كابتن كيرك الحقيقي هو الإنسان كما نعرفه

ربما كانت الدقائق العشر التي قضاها الممثل الأمريكي وليم شاتنر في رحلته إلى الفضاء واحدة من أكثر اللحظات طرافةً ودلالةً في تاريخ علاقتنا بالخيال؛ لا لأنها أخذت ممثلًا شهيرًا إلى المكان الذي أمضى عقودًا يمثل أنه يذهب إليه، وإنما لأنها أعادت إلينا من ذلك المكان إنسانًا حقيقيًا مختلفًا تمامًا عن الإنسان الذي صنعه لنا الخيال. فطوال عقود، عرف الملايين شاتنر في صورة الكابتن جيمس تي. كيرك، قائد السفينة الفضائية Enterprise في مسلسل Star Trek: الرجل الذي يشق طريقه في الفضاء بثبات، ويواجه العوالم المجهولة والكائنات الغريبة والمخاطر الكونية كما لو أن الارتحال بين النجوم امتداد طبيعي للحياة اليومية.
كان الفضاء يمثل لكيرك ميدانًا للمغامرة، وكان المجهول تحديًا، وكان الكون فضاءً واسعًا ينتظر الإنسان كي يقتحمه. ثم جاء اليوم الذي ذهب فيه وليم شاتنر نفسه إلى الفضاء.
ففي 13 أكتوبر/تشرين الأول 2021، صعد شاتنر على متن مركبة New Shepard التابعة لشركة Blue Origin في الرحلة NS-18. تجاوزت الكبسولة خط كارمان ووصلت إلى ارتفاع يقارب 106 كيلومترات، قبل أن تعود إلى الأرض بعد رحلة لم تتجاوز عشر دقائق تقريبًا. ولكن الرجل الذي خرج من الكبسولة لم يكن كابتن كيرك، بل كان “إنسانًا”.
وهنا تبدأ المفارقة. فبدل ذلك القائد الجسور الذي صنعت مخيلتنا صورته طوال عقود، ظهر أمامنا رجل في غاية التأثر، تكاد الكلمات تعجزه عن التعبير عما رآه، وقد غلبته مشاعره ودموعه. وكأن رحلة شاتنر القصيرة قد أجرت، من دون أن تقصد، واحدة من أجمل التجارب الممكنة للمقارنة بين الإنسان الذي يصنعه فائض التمثّل والإنسان بصفته سليلاً لماضٍ تطوري ضارب في القدم، وذلك كما تخبرنا البايولوجيا التطورية!
فكابتن كيرك لم يكن كذبة بالمعنى البسيط للكلمة. فهو شخصية خيالية، ونحن نعرف ذلك منذ البداية. ولكن قيمة كيرك، من منظور ميتابايولوجي، تكمن في شيء آخر: إنه يكشف مقدار ما يستطيع فائض التمثّل أن يضيفه إلى الإنسان حتى يصبح الإنسان المتخيَّل أكثر حضورًا في وعينا من الإنسان الواقعي نفسه. فالإنسان البايولوجي كائن محدود القدرة، هش الجسد، سريع التأثر، يعيش فوق قشرة رقيقة من كوكب صغير، وتكفي إزاحة بسيطة في شروط وجوده لكي يصبح بقاؤه مستحيلًا. ولكن فائض التمثّل لا يحب هذه الصورة كثيرًا. إنه يستطيع أن يأخذ هذا الكائن الهش، ويضعه على جسر قيادة سفينة فضائية، ثم يمنحه القدرة النفسية على مواجهة مجرات بأكملها!
وهكذا لا يعود الإنسان ذلك الكائن الذي يحتاج إلى شروط دقيقة للغاية كي يبقى حيًا، وإنما يصبح فاتح الكون، فهو لا يرتاد الفضاء فحسب، بل يقوده. ولا يواجه المجهول بخوف، بل يتقدم نحوه بثقة. ولا يشعر بضآلة وجوده أمام الكون، وإنما يبدو الكون نفسه وكأنه المسرح الذي أُعد لكي يمارس الإنسان فوقه بطولته!
وهذه إحدى أعظم قدرات فائض التمثّل؛ إذ أنه يجعل الإنسان قادرًا على تخيل نفسه أكبر من الشروط التي صنعت وجوده!
حين كان كابتن كيرك ينظر من نوافذ Enterprise، كان وراءه كتّاب ومخرجون ومؤثرات بصرية وموسيقى تصويرية وسيناريو يعرف، في نهاية المطاف، إلى أين ستتجه الحكاية. أما حين نظر وليم شاتنر من نافذة New Shepard، فلم يكن ثمة سيناريو يستطيع أن يحميه من وقع الحقيقة، بل كانت هناك الأرض، وكان هناك السواد، وكان هناك إنسان ينظر للمرة الأولى مباشرةً إلى المسافة الهائلة بين الصورة التي صنعها الإنسان عن نفسه وحقيقة موضعه في الكون. وهنا انهار كابتن كيرك، إن جاز التعبير، لكي يظهر وليم شاتنر! وليس في ذلك انتقاص من شاتنر، بل لعل العكس هو الصحيح تمامًا. فالذي ظهر بعد الرحلة ربما كان أكثر صدقًا وجمالًا من الشخصية البطولية التي أحببناها. فلقد ظهر “الإنسان”؛ ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يُفاجأ. والذي يستطيع أن يخاف. والذي يستطيع أن يشعر بالرهبة. والذي يستطيع أن يعجز عن التعبير. والذي يمكن لمشهد واحد للأرض من خارجها أن يهدم، ولو للحظات، طبقات كاملة من الصور التي بناها عقله عن نفسه وعن العالم.
ولعل هنا تحديدًا يتجلى جانب من المعنى الذي ينطوي عليه قول الله تعالى في الآية الكريمة 28 من سورة النساء: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. فالضعف هنا لا ينبغي بالضرورة أن نفهمه بوصفه إدانة للإنسان، ولا بوصفه نقيضًا لقدرته على الإنجاز. فالإنسان الضعيف نفسه هو الذي بنى المركبة التي حملته إلى الفضاء، وهو الذي اكتشف قوانين الطبيعة، وصنع الحضارات، وكتب الشعر، وأنتج مسلسل Star Trek، ثم حوّل بعض ما كان خيالًا فيه إلى واقع. ولكن قدرة الانسان المذهلة على الإنجاز لا تلغي حقيقة تكوينه المُلغز، إنها لا تحوله إلى الكائن الذي يتخيله.
وربما كان أحد أكثر آثار فائض التمثّل عمقًا أن الإنسان لم يعد يكتفي بأن يكون، وإنما أصبح قادرًا على صناعة صورة لما يريد أن يكونه، ثم العيش داخل تلك الصورة حتى يكاد ينساها بوصفها صورة!
ومن هنا صنع أبطاله الخارقين، ومحاربيه الذين لا يخافون، وحكماءه الذين لا يخطئون، وعشاقه الذين لا يتغيرون، وقادته الذين لا يترددون، ورواد فضائه الذين ينظرون إلى المجهول بعيون لا تعرف الرهبة. لكن هؤلاء جميعًا أبناء عالم التمثّل. أما الإنسان الواقعي فيظل أكثر هشاشة وتعقيدًا وتناقضًا.
ثمة مفارقة جميلة إذاً في أن يكون الرجل الذي أمضى جزءًا كبيرًا من حياته رمزًا ثقافيًا لارتياد الفضاء هو نفسه الذي احتاج إلى رحلة حقيقية قصيرة إلى حافته لكي يكشف لنا الفارق بين تمثّل الفضاء وتجربة الفضاء! فلقد احتاج كابتن كيرك إلى مؤثرات خاصة كي يبدو شجاعًا أمام الكون. أما وليم شاتنر فلم يحتج إلى شيء لكي يبكي أمامه. والدموع، في هذه الحالة، ليست هزيمة، بل هي عودة إلى الحقيقة. وذلك لأن الكون الذي نستطيع أن نصنعه داخل أذهاننا يمكن أن يكون عالمًا من البطولة والمغامرات والانتصارات، أما الكون الحقيقي فلا يعنيه شيء من السيناريو الذي كتبناه لأنفسنا!
وربما لهذا كان المشهد بالغ الدلالة: ممثل جسّد لعقود واحدًا من أشهر رواد الفضاء في المخيلة الإنسانية، ثم ذهب أخيرًا إلى الفضاء الحقيقي، فلم يعد إلينا أكثر شبهًا بكابتن كيرك، بل عاد أكثر شبهًا بالإنسان!
ولهذا ربما ينبغي أن نقلب المفارقة كلها. فلقد كنا نظن أن كابتن كيرك هو الرجل الذي رأيناه على شاشة التلفزيون، وأن وليم شاتنر الذي خرج متأثرًا من كبسولة New Shepard هو الرجل المختلف عنه. ولكن من منظور آخر، قد يكون العكس أكثر إثارة للاهتمام. فكابتن كيرك الحقيقي هو ذلك الرجل الذي خرج من الكبسولة. ليس لأنه قائد Enterprise، بل لأنه كشف، في لحظة نادرة، حقيقة الكائن الذي تخيل سفينة Enterprise أصلًا. إنه الإنسان نفسه: الكائن القادر على أن يتخيل أنه سيغزو المجرات، ثم تدمع عيناه عندما يبتعد عن كوكبه مئة كيلومتر ويراه من منظور لم يألفه فحسب. وبين الصورتين تمتد المسافة التي تفصل الإنسان كما هو عن الإنسان كما يتمثّل نفسه. وهذه المسافة هي ذاتها التي حاول فائض التمثّل، منذ أن أصبح قوة مهيمنة في منظومتنا المعرفية، أن يملأها بالأساطير والبطولات والصور والقصص.
فلقد صنع الإنسان كابتن كيرك لأنه لم يكتفِ يومًا بأن يكون وليم شاتنر! ولكن الفضاء الحقيقي احتاج إلى دقائق قليلة فحسب لكي يعيد كابتن كيرك إلى أصله الأول: إنسان يقف مذهولًا أمام كون أكبر منه بما لا يكاد العقل يستطيع تمثّله. وربما كانت تلك الدموع الهادئة التي ظهرت بعد الرحلة أكثر صدقًا في تعريف الإنسان من آلاف الساعات التي أمضاها الخيال وهو يصوره سيدًا جسورًا للمجرة.
ففي النهاية، مهما بلغت سفننا من سرعة، ومهما اتسعت خرائطنا للكون، ومهما صنع فائض التمثّل من صور بطولية لنا، تبقى ثمة حقيقة شديدة البساطة اختصرها القرآن قبل أن يحلم الإنسان بسفينة اسمها  Enterprise مفادها: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾.

أضف تعليق