
لعل من أكثر الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها أي محاولة لتأصيل مفهوم «فائض التمثّل» قرآنيًا هو: هل سبق للقرآن أن سمّى هذه الآفة المعرفية التي تجعل الإنسان لا يتعامل مع الأشياء كما هي، وإنما كما تمثّلها في ذهنه؟ قد نجد واحدًا من أهم الأجوبة عن هذا السؤال في كلمة قرآنية شديدة الحضور والدلالة ألا وهو “الظن”. ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل موضع ورد فيه لفظ الظن في القرآن يطابق، دلاليًا ومفهوميًا، ما أسمّيه «فائض التمثّل». فالألفاظ القرآنية تُفهم في سياقاتها، وقد تتعدد ظلالها الدلالية من موضع إلى آخر. ولكن ثمة استعمالًا قرآنيًا للظن يبدو قريبًا بصورة لافتة من البنية المعرفية التي يحاول مفهوم فائض التمثّل وصفها: أن يستبدل الإنسان بالواقع صورة ذهنية عنه، ثم يتعامل مع هذه الصورة كما لو كانت هي الواقع نفسه.
ولعل الآيتين 116 و117 من سورة الأنعام تقدمان واحدًا من أوضح النماذج على ذلك: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. فاللافت في قول الله تعالى هذا ليس مجرد تحذيره من اتباع الأكثرية، كما قد تبدو عند القراءة الأولى، وإنما التشخيص المعرفي الذي تقدمه للسبب الذي يجعل الأكثرية قابلة لأن تُضل الإنسان: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}.
وهنا تنتقل القضية من كونها قضية عدد إلى كونها قضية منهج في المعرفة. فالمشكلة ليست أن هؤلاء كثيرون، وإنما أن الكثرة لا تستطيع أن تحول الظن إلى علم. وقد يجتمع آلاف أو ملايين البشر حول تمثّل واحد للواقع، ولكن إجماعهم عليه لا يمنحه بالضرورة مطابقة أكبر لذلك الواقع. فالخطأ المعرفي لا يتحول إلى حقيقة بمجرد اتساع دائرة المؤمنين به! وهذا تحديدًا أحد أخطر تجليات فائض التمثّل. فالإنسان لا يستقبل الواقع استقبالًا محايدًا ثم يبني أحكامه عليه وحده، وإنما تمر الوقائع عبر منظومة هائلة من التصورات السابقة، والتوقعات، والمخاوف، والرغبات، والموروثات، والانتماءات، واللغة، والذاكرة، والأحكام الاجتماعية. ومن خلال هذه المنظومة تتكون صورة ذهنية للشيء قد تكون مختلفة بدرجات متفاوتة عن الشيء نفسه. والمشكلة ليست في وجود هذه الصورة؛ إذ يستحيل على الإنسان أن يتعامل مع العالم من دون تمثلات ذهنية، بل المشكلة تبدأ عندما ينسى العقل أن الصورة صورة، فيمنحها منزلة الواقع الذي يفترض أنها تمثله! وهنا يتحول التمثّل إلى فائض تمثّل.
ولعل القرآن العظيم يستخدم كلمة «الظن» في هذا السياق للإشارة إلى حالة معرفية قريبة جدًا من هذه اللحظة: حين لا يمتلك الإنسان العلم الكافي بالشيء، ولكنه مع ذلك يتعامل مع ما كوّنه عنه في ذهنه كما لو أنه علم. ولهذا لم تقل الآية إنهم «لا يعلمون» فحسب، وإنما قالت: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}.
فالجهل وحده ليس أخطر الآفات المعرفية. فقد يجهل الإنسان شيئًا ويعلم أنه يجهله، فيبقى باب المعرفة مفتوحًا أمامه. أما الخطر الحقيقي فيبدأ حين يجهل الإنسان ثم يملأ فراغ جهله بتمثّل، ثم يظن أن ذلك التمثّل معرفة.
وهذا فارق بالغ الدلالة المعرفية. فالذي يقول «لا أعلم» لم يغلق الملف المعرفي بعد. أما الذي يظن فقد يكون قد أغلقه بالفعل؛ لأنه أنتج جوابًا ذهنيًا يستطيع أن يحل محل الجواب الذي لم يحصل عليه من الواقع.
ومن هنا يمكن فهم اقتران الظن في الآية بفعل آخر شديد الدلالة: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}. فالخرص يتصل بالتقدير والقول بغير علم يقيني، وهو ما يجعل العبارة القرآنية ترسم بنية معرفية متكاملة: هناك واقع لا يمتلك الإنسان علمًا كافيًا به، ثم هناك تقدير ذهني يملأ الفجوة، ثم هناك اتباع لذلك التقدير كما لو كان معرفة. أي أن العقل لا يكتفي بعدم المعرفة، وإنما ينتج بديلًا عنها.
وهنا، في تقديري، نقترب للغاية من الآلية التي أسميها فائض التمثّل. فالتمثّل في أصله ضرورة معرفية؛ إذ لا يستطيع الدماغ أن يحمل العالم ذاته داخله، ولذلك يصنع نماذج وصورًا ورموزًا تساعده على التعامل معه. ولكن الانعطافة الخطرة تحدث حين تتجاوز هذه القدرة وظيفتها التمثلية لتصبح قدرة على إنتاج واقع بديل، ثم مطالبة الإنسان بالتعامل معه كما لو كان الواقع الأصلي.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يؤمن بخرافة، أو يتعصب لمعتقد، أو يكره إنسانًا لم يعرفه، أو يصنف جماعة كاملة، أو ينسب نيات إلى الآخرين، أو يبني نظريات ضخمة على مقدمات ضعيفة، ثم يشعر في جميع هذه الحالات بأنه لا «يظن»، وإنما يعرف. ففائض التمثّل لا يقول لصاحبه عادة: “هذا مجرد تمثّل صنعته لك”. بل يقول له: “هكذا هي الأشياء”. وهذه تحديدًا قوته.
ومن المثير أن تأتي الآية التالية مباشرة لتضع أمام هذا القصور البشري مقابله المعرفي المطلق:
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}. فبعد الحديث عن بشر يتبعون الظن ويخرصون يأتي الحديث عن الله بوصفه الأعلم.
وهذه المقابلة تستحق التأمل. فنحن أمام قطبين معرفيين: معرفة بشرية معرضة لأن تستبدل العلم بالظن والواقع بالتمثّل، وعلم إلهي لا يحتاج إلى التخمين ولا إلى سد فجوات المعرفة بالافتراضات! ولذلك لا تبدو المسألة هنا مجرد موعظة دينية تحذر المؤمن من اتباع الآخرين، وإنما يمكن قراءتها بوصفها درسًا بالغ العمق في إبستمولوجيا الإنسان: لا تجعل عدد المؤمنين بفكرة دليلًا على صحتها، ولا تجعل قوة حضورها في ذهنك برهانًا على مطابقتها للواقع، ولا تجعل قدرتك على تصور شيء دليلًا على أنه موجود بالصورة التي تصورتها! والأهم من ذلك كله: لا تخلط بين ما تعرفه وما تظنه.
وربما كانت هذه واحدة من أعظم المشكلات التي واجهت المعرفة البشرية عبر تاريخها. فالإنسان لم يضل دائمًا لأنه كان يفتقر إلى المعلومات، وإنما كثيرًا ما ضل لأنه لم يستطع أن يميز بين المعلومات التي جاءته من الواقع، والإضافات التي جاءته من داخله. وكلما ازداد فائض التمثّل، ازدادت صعوبة هذا التمييز.
ومن هنا قد يصبح مفهوم «الظن» في هذا السياق القرآني مدخلًا بالغ الدلالة المعرفية لفهم فائض التمثّل؛ لا بوصف اللفظين مترادفين ترادفًا كاملًا، وإنما بوصف الظن أحد أهم التجليات المعرفية لذلك الفائض. فالظن هو اللحظة التي يتجاوز فيها التمثّل كونه أداة لفهم الواقع ليصبح بديلًا عن العلم بالواقع.
ولعل هذا يفسر لماذا لم يعامل القرآن الظن هنا باعتباره خطأً معرفيًا بسيطًا، بل ربطه بإمكان الضلال نفسه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}. فالخطر ليس في أن يخطر الظن بالعقل؛ فهذا جزء من طبيعة التفكير البشري، ولكن الخطر أن يُتَّبع. أي أن يتحول الاحتمال إلى اعتقاد، والتمثّل إلى حقيقة، والتقدير إلى يقين، ثم يصبح ذلك كله أساسًا للسلوك والحكم على الأشياء والناس والعالم.
وعندئذ ربما نستطيع إعادة صياغة إحدى القواعد المركزية في مشروع «الميتابايولوجيا» على النحو التالي: ليس أخطر ما أحدثه فائض التمثّل في الإنسان أنه جعله قادرًا على تخيل ما ليس موجودًا، وإنما أنه جعله قادرًا على نسيان الفارق بين ما هو موجود وما أضافه هو إليه!
ومن هذه الزاوية يكتسب قول الله تعالى دلالة معرفية استثنائية؛ لأنه لا يحذر الإنسان من الكذب الذي يعرف صاحبه أنه كذب فحسب، وإنما من شيء قد يكون أخطر كثيرًا هو أن يصدق الإنسان تمثّله للواقع حتى لا يعود قادرًا على رؤية أنه مجرد تمثّل! وهنا يلتقي، في تقديري، مفهوم «الظن» القرآني في هذا السياق مع مفهوم “فائض التمثّل”. فالقرآن العظيم، ومن قبل أن نمتلك مصطلحات علم النفس المعرفي والإبستمولوجيا بقرون طويلة، شدَّ الانتباه الى إحدى أعمق نقاط الضعف في منظومة الإنسان المعرفية؛ إذ بَيَّن أننا لا نتبع دائمًا ما نعلم، بل كثيرًا ما نتبع ما نظن أننا نعلم! وبين «العلم» و«الظن بأننا نعلم» ربما يمتد جزء كبير من تاريخ الضلال المعرفي للإنسان.
