اكتملت. ونعرف من هو النبي ومن هم المكذبون. ونعرف المآل قبل أن نقرأ البداية. أما الإنسان الذي كان يعيش لحظة الدعوة نفسها فلم يكن يقرأ «قصة نبي» في كتاب؛ كان يرى رجلًا يقف أمام النظام المعرفي والاجتماعي والعقدي الذي عاش داخله، ويخبره بأن عليه إعادة النظر في أشياء قد تكون بالنسبة إليه من أكثر الأشياء بداهة و”قداسة”.
وهنا ينبغي أن يتحول السؤال من: كيف استطاع أولئك الناس أن يكذبوا أنبياءهم؟ إلى سؤال أشد إزعاجًا: ما الذي يجعلنا واثقين من أننا، لو كنا مكانهم وتحت الشروط المعرفية والنفسية والاجتماعية نفسها، كنا سنفعل شيئًا مختلفًا؟!
وهذا السؤال هو، ربما، إحدى أهم الثمار التي يمكن أن تقدمها القراءة الميتابايولوجية لقصص الأنبياء. فهي لا تسعى إلى تبرير التكذيب، ولا إلى نفي المسؤولية الأخلاقية عن المكذبين، وإنما إلى فهم الإنسان الذي يقوم بالتكذيب.
والفارق بين الأمرين جوهري.
فالتفسير ليس تبريرًا. فمعرفة الآليات التي تجعل الإنسان يقاوم الحقيقة لا تعفيه من مسؤوليته، لكنها تجعلنا نفهم لماذا تكرر النمط نفسه عبر أمم مختلفة وأزمنة متباعدة. وربما لهذا السبب لا يعرض القرآن العظيم قصص الأنبياء بوصفها حوادث تاريخية منقطعة، وإنما يعيد عرض النمط ذاته مرارًا: رسول، وقوم، ودعوة، وموروث، واستكبار، وتكذيب، ثم عاقبة. وكأن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القارئ ليس فقط: ماذا فعل قوم نوح أو عاد أو ثمود أو قوم إبراهيم أو فرعون؟ بل: ما الذي يوجد في الإنسان بحيث يمكن لهذا النمط أن يتكرر؟
ومن هنا يمكن لمئات المقالات التي تناولتُ فيها فائض التمثّل وتجلياته أن تلتقي، في النهاية، عند هذه النقطة. فقد بدت موضوعاتها متباعدة: التاريخ، والعلم، والحب، والهوية، والعدوان، والأسطورة، والتصنيف، والمعرفة، والدين، والذكاء الاصطناعي، والعلاقات الإنسانية. لكنها كانت تكشف، من زوايا مختلفة، عن المشكلة نفسها، والتي مفادها أن الإنسان لا يرى الواقع قبل أن يتمثله، ثم قد ينسى أنه تمثّله فيتوهم أن تمثّله هو الواقع ذاته! وإذا صح ذلك، فإن تاريخ الصراع بين الأنبياء وأقوامهم لا يعود واقعة غريبة تقع خارج فهمنا لطبيعة الإنسان. بل ربما يصبح واحدًا من أكثر الشواهد قوة عليها. فلقد جاء الأنبياء ليغيروا ما يعتقده الإنسان عن الله تعالى، وعن نفسه، وعن العالم، وعن الخير والشر، وعن السلطة والمكانة والمصير. أي أنهم لم يتحدوا معلومة هامشية في العقل البشري، بل اقتربوا من مركز منظومة التمثّل نفسها!
فكيف كان لنا، بعد كل ما عرفناه عن ذلك العقل، أن نتوقع ألا يقاوم؟ وكيف كان لنا أن نستغرب الصدود والإعراض والهجر والسخرية والتكذيب والإيذاء، ونحن نعرف أن الإنسان قد يقاوم تغيير فكرة صغيرة لأنه بناها داخل هويته، فكيف إذا جاءه من يطالبه بإعادة بناء تصوره عن الوجود كله؟!
لذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة للدهشة هو: لماذا كذبت الأقوام أنبياءها؟ بل السؤال المقابل: كيف استطاع بعض أفراد تلك الأقوام، على الرغم من سلطان الموروث والهوية والمصلحة وفائض التمثّل وضغط الجماعة، أن يصدقوهم؟
وهنا تحديدًا قد تكمن المسألة الأكثر استحقاقًا للبحث. لأن المعجزة الإنسانية الأشد إثارة للتأمل قد لا تكون في أن يقاوم الإنسان الحقيقة الجديدة؛ فهذا، في ضوء ما عرفناه عنه، مفهوم إلى حد بعيد. ولكن المعجزة الإنسانية الحقيقية هي أن يستطيع إنسان ما، في لحظة حاسمة، أن يشك في تمثّلاته الراسخة، وأن يفصل بين الحقيقة وبين ما اعتاد أن يعدّه حقيقة، وأن يقبل بإعادة بناء عالمه المعرفي كله لأن دليلًا جديدًا أخبره بأن العالم ليس كما كان يتصوره. وهنا تكشف لنا هذه المقاربة الميتابايولوجية التي تحاول الإجابة عن سؤال: لماذا كُذِّبَ الأنبياء؟ عن هذه القلة من أقوام الأنبياء التي اختارت ان تخالف عن أمر الاسلاف والآباء الاقدمين، وأن تؤمن بما جاء به النبي، وإن كان في ذلك ما يتعارض بالتمام والكلية مع ما يأمرهم به فائض التمثل كما يمثله الماضي الذي نشأوا في ظل تعاليمه.
وبذلك تصبح قصص الأنبياء، إلى جانب معناها الديني، مختبرًا بالغ الثراء لدراسة الإنسان نفسه. فالقرآن العظيم لا يخبرنا في هذه القصص بما قاله الأنبياء فحسب، بل يكشف لنا أيضًا، وبقدر لا يقل قيمة معرفية، ماذا يفعل العقل البشري عندما يأتيه من يقول له إن العالم الذي بناه في رأسه ليس هو العالم كما هو في الحقيقة.

أضف تعليق