الحقيقة بين محدودية القوالب الجاهزة والتعددية المعرفية

ثمة جانب من جوانب ما يمكن تسميته هشاشة الإنسان المعرفية لا يتمثل في عجز الإنسان عن جمع المعلومات أو ملاحظة الوقائع، وإنما في شيء أكثر خفاءً يتمثل في عجزه أحيانًا عن التفكير في الواقعة الجديدة إلا من خلال قالب تفسيري قديم موجود سلفًا في مخزونه المعرفي! فنحن نحب أن نتصور أن العقل، حين يواجه ظاهرة جديدة، يبدأ منها هي، ثم يبحث عن التفسير الأكثر ملاءمة لها. ولكن ما يحدث في الغالب الأعم هو على العكس من ذلك تماماً؛ إذ يكون القالب حاضرًا أولًا، ثم تأتي الواقعة لكي نحاول إدخالها فيه! ومن الأمثلة اللافتة على ذلك المقاربة التي يقدمها كتاب The Scramble for Europe (التنافس على أوروبا) إذ يستدعي مؤلفه صورة «التكالب على أفريقيا» في القرن التاسع عشر لكي يفهم من خلالها ما يراه تكالبًا معاصرًا على أوروبا، حيث تتنافس قوى كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، على النفوذ في المجال الأوروبي.
فأفريقيا القرن التاسع عشر كانت مجالًا لتنافس قوى أوروبية كبرى على مناطق النفوذ والمصالح والموارد، بينما تبدو أوروبا في القرن الحادي والعشرين، وفق هذا المنظور، وكأنها تتحول بدورها إلى مجال تتقاطع فيه مصالح قوى عالمية أكبر أو أكثر قدرة على المناورة الاستراتيجية.
ولكن جاذبية التشبيه هي تحديدًا ما ينبغي أن تجعلنا أكثر حذرًا منه. فليس السؤال الأهم هنا: هل توجد أوجه شبه بين الحالتين؟ فمن المؤكد أنه يمكن العثور على أوجه شبه. لكن السؤال الأعمق هو: هل يكفي وجود أوجه الشبه لكي يصبح النموذج القديم قالبًا صالحًا لفهم الواقعة الجديدة؟ وهنا تبدأ المشكلة المعرفية. فالعقل البشري لا يستطيع التعامل مع كل واقعة كما لو أنها كانت الأولى من نوعها، فهو يحتاج إلى التصنيف والمقارنة والاستعانة بالخبرة السابقة. وهذه ليست آفة في ذاتها، بل واحدة من أهم أدوات المعرفة. فمن دون القياس والمماثلة والنماذج لن نستطيع فهم شيء تقريبًا.
ولكن الأداة المفيدة يمكن أن تتحول إلى قيد حين لا نعود نستعمل النموذج لفهم الواقع، وإنما نبدأ في إعادة تشكيل الواقع لكي يتلاءم مع النموذج! وهنا يصبح التاريخ أشبه بمستودع ضخم للقوالب الجاهزة: حرب باردة جديدة، إمبراطورية جديدة، روما جديدة، ميونيخ جديدة، فيتنام جديدة، استعمار جديد، تكالب جديد على أفريقيا…
وما إن تقع حادثة كبرى حتى يبدأ البحث عن النظير التاريخي الذي يمكن وضعها داخله! ولكن ماذا لو لم تكن الواقعة الجديدة نسخة من واقعة قديمة؟ وماذا لو كان الجديد فيها أكبر من القديم الذي يشبهها؟ وماذا لو كان التشابه نفسه، على شدته، يخفي اختلافات أهم منه؟
تكشف المقارنة بين أفريقيا القرن التاسع عشر وأوروبا المعاصرة هذه المشكلة بوضوح. فأفريقيا التي تقاسمتها القوى الاستعمارية الأوروبية كانت واقعة ضمن نظام دولي مختلف جذريًا، وفي علاقات قوة مختلفة، وفي عالم لم تكن فيه المؤسسات الدولية والتحالفات العسكرية والاقتصادات المتشابكة والأسلحة النووية والشركات العابرة للقوميات وشبكات المعلومات والاعتماد الاقتصادي المتبادل تؤدي الأدوار التي تؤديها اليوم.
أما أوروبا المعاصرة فليست مجرد «مساحة» تتنافس عليها الولايات المتحدة والصين وروسيا. فهي تضم دولًا ذات سيادة، وقوى اقتصادية وعسكرية، ومؤسسات فوق قومية، وشبكات تحالف، وقدرات، متفاوتة بلا شك، على اتخاذ القرار والتأثير في النظام الدولي نفسه.
ولهذا فإن القول بوجود تشابه بين الحالتين شيء، والقول إن الحالة الأولى تقدم القالب التفسيري للحالة الثانية شيء آخر تمامًا. فالمماثلة تستطيع أن تضيء جانبًا من الواقع، ولكنها قد تعتم جوانب أخرى. وهذه واحدة من أخطر خصائص القالب المعرفي: أنه لا يخبرنا فقط بما ينبغي أن نراه، وإنما قد يجعلنا لا نرى ما يقع خارجه.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إثارة: هل انعدمت قدرتنا على صياغة قوالب تفسيرية جديدة حتى نضطر في كل مرة إلى الاحتماء بعدد محدود من القوالب التي ورثناها من التاريخ؟! ربما تكشف كثرة الاستعارات التاريخية في الخطاب السياسي والفكري عن نزعة معرفية أعمق. فالعقل يشعر براحة أكبر حين يستطيع أن يقول عن الشيء الجديد: “لقد رأيت هذا من قبل”! فالجديد الخالص مقلق، إذ يضع العقل أمام فراغ تفسيري، بينما تمنحه المماثلة إحساسًا سريعًا بالفهم. وما إن نقول: «هذه حرب باردة جديدة»، أو «هذا تكالب جديد على أفريقيا»، حتى نشعر بأن شيئًا غامضًا قد أصبح مفهومًا. لكن هل أصبح مفهومًا بالفعل؟ أم أننا منحناه اسمًا مألوفًا فحسب؟ هنا تظهر إحدى صور فائض التمثّل: لا يعود العقل يتعامل مع الواقعة في تعقيدها الكامل، وإنما يتعامل مع التمثل الذي كوّنه لها. ثم قد يصبح هذا التمثل أكثر حضورًا في الوعي من الواقعة التي كان يفترض أن يفسرها! فنحن لا نرى أوروبا المعاصرة عندئذ كما هي، وإنما نرى «أفريقيا القرن التاسع عشر» منعكسة عليها!
تكمن فائدة القوالب التفسيرية في أنها تختصر التعقيد، ولكن هذه الميزة نفسها هي مصدر خطرها. فالعالم الواقعي يكاد يكون دائمًا أغنى من النموذج الذي نصفه به. وكل نموذج معرفي، مهما بلغت قوته، يختار بعض المتغيرات ويهمل غيرها، ويبرز علاقات معينة على حساب علاقات أخرى. ولهذا فإن الخطأ لا يكمن في استعمال القوالب، وإنما في نسيان أنها قوالب! فحين ننسى ذلك، يتحول النموذج من أداة لرؤية الحقيقة إلى بديل عنها. وتصبح المهمة المعرفية عندئذ ليست اكتشاف ما يحدث، وإنما العثور على أفضل اسم قديم لما يحدث!
ربما يكون أحد السبل للخروج من هذه المعضلة هو ما يمكن تسميته التعددية المعرفية. ولا تعني التعددية المعرفية أن الحقيقة نسبية، أو أن جميع التفسيرات صحيحة بالدرجة نفسها، أو أن علينا جمع الآراء المتناقضة ثم الامتناع عن الترجيح بينها؛ إذ أنها تعني شيئًا مختلفًا مفاده ألا نسمح لقالب تفسيري واحد بأن يحتكر الواقعة قبل أن نستنفد إمكانية النظر إليها من زوايا أخرى!
ويمكن، مثلًا، قراءة الوضع الأوروبي الراهن من خلال تاريخ الإمبراطوريات ومناطق النفوذ، ولكن يمكن أيضًا قراءته من خلال الاقتصاد السياسي، ونظرية الاعتماد المتبادل، وتحولات النظام الدولي، والديموغرافيا، والتكنولوجيا، والطاقة، والأمن، وتحولات السيادة، وشبكات الشركات ورؤوس الأموال والمعلومات. وقد لا يكون أي واحد من هذه المنظورات قادرًا بمفرده على احتواء الحقيقة كاملة، بل ربما لا تكون مهمتنا اختيار أحد القوالب الموجودة أصلًا، وإنما تركيب نموذج جديد من العناصر التي تكشفها هذه المنظورات المختلفة! وهنا تصبح التعددية المعرفية نقيضًا للكسل التفسيري.
لقد اعتدنا تصور تطور المعرفة باعتباره انتقالًا من جواب قديم إلى جواب جديد. ولكن التحول الأكثر قيمة معرفية قد يحدث قبل ذلك، وذلك حين ندرك أن السؤال نفسه كان موضوعًا داخل قالب غير ملائم! فالثورات المعرفية الكبرى لم تكن دائمًا اكتشاف أجوبة جديدة عن الأسئلة القديمة؛ إذ كان بعضها اكتشافًا لأن طريقة صياغة المشكلة ذاتها ينبغي أن تتغير.
ومن هنا فإن القدرة على إنتاج قوالب تفسيرية جديدة قد تكون واحدة من أهم علامات “الحيوية المعرفية” لأي حضارة. أما الحضارة التي لا تستطيع فهم الجديد إلا بتسميته بأسماء القديم، فإنها قد تكون غنية بالمعلومات وفقيرة في الأدوات المفاهيمية التي تنظم تلك المعلومات.
تظهر هشاشتنا المعرفية إذاً في مفارقة دقيقة مفادها أننا نحتاج إلى القوالب لكي نفهم، لكن القوالب نفسها تستطيع أن تمنعنا من الفهم. فنحن نحتاج إلى الماضي لكي نفسر الحاضر، لكن الماضي يستطيع، إذا بالغنا في الاعتماد عليه، أن يحجب عنا جدة الحاضر. ونحتاج إلى المماثلة لكي نكتشف العلاقات بين الأشياء، لكن المماثلة تستطيع أن تتحول من جسر معرفي إلى فخ حين ننسى أن التشابه لا يعني التطابق. ولهذا فإن العقل الأكثر قدرة على الاقتراب من الحقيقة ليس العقل الذي يمتلك أكبر عدد من القوالب الجاهزة فحسب، وإنما العقل الذي يعرف متى يتخلى عن القالب! إنه العقل القادر على أن يقول: قد يكون ما أراه شبيهًا بشيء عرفته من قبل، ولكنه ليس بالضرورة ذلك الشيء نفسه. وقد يكون التاريخ قادرًا على مساعدتي في فهمه، لكنه ليس ملزمًا بأن يمنحني النموذج النهائي لتفسيره. وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نطرحه كلما واجهتنا ظاهرة جديدة ليس: أيُّ قالب من قوالبنا القديمة يناسب هذه الظاهرة؟ بل: هل تحتاج هذه الظاهرة إلى قالب لم نصنعه بعد؟
وعند تلك النقطة تحديدًا تبدأ التعددية المعرفية بأداء وظيفتها الحقيقية؛ فهي لا تمنحنا حقيقة متعددة، وإنما تمنع منظورًا واحدًا من أن يتنكر في هيئة الحقيقة كلها!
ولعل هذا هو الفارق بين عقل يستخدم القوالب لكي يقترب من الواقع، وعقل يعيد تشكيل الواقع لكي يبقى أسير القوالب التي يعرفها!

أضف تعليق