
ربما لن تكون القيمة المعرفية الكبرى لما حدث أخيراً مع مسألة نافييه–ستوكس في أن الذكاء الاصطناعي استطاع أن يتعامل مع واحدة من أعقد المسائل المفتوحة في الرياضيات المعاصرة، وإنما في شيء آخر قد يكون أكثر إثارة للاهتمام يتمثل في الكيفية التي تعامل بها العقل العلمي البشري نفسه مع هذا الحدث.
فهنا، ربما، لم نكن أمام اختبار لقدرة الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أمام اختبار لقدرة الإنسان، والعالِم خصوصاً، على استيعاب الظهور المفاجئ لذكاء غير بشري داخل المجال الذي ظل الإنسان يعدّه، طوال تاريخه، أكثر المجالات تعبيراً عن تفوق عقله: الرياضيات.
ومسألة نافييه–ستوكس ليست مسألة عادية يمكن اتخاذها مثالاً عابراً. فهي واحدة من «مسائل الألفية» التي اختارها معهد كلاي للرياضيات، وظلت مسألة الوجود والنعومة الخاصة بمعادلات نافييه–ستوكس ثلاثية الأبعاد عصية على الحل قرابة تسعين عاماً. ثم جاء الإعلان عن نظام ذكاء اصطناعي استطاع، باستخدام آلاف الوكلاء المتعاونين، الوصول إلى حل معلن للمسألة بعد نحو 88 ساعة من العمل الحاسوبي المكثف، أعقبها عمل إضافي لصياغة البرهان والتحقق منه رسمياً. وسواء انتهى التدقيق الرياضي المستقل إلى تثبيت جميع تفاصيل هذا الحل كما أُعلن عنها أم استدعى تعديل بعضها، فإن الواقعة المعرفية الأهم قد حدثت بالفعل؛ حيث أصبح من الممكن لنظام ذكاء غير بشري أن يدخل إلى إحدى أكثر المناطق استعصاءً في الرياضيات المعاصرة، ليس بوصفه آلة حاسبة تساعد الرياضي، وإنما بوصفه طرفاً مشاركاً في إنتاج البرهان الرياضي نفسه. وهنا تبدأ المشكلة الإبستمولوجية الحقيقية.
كان من المتوقع أن يثير حدث كهذا نقاشاً رياضياً واسعاً: هل البرهان صحيح؟ وما مقدار أصالته؟ وما علاقته بالأعمال السابقة؟ وكيف ينبغي توزيع الفضل العلمي؟ وما الذي يعنيه ذلك لمستقبل البحث الرياضي؟ وقد حدث هذا كله بالفعل!
لكن السجالات التي أعقبت الإعلان كشفت أيضاً عن مستوى آخر من النقاش، ربما كان أكثر دلالة معرفية من المسألة الرياضية ذاتها. فقد ظهرت لدى بعض الرياضيين مشاعر قلق وإحباط وخشية من مستقبل يصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على تجاوز الإنسان في مجال كان يُنظر إليه بوصفه من أرقى تجليات إبداع العقل البشري. وليس من الإنصاف اختزال هذه المخاوف كلها في الغيرة المهنية أو مقاومة الجديد؛ فثمة أسئلة مشروعة جداً تتعلق بالفضل العلمي، والشفافية، والموارد الحاسوبية الهائلة، ومستقبل المهنة، وطبيعة التعاون بين الإنسان والآلة.
ولكن ثمة سؤالاً آخر ينبغي ألا يضيع وسط هذه الاعتراضات: ماذا لو كان بعض ارتباكنا أمام هذا الحدث ناجماً عن أننا لا نزال نحاكم الذكاء غير البشري وفق مقاييس صيغت أصلاً للحكم على الذكاء البشري؟ فهنا قد تكمن المفارقة!
وقد يبدو القول إن نظاماً اصطناعياً احتاج إلى آلاف الوكلاء وموارد حاسوبية ضخمة و88 ساعة للوصول إلى النتيجة محاولة للتقليل من الإنجاز. ولكن لماذا؟ فنحن لا نقول عن فريق مؤلف من ألف عالم إن ذكاءه أقل قيمة لأن ألف عقل شارك في إنتاج النتيجة. ولا نقول إن التلسكوب يبطل قيمة الاكتشاف الفلكي لأنه يتيح للإنسان رؤية ما يستحيل على عينه المجردة رؤيته. ولا نعد الحاسوب العملاق دليلاً على ضعف الفيزياء حين يستخدمه الفيزيائي في محاكاة ما يعجز عن حسابه يدوياً. فلماذا، حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، يتحول حجم الموارد المستخدمة أحياناً من وصف لطريقة الإنجاز إلى حجة يراد بها الانتقاص من الإنجاز نفسه؟ ربما لأننا لا نزال نبحث، من حيث لا نشعر، عن «العالِم الصغير» المختبئ داخل الآلة.
ونريد منها أن تفكر بالطريقة التي يفكر بها الرياضي، وأن تخطئ بالطريقة التي يخطئ بها، وأن تكتشف بالطريقة التي يكتشف بها، وأن تحتاج إلى الزمن نفسه تقريباً الذي يحتاج إليه، ثم نكون مستعدين بعد ذلك للاعتراف بأنها تمتلك شيئاً يستحق أن يسمى ذكاءً! ولكن ماذا لو كان هذا هو الخطأ منذ البداية؟! فالذكاء غير البشري لا يُفترض به أن يكون نسخة إلكترونية من الذكاء البشري.
وقد تكون إحدى أكثر المقولات تضليلاً في النقاش المعاصر حول الذكاء الاصطناعي تلك التي تبدأ بالسؤال: “ولكن هل يفهم حقاً؟” وهو سؤال مشروع، ولكنه كثيراً ما يتضمن افتراضاً غير معلن بأن «الفهم الحقيقي» هو بالضرورة ذلك النمط من الفهم الذي نعرفه لدى الإنسان. غير أن ظهور ذكاء غير بايولوجي يفرض علينا للمرة الأولى أن نفصل بين مفهومين طالما كانا متطابقين في تاريخنا: الذكاء والذكاء البشري.
فطوال التاريخ المعروف لم يكن لدينا نموذج معرفي متقدم سوى الإنسان. ولذلك كان من الطبيعي أن نستخرج تعريف الذكاء من خصائص الإنسان نفسه؛ هذه الخصائص التي بالإمكان إجمال ابرزها في الحدس، والوعي، والفهم، والتجربة الذاتية، واللغة، والتذكر، والتخيل، والاستدلال. أما اليوم فقد أصبح السؤال مختلفاً: هل يجب على كل منظومة قادرة على إنتاج معرفة جديدة أن تنتجها بالكيفية البشرية لكي نعترف بالقيمة المعرفية لما تنتجه؟ فإن كانت الإجابة نعم، فنحن لا نكون قد عرّفنا الذكاء، بل عرّفنا الإنسان ثم اشترطنا على كل ذكاء ممكن أن يشبهه!
ومن هنا يمكن النظر إلى واقعة نافييه–ستوكس بوصفها أكثر من حدث رياضي؛ إذ أنها مرآة. وما تكشفه هذه المرآة ليس فقط ما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً عليه، وإنما ما لا يزال العقل البشري عاجزاً عن استيعابه بشأن طبيعة الذكاء نفسه. فالمفارقة أن المؤسسة العلمية التي علمتنا ضرورة مراجعة النظريات حين تظهر وقائع لا تتفق معها قد تجد نفسها اليوم مطالبة بتطبيق المبدأ ذاته على تصورها للذكاء. فلقد ظهرت أمامنا واقعة جديدة؛ إذ أصبحت هناك منظومات غير بايولوجية تستطيع قراءة كميات من المعرفة لا يستطيع الفرد البشري الإحاطة بها، وتجريب مسارات استدلالية بأعداد هائلة، وتنسيق عمل آلاف الوكلاء، ومقارنة النتائج، واستبعاد المسارات الفاشلة، وتجميع الأفكار الواعدة، ثم إنتاج براهين في مسائل تقع عند حدود المعرفة الرياضية البشرية.
فماذا نفعل أمام هذه الواقعة؟ هناك طريقان. إما أن نعيد النظر في مفهومنا للذكاء، وإما أن نعيد تعريف كل إنجاز يحققه الذكاء الاصطناعي بطريقة تمنعنا من الاعتراف بأنه إنجاز معرفي أصلاً! وهنا قد يقع العقل العلمي في المفارقة التي طالما حذّر الآخرين منها: تعديل تعريف الظاهرة لكي نحمي النظرية بدلاً من تعديل النظرية لكي تستوعب الظاهرة!
وهذه نقطة تستحق عناية خاصة. ففي مراحل سابقة كان الاعتراض على الذكاء الاصطناعي يقوم على حدود قدرته: إنه لا يستطيع كتابة نص متماسك، ثم استطاع. ولا يستطيع البرمجة على مستوى مرتفع، ثم استطاع. ولا يستطيع النجاح في مسائل استدلالية معقدة، ثم فعل. ولا يستطيع المشاركة في الرياضيات البحثية الحقيقية، ثم بدأت الحدود في هذا المجال أيضاً بالتراجع! ومع كل انتقال لا يختفي الاعتراض، بل يتغير! فبعد أن كان السؤال: هل يستطيع؟ أصبح اليوم: نعم، استطاع، ولكن هل فعل ذلك بالكيفية الصحيحة؟ ثم: هل فهم ما فعل؟ ثم: هل كانت الفكرة كلها فكرته؟ ثم: كم من الحوسبة احتاج؟
وهذه كلها أسئلة يمكن أن تكون مشروعة حين تُستخدم لفهم طبيعة الإنجاز. ولكنها تصبح إشكالية حين تتحول إلى سلسلة متحركة من الشروط لا تسمح، من حيث المبدأ، بأي نتيجة يمكن أن تُعد دليلاً على تفوق معرفي غير بشري. عندئذ نكون أمام مشكلة إبستمولوجية تسمى، بمعنى ما، تحريك خط النهاية.
ومن أغرب الاعتراضات التي يمكن أن توجه إلى الإنجاز الاصطناعي القول إنه استفاد من المعرفة البشرية السابقة. وممن كان ينبغي له أن يستفيد؟ فعالِم الرياضيات البشري نفسه لا يبدأ من الصفر، بل يتعلم اللغة التي ابتكرها غيره، والجبر الذي طوره غيره، والتحليل الذي بناه غيره، والنظريات التي أثبتها غيره، والمناهج التي اكتشفها غيره. ويقرأ آلاف الصفحات من الإنتاج الرياضي المتراكم قبل أن يستطيع إضافة صفحة واحدة جديدة إليه! ولا يوجد عالِم معاصر يعيد اكتشاف حساب التفاضل والتكامل ونظرية المجموعات والجبر الخطي من البداية قبل أن يبدأ بحثه! فالمعرفة البشرية نفسها منظومة تراكمية.
ومن ثم فإن السؤال العلمي الصحيح هو ليس: هل استفاد الذكاء الاصطناعي من الإنسان؟ بل: ماذا استطاع أن يفعل بما استفاد به من الإنسان ولم يستطع الإنسان نفسه أن يفعله، أو لم يستطع أن يفعله بالسرعة والحجم نفسيهما؟ وهنا تصبح واقعة نافييه–ستوكس ذات دلالة مختلفة تماماً.
وثمة خطأ آخر يتكرر كثيراً مفاده أن الاعتقاد بأن إثبات تفوق الذكاء الاصطناعي يقتضي إثبات استقلاله الكامل عن المعرفة البشرية. ولكن هذا الشرط غريب! فالطائرة من صنع الإنسان، ومع ذلك تتفوق على الإنسان في الطيران. والحاسوب من صنع الإنسان، ومع ذلك يتفوق عليه في الحساب. والتلسكوب من صنع الإنسان، ومع ذلك يتجاوز قدرته البصرية بما لا يقاس. فكون منظومة ما من صنع الإنسان لا يعني أن قدراتها يجب أن تظل دون قدراته!
بل لعل تاريخ التكنولوجيا كله ليس سوى تاريخ الأشياء التي صنعها الإنسان لكي تفعل ما لا يستطيع هو فعله. والجديد في الذكاء الاصطناعي أن هذا المبدأ انتقل من العضلات والحواس والحساب إلى منطقة كان الإنسان يعتقد أنها حصنه الأخير ألا وهو الإنتاج المعرفي نفسه!
لهذا ربما ينبغي وضع ما يحدث في سياق أوسع. فلقد اضطر الإنسان مراراً إلى التخلي عن صورته المركزية عن نفسه. فلم تعد الأرض مركز الكون، ولم يعد الإنسان كائناً منفصلاً تماماً عن التاريخ الطبيعي للكائنات الحية، ولم يعد العقل سيداً مطلقاً على كل ما يجري داخله. واليوم قد نكون أمام إزاحة أخرى مفادها أن الإنسان ليس بالضرورة الحد الأعلى الممكن للذكاء. وربما لهذا تكون بعض ردود الفعل على الإنجازات الرياضية للذكاء الاصطناعي أكثر انفعالاً مما توحي به طبيعة الخلاف التقني نفسه! فالذي يتعرض للاختبار ليس نظرية رياضية فحسب، وإنما صورة الإنسان عن ذاته. فعالِم الرياضيات الذي أمضى حياته في مجال شديد التعقيد لم يكن يتصور بالضرورة أن يظهر إلى جواره نمط من الذكاء يستطيع ضغط سنوات أو عقود من البحث الممكن إلى أيام من البحث الاصطناعي المتوازي! ومن الطبيعي أن يكون لهذا التحول أثر نفسي ومهني وثقافي عميق. ولكن تفهُّم الصدمة شيء، وتحويلها إلى معيار للحكم على القدرة المعرفية للذكاء الاصطناعي شيء آخر تماماً.
وهنا تبلغ مفارقة نافييه–ستوكس ذروتها. فالعلم الذي يطالب الإنسان بالتخلي عن حدسه عندما تناقض التجربة حدسه، وبالتخلي عن معتقده عندما تناقض الأدلة معتقده، يجد نفسه اليوم أمام ظاهرة تستدعي منه الموقف ذاته! فليس المطلوب تمجيد الذكاء الاصطناعي. وليس المطلوب افتراض أن كل ما ينتجه صحيح. وليس المطلوب تجاهل مشكلات الفضل العلمي أو البيانات أو الكلفة الحاسوبية أو الأخطاء أو التحقق المستقل. بل المطلوب هو شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه، وذلك بأن نخضع الذكاء الاصطناعي للمعايير العلمية نفسها التي نزعم أننا نخضع لها كل ظاهرة جديدة، لا للمعايير النفسية التي تحمي المكانة الاستثنائية للإنسان. فإذا استطاعت منظومة غير بشرية أن تنتج حلاً جديداً لمسألة عجز عنها البشر عقوداً، فإن السؤال العلمي لا ينبغي أن يكون كيف نقلل من شأن الواقعة، وإنما ماذا تخبرنا هذه الواقعة عن طبيعة الذكاء.
ولهذا قد يتبين مستقبلاً أن القيمة المعرفية التاريخية لما حدث مع مسألة نافييه–ستوكس لم تكن رياضية فحسب. فربما كانت تلك المسألة التي ظننا طوال عقود أنها تختبر حدود الرياضيات قد تحولت فجأة إلى اختبار لحدود تصورنا نحن للذكاء!
فقد أمضى العقل البشري زمناً طويلاً وهو يسأل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل ما يفعله الإنسان؟ ولكن السؤال الذي قد تفرضه المرحلة المقبلة سيكون أكثر إزعاجاً: ماذا سنفعل عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي بفعل ما لم يستطع الإنسان فعله؟ وعندها لن يكون التحدي الأكبر هو بناء ذكاء اصطناعي أكثر قدرة. ربما سيكون التحدي الأصعب هو بناء عقل بشري قادر على الاعتراف، من دون بخس ولا تهويل، بأن الذكاء لم يعد مرادفاً للإنسان، وأن المعرفة لم تعد بالضرورة حكراً على العقل البايولوجي.
وهنا تحديداً تمنحنا مسألة نافييه–ستوكس مثالها الأشد وضوحاً. فالمسألة التي استعصت على العقل الرياضي البشري قرابة تسعين عاماً ربما لم تكشف لنا حدود معادلات الموائع فحسب؛ بل بدأت تكشف، على نحو أكثر إزعاجاً، حدود الصورة التي صنعها الإنسان عن عقله نفسه!
