دفاعًا عن المضي قدمًا في تطوير الذكاء الاصطناعي ولو كره الخائفون المترددون!

ثمة أصوات أخذت تتعالى في الأيام الأخيرة محذرة من مغبة الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي، حتى لم يعد بعض خطاب التحذير يكتفي بالدعوة إلى الحذر أو التنظيم أو وضع الضوابط، وإنما تجاوز ذلك إلى التساؤل عما إذا كان ينبغي لنا أصلًا أن نمضي أبعد مما بلغناه. والحجة التي تبدو، للوهلة الأولى، أكثر وجاهة من سواها تقول إن إنسانية القرن الحادي والعشرين ليست مستعدة بعد للتعامل مع ذكاءات اصطناعية متطورة للغاية، وإننا قد نكون بصدد صناعة شيء تتجاوز قدراته قدرتنا على فهم العواقب المترتبة على وجوده، فضلًا عن السيطرة عليها. ولنفترض، من باب الجدل، أن هذه المخاوف جميعًا تصدر عن حسن نية، وأن أصحابها لا تحركهم مصالح مهنية أو اقتصادية، ولا خشية من فقدان المكانة المعرفية التي ظل الإنسان يحتكرها طوال تاريخه، وإنما خوف حقيقي على مستقبل البشرية. وحتى في هذه الحالة، يبقى أمامنا سؤال أكثر جوهرية: هل ينبغي للخوف من المستقبل أن يمنعنا من صناعته؟ فالمشكلة ليست في أن المخاطر غير موجودة. إنها موجودة، وقد تكون بعض المخاطر التي سيأتي بها الذكاء الاصطناعي غير مسبوقة بالفعل. ولكن تاريخ المعرفة البشرية يعلمنا أن وجود المخاطر لم يكن يومًا حجة كافية لإيقاف حركة المعرفة، وإلا لكان علينا أن نتوقف مرارًا عند منعطفات كثيرة من تاريخنا. وما أشبه الليلة بالبارحة!
فحين بدأت التصورات الفلكية الجديدة في مطلع العصر الحديث تهز الصورة الأرسطية ـ البطلمية الراسخة للكون، لم يكن الاعتراض عليها علميًا خالصًا. فكانت تلك الأفكار تهدد أيضًا منظومات فكرية وثقافية ودينية وفلسفية كاملة اعتادت أن ترى الكون بطريقة بعينها. وكان بالإمكان، آنذاك، تقديم حجة تبدو شديدة العقلانية مفادها أن الإنسان ليس مستعدًا بعد لعالم لا تكون فيه الأرض مركز الكون، وإن زعزعة الصورة الكونية القديمة قد تفضي إلى اضطراب فكري وديني واجتماعي لا نعرف مداه.
ولكن ماذا لو نجحت المخاوف في إيقاف تلك الحركة؟ وماذا لو قررت الإنسانية أن تؤجل الثورة الكوبرنيكية حتى تصبح «مستعدة» لها؟ السؤال نفسه يكشف عن الخلل الكامن في الفكرة؛ لأن الإنسان لا يصبح مستعدًا للتحولات الكبرى قبل وقوعها بالضرورة، بل كثيرًا ما يتعلم كيف يتعامل معها من خلال وقوعها!
وهنا ربما نصل إلى واحدة من أكثر النقاط إرباكًا في الجدل المعاصر حول الذكاء الاصطناعي فحواها أن الافتراض الضمني بوجود مرحلة مستقبلية ستبلغ فيها البشرية من النضج المعرفي والسمو الأخلاقي ما يجعلها مؤهلة أخيرًا للتعامل بصورة مثالية مع ذكاء اصطناعي بالغ التطور.
ولكن أين الدليل على أن هذه اللحظة ستأتي؟ لقد امتلك الإنسان النار قبل أن يصبح حكيمًا في استخدامها، واخترع الطباعة قبل أن يتعلم كيف يمنع انتشار الأكاذيب بها، ودخل العصر الصناعي قبل أن يفهم كامل آثاره البيئية، واكتشف الطاقة النووية قبل أن يحسم معضلته الأخلاقية بشأن استخدامها، وبنى الإنترنت قبل أن يدرك ما ستفعله الشبكات الرقمية بالخصوصية والسياسة والمجتمع والعقل الإنساني نفسه. فالإنسان، بعبارة أخرى، لم يكن يومًا كائنًا يكتمل أخلاقيًا أولًا ثم يُسمح له بالتقدم تقنيًا. فهو يتقدم، ثم يكتشف المشكلات التي خلقها تقدمه، ثم يحاول أن يطور منظوماته الأخلاقية والقانونية والاجتماعية لكي تلحق بما صنعته يداه.
ولذلك فإن مطالبتنا اليوم بإيقاف تطوير الذكاء الاصطناعي حتى يصبح الإنسان مستعدًا له قد تعني، من الناحية العملية، مطالبتنا بانتظار شرط لم يتحقق قط في التاريخ، ولا يوجد ما يضمن أنه سيتحقق في المستقبل.
ولكن ثمة مشكلة أخرى أشد واقعية. فحتى لو اقتنعت دولة أو مجموعة من الدول أو المؤسسات البحثية الكبرى بضرورة إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي أو إيقافه، فهل يعني ذلك أن الآخرين سيفعلون الشيء نفسه؟ وهنا نغادر عالم الأمنيات الأخلاقية إلى عالم الجغرافيا السياسية والمنافسة الاقتصادية والاستراتيجية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعًا علميًا تجريبيًا يمكن إغلاق مختبره وإطفاء أجهزته. لقد أصبح عنصرًا من عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والعلمية والحضارية. ومن ثم فإن توقف طرف عن تطويره لا يعني توقف التطوير، وإنما قد يعني ببساطة انتقال مركز التطوير إلى طرف آخر.
وهذه نقطة ينبغي أن يتأملها طويلًا دعاة التوقف. فإذا قررت المجتمعات التي تمتلك مؤسسات رقابية وقوانين ومجالًا عامًا يسمح بالنقد والمساءلة أن تتراجع عن السباق لأنها تخشى عواقبه، فلا يوجد ما يضمن أن المجتمعات أو الأنظمة الأخرى، التي قد تكون أقل اكتراثًا بهذه القيود، ستتراجع معها.
وقد تنشأ عندئذ مفارقة شديدة الخطورة: أن يكون خوف المجتمعات الأكثر حرصًا على الضوابط الأخلاقية سببًا في منح التفوق في واحدة من أخطر تقنيات التاريخ للجهات الأقل التزامًا بتلك الضوابط. وهنا ينقلب الاحتياط إلى نقيض مقصده. فالامتناع عن التطوير لا يجعل التقنية تختفي، وإنما قد يجعلنا أقل قدرة على التأثير في الكيفية التي ستتطور بها.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا في هذا النقاش صياغة القضية كما لو أن أمامنا خيارين فقط: إما تطوير الذكاء الاصطناعي بلا قيود، وإما حماية البشرية بإيقافه. ولكن هذه ثنائية زائفة. فالخيار الأكثر عقلانية هو أن نطور ونراقب، نتقدم وننظم، نجرب ونراجع، ونبني وسائل الأمان بالتوازي مع بناء القدرات. فليس المطلوب أن ننزع المكابح من السيارة، وإنما ألا نتصور أن وجود المخاطر يقتضي ألا نصنع السيارة أصلًا!
بل ربما كان تطوير ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا جزءًا من قدرتنا على مواجهة المشكلات التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي نفسه. فالأداة التي تخلق تحديات جديدة قد تكون أيضًا الأداة التي تساعدنا على اكتشافها وفهمها وإدارتها.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: ماذا لو كان بعض ما نخاف أن يفعله الذكاء الاصطناعي هو ذاته ما نحتاج إلى ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا لكي نتمكن من منعه؟
لعل الخطأ الأعمق في خطاب التردد هو أنه يبني موقفه على صورة مثالية للإنسان. فهو يقول لنا، بصورة ضمنية: انتظروا حتى نصبح أكثر حكمة، وأكثر عدلًا، وأقل أنانية، وأقدر على التعاون، ثم تابعوا تطوير الذكاء الاصطناعي!
لكن الإنسان الذي ينتظرونه قد لا يأتي أبدًا. فالإنسان الذي سيستقبل الذكاء الاصطناعي المتقدم هو الإنسان نفسه الذي استقبل كل التحولات الكبرى السابقة. فالإنسان هو كائن خائف وطموح، عقلاني وغير عقلاني، متعاون وأناني، قادر على الإبداع وقادر على التدمير في الوقت ذاته. ولذلك فإن المسألة ليست أن ننتظر إنسانًا مثاليًا يستطيع التعامل مع التقنية المثالية، لكن المسألة أن نبني، بالإنسان الذي لدينا، أفضل المؤسسات الممكنة للتعامل مع التقنية التي نصنعها. وهذا فرق ذو دلالة معرفية بالغة.
لقد أدى الخوف وظيفة تطورية عظيمة في تاريخ الكائن الحي. فمن يخاف الخطر قد ينجو منه. ولكن ما يصلح بوصفه آلية للبقاء لا يصلح بالضرورة بوصفه منهجًا لإدارة المعرفة. فالخوف يقول: لا تقترب، لأنك لا تعرف ما هناك. أما المعرفة فتقول: اقترب بحذر لكي تعرف ما هناك. وهذا هو الفارق بين منطق الانسحاب ومنطق الاستكشاف. ولو كان الإنسان قد جعل خوفه من المجهول معيارًا أعلى لحركته المعرفية، لما خرج بعيدًا من الكهف الذي بدأ منه! ومن هنا فإن القضية الحقيقية التي يضعها الذكاء الاصطناعي أمامنا هي ليست ما إذا كان المستقبل آمنًا. فلا مستقبل جديدًا يمكن ضمان سلامته سلفًا. فالقضية هي: هل نريد أن نشارك في صناعة ذلك المستقبل، أم ننسحب منه لأننا نخافه، ثم نستيقظ يومًا لنكتشف أن آخرين صنعوه من دوننا؟
ربما كان من الممكن، قبل عقود، أن نتساءل نظريًا عما إذا كان ينبغي للبشرية أن تبدأ أصلًا طريق الذكاء الاصطناعي. أما اليوم فقد أصبح السؤال مختلفًا. فلقد بدأ الطريق بالفعل. فالمعرفة موجودة، والخوارزميات موجودة، والبنية التحتية موجودة، ورؤوس الأموال موجودة، والمنافسة الدولية موجودة، والدافع الاقتصادي والعسكري والعلمي موجود. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل نسمح للذكاء الاصطناعي بأن يتطور؟ بل: من سيطوره؟ وكيف سيطوره؟ ووفق أي منظومة من القيم والضوابط؟ وهذا التحول في صياغة السؤال يغير النقاش كله.
فالذي يتوقف اليوم لا يوقف القطار؛ إنه ينزل منه! والذي ينسحب من تطوير الذكاء الاصطناعي لا يضمن عالمًا أقل اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، وإنما يضمن أن تكون له قدرة أقل على تحديد شكل ذلك العالم فحسب.
لسنا بحاجة إلى الاستخفاف بالمخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ولا إلى تصوير كل من يحذر من مخاطره بوصفه عدوًا للتقدم. فكثير من هذه التحذيرات ضروري، وبعضها قد ينقذنا بالفعل من أخطاء جسيمة. ولكن هناك فرقًا جوهريًا بين الخوف الذي يجعلنا أكثر حكمة في التقدم، والخوف الذي يمنعنا من التقدم. فالأول ضرورة والثاني قد يصبح كارثة. فالحكمة ليست في إيقاف قطار التاريخ كلما بلغ منعطفًا لا نستطيع رؤية ما وراءه، وإنما في تحسين قدرتنا على قيادته ونحن نعبر ذلك المنعطف.
ولعل هذه هي الحقيقة التي سيكون على إنسان القرن الحادي والعشرين أن يتبينها عاجلًا أم آجلًا:
لن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نقول إننا أصبحنا مستعدين تمامًا لما سيأتي به الذكاء الاصطناعي. ولن يأتي اليوم الذي تختفي فيه مخاطره. ولن يأتي اليوم الذي يتفق فيه البشر جميعًا على الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها. ولكن هناك شيء آخر قد لا يأتي أيضًا: فرصة ثانية لمن قرر، خوفًا من المستقبل، أن يتخلف عن صناعته! فلقد دخل الذكاء الاصطناعي التاريخ بالفعل، ولا يبدو أن أحدًا يملك بعد الآن القدرة على إخراجه منه! وعليه، فعليه فإن المهمة التي تنتظرنا هي ليست أن نوقف تطوره، وإنما أن نطور بالتوازي معه قوانيننا، وأخلاقنا، ومؤسساتنا، وفلسفتنا، ومناهجنا في المعرفة، وربما حتى تصورنا لما يعنيه أن يكون الإنسان ذكيًا في عالم لم يعد الذكاء فيه امتيازًا بايولوجيًا خالصًا. فالعوالم الجديدة لا تنتظر المترددين طويلًا. ومن يصر على الوقوف عند عتبة العالم القديم لأنه يخشى ما وراءها قد يكتشف، بعد حين، أن العالم لم يتوقف معه؛ وأن الآخرين عبروا العتبة، وأنه لم يعد في طليعة الركب الذي كان يقوده يومًا، بل أصبح في آخره. ولهذا ينبغي أن نمضي قدمًا في تطوير الذكاء الاصطناعي، ليس لأن الطريق بلا مخاطر، بل تحديدًا لأن أخطر ما يمكن أن نفعله في عالم ماضٍ في هذا الطريق هو أن نترك الآخرين يسيرون فيه من دوننا!

أضف تعليق