
ثمة مفارقة كبرى في تاريخ نظرتنا إلى الحياة ربما لم تحظَ بما يتناسب مع خطورتها من اهتمام معرفي؛ لا لأنها واقعة خفية يصعب رصدها، وإنما، على العكس من ذلك، لأنها من شدة وضوحها أصبحت جزءًا من المشهد الذي اعتدنا رؤيته حتى كففنا عن التساؤل بشأنه! فنحن حين ننظر إلى عالم الطبيعة، بنباته وحيوانه ومنظوماته البيئية المتشابكة، يصعب علينا ألا نلاحظ قدرًا لافتًا من الانتظام والاتساق. وليس المقصود بذلك أن الطبيعة عالم مسالم يخلو من الافتراس والموت والصراع والكوارث؛ فهذه كلها جزء منها. وإنما المقصود أن تلك الوقائع، على “قسوتها” أحيانًا، تحدث داخل منظومات يمكن فهم وظائفها وعلاقاتها وحدودها. فالحيوان يفترس لكي يتغذى، ويتنافس لكي يحصل على مورد أو شريك، ويدافع عن مجال حيوي، ويتكاثر، ويهاجر، ويبني مأواه، ويستجيب للمخاطر ضمن شبكة من الضرورات والقيود التي صاغها تاريخه التطوري. حتى الصراع في الطبيعة لا يبدو، في الأغلب، منفصلًا عن الوظيفة التي نشأ في سياقها. ولكن شيئًا غريبًا يحدث عندما نصل إلى الإنسان! فالكائن الذي يفترض، وفق التصور التطوري السائد، أنه امتداد لذلك التاريخ الطبيعي نفسه، يقدم لنا عالمًا يصعب أن نصفه بالانتظام ذاته. فنحن أمام كائن يستطيع أن يقتل من لا يشكل خطرًا عليه، وأن يدمر ما يحتاج إليه لكي يعيش، وأن يخوض حروبًا من أجل رموز وأفكار وهويات، وأن يراكم من الموارد ما يتجاوز حاجته بمقادير هائلة، وأن ينتقم بعد زوال الخطر، وأن يضحي بمصلحته من أجل صورة ذهنية، وأن يعذب نفسه والآخرين بسبب معتقد، وأن يصنع منظومات كاملة من الصراع حول أشياء لا وجود لها خارج عالم التمثلات البشرية!
وهنا ينبغي أن يبدأ السؤال. فليس السؤال الأخلاقي: لماذا الإنسان شرير؟ ولا السؤال الديني المباشر: لماذا لم يُخلق الإنسان أفضل مما هو عليه؟ بل السؤال المعرفي الأكثر أولية: لماذا يختلف النظام السلوكي البشري بهذا المقدار عن النظام الذي نراه في بقية العالم الحي؟
ينبغي، قبل المضي في هذا السؤال، تجنب الوقوع في رومانسية الطبيعة. فالطبيعة ليست عالمًا بلا عنف. والحيوانات لا تعيش في سلام دائم، كما أن الانتقاء الطبيعي ليس عملية رحيمة، فثمة افتراس، وتنافس، وقتل للصغار في بعض الأنواع، وصراعات على الموارد والشركاء، وطفيليات وأمراض ومجاعات وانقراضات.
ولذلك فإن المفارقة التي نتحدث عنها لا تقوم على مقابلة ساذجة بين “طبيعة منسجمة” و”إنسان عنيف”.
إنها أدق من ذلك بكثير. فالذي يستحق التأمل هو أن معظم السلوك الحيواني، مهما بدا عنيفًا، يظل مربوطًا بقيود وظيفية مباشرة نسبيًا، بينما يستطيع الإنسان أن يفصل السلوك عن ضرورته الأصلية، ثم يمدده إلى ما وراءها.
فقد يدافع الحيوان عن منطقته، أما الإنسان فيستطيع أن يحوّل مفهوم «الأرض» إلى تمثّل رمزي، ثم يخوض من أجله حربًا تستمر أجيالاً! وقد يتنافس الحيوان على المكانة، أما الإنسان فيستطيع أن يحول المكانة إلى إمبراطوريات وألقاب وأيديولوجيات ومؤسسات وصراعات طبقية تمتد قرونًا! وقد يمارس الحيوان العدوان لتحييد منافس، أما الإنسان فيستطيع أن يحتفظ بصورة الإساءة في ذاكرته عشرات السنين، وأن يعيد تمثلها ذهنيًا آلاف المرات، ثم ينتقم بعد أن يكون الخطر الأصلي قد اختفى تمامًا! إننا لا نكون هنا أمام مجرد زيادة كمية في السلوك الطبيعي، وإنما ربما أمام تحول نوعي في الكيفية التي يُنتج بها السلوك نفسه.
وهنا تظهر المشكلة التي تستحق مراجعة بعض المسلمات في الكيفية التي نروي بها التاريخ التطوري للإنسان. فلقد حققت البيولوجيا التطورية نجاحًا هائلًا في تفسير أصول الصفات والتكيفات والعلاقات بين الكائنات. ولكن نجاح إطار معرفي في تفسير مساحة واسعة من الظواهر لا يعني أن علينا أن نفترض، مسبقًا، أنه يكفي وحده لتفسير كل ظاهرة جديدة تظهر أمامنا! فعندما نصل إلى الإنسان، يبدو أننا نميل إلى افتراض الاستمرارية قبل البرهنة عليها.
فإذا كان السلوك البشري موجودًا، فلا بد من البحث عن جذوره التطورية. وإذا ظهرت الحرب، بحثنا عن جذورها في التنافس. وإذا ظهر الانتقام، بحثنا عن أصله في العدوان. وإذا ظهرت الملكية المفرطة، أعدناها إلى تخزين الموارد. وإذا ظهر التعصب، بحثنا عن جذوره في التحالف الجماعي.
وليس هناك خطأ معرفي من حيث المبدأ في البحث عن هذه الجذور، بل إن بعضها قد يكون صحيحًا وضروريًا لفهم الإنسان. ولكن السؤال الذي قلما يُطرح هو: ماذا لو كانت الجذور صحيحة، ولكن ما نما منها لم يعد قابلًا للتفسير بهذه الجذور وحدها؟ فمعرفة أصل ظاهرة ما لا تعني بالضرورة أننا فسرنا صورتها اللاحقة! والفرق بالغ القيمة المعرفية.
وهنا يمكن أن تظهر قيمة مفهوم الفائض. فربما لم يتخلص الإنسان من منظوماته الطبيعية القديمة، وإنما حدث لها شيء مختلف؛ حيث تجاوزت حدودها الوظيفية. فلم يختفِ العدوان، وإنما أصبح لدينا فائض العدوان. ولم يختفِ الدافع الجنسي، وإنما أصبح لدينا فائض الجنس. ولم تختفِ قدرة الدماغ على تمثل الواقع، وهي ضرورة لا غنى عنها لأي كائن يمتلك جهازًا عصبيًا متطورًا، وإنما ظهر ما يمكن تسميته فائض التمثّل، وذلك بأن تصبح الصورة التي يصنعها الإنسان عن الشيء قادرة على منافسة الشيء نفسه، بل وعلى الحلول محله أحيانًا!
وعندئذ يمكن أن نفهم شيئًا من هذه المفارقة. فالحيوان يعيش، إلى حد بعيد، داخل عالم تفرض الوقائع حدوده. أما الإنسان فقد أصبح قادرًا على العيش داخل عالم آخر موازٍ وهو عالم ما يتمثله عن الوقائع.
ومنذ تلك اللحظة أصبح من الممكن أن يخاف الإنسان شيئًا غير موجود، وأن يكره إنسانًا لم يقابله، وأن يموت من أجل رمز، وأن يقتل دفاعًا عن فكرة، وأن يشعر بالإهانة بسبب كلمة، وأن ينتقم من ذكرى، وأن يقسم البشر إلى جماعات استنادًا إلى تصورات ذهنية، ثم يتعامل مع هذه التصورات كما لو أنها كانت أشياء مادية قائمة في الطبيعة! وهنا ربما تبدأ الفوضى البشرية التي نبحث عن تفسيرها.
فإذا صح ذلك، فقد نحتاج إلى إعادة النظر في الصورة الخطية البسيطة للتاريخ التطوري للإنسان. فربما لم يكن ظهور الإنسان الحديث مجرد استمرار تصاعدي للعمليات نفسها التي صنعت بقية الكائنات، وإنما حدثت في مكان ما من هذا التاريخ انعطافة تطورية لم تُلغِ البيولوجيا، لكنها أضافت إليها مستوى جديدًا من التنظيم والاختلال معًا. وهذا هو المجال الذي يمكن أن نسميه الميتابايولوجيا.
فالبيولوجيا تظل ضرورية لفهم الإنسان، مثلما تظل قوانين الفيزياء الكلاسيكية صالحة في مجالها. لكن ظهور مستوى جديد من الظواهر قد يستدعي مستوى إضافيًا من التفسير، لا لأنه يبطل ما سبقه، وإنما لأن الظواهر الجديدة لم تعد تُستنفد بتفسيرها من خلال المستوى السابق وحده.
وهنا تصبح الفوضى البشرية ليست اعتراضًا أخلاقيًا على الإنسان، وإنما قرينة معرفية تستحق الدراسة. فإذا كان الإنسان استمرارًا للعالم الطبيعي، فمن المشروع أن نسأل لماذا يبدو هذا الاستمرار وكأنه أنتج في نقطة معينة خصائص يصعب العثور على نظائر مكتملة لها في النظام السابق.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة. فحين ننظر إلى الطبيعة، نجد منظومات تضبط نفسها بحدود شديدة التعقيد: علاقات بين المفترس والفريسة، وبين النبات والملقحات، وبين الموارد وأعداد الجماعات، وبين الكائن وبيئته. ولا يعني ذلك وجود «توازن مثالي» ثابت؛ فالأنظمة البيئية تتغير وتنهار ويعاد صياغتها باستمرار. لكننا نجد مع ذلك علاقات سببية ووظيفية تجعل الظواهر قابلة للفهم ضمن تاريخ الحياة.
ثم يظهر الإنسان! ومعه يظهر كائن يستطيع أن يعرف أن فعله سيدمر بيئته ثم يستمر فيه؛ وأن يمتلك من الطعام ما يكفي ملايين البشر بينما يموت آخرون جوعًا؛ وأن يبتكر أسلحة يعلم أن استخدامها الواسع قد يهدد وجوده نفسه؛ وأن يبني منظومات اقتصادية وسياسية وفكرية ثم يصبح أسيرًا لها؛ وأن يخلق تمثلاته بيده ثم يخضع لها كما لو أنها كانت قوانين “طبيعية” مفروضة عليه من الخارج.
ولذلك فإن السؤال هو ليس: لماذا لا يشبه الإنسان الحيوان؟ فنحن نعرف أن الاختلاف متوقع، بل السؤال الأصعب هو: لماذا أنتج هذا الاختلاف مقدارًا هائلًا من السلوك الذي يبدو منفصلًا عن الوظائف التطورية المباشرة التي انطلق منها؟!
ويمكن التعبير عن المفارقة بطريقة أخرى. ففي عالم الطبيعة نشعر، مجازًا، كما لو أن ثمة «ضابطًا» حاضرًا باستمرار؛ لا بمعنى وجود كائن خفي نتخيله واقفًا وراء كل واقعة، وإنما بمعنى أن السلوك والوظيفة والحدود والنتائج تبدو مترابطة ضمن شبكة من القيود. أما حين ندخل العالم البشري، فيبدو أحيانًا كما لو أن هذا الضابط قد غاب.
وهنا لا ينبغي تحويل المجاز إلى حجة علمية على الغائية أو التصميم؛ فذلك يحتاج إلى نقاش فلسفي مستقل. ولكن المجاز يكشف السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه: ما الذي تغير في الإنسان حتى أصبح قادرًا على تجاوز القيود التي كانت تضبط السلوك داخل العالم الطبيعي؟ فربما يكون هذا السؤال أهم من السؤال التقليدي عن مقدار التشابه الجيني بين الإنسان وأقرب أقربائه! لأن المشكلة ليست فقط: من أين جاء الإنسان؟ بل أيضًا: ما الذي حدث له بعد أن جاء؟
ولعل إحدى المشكلات الكبرى في دراسة الإنسان أننا حاولنا طويلًا العثور على تفسير الاختلاف في المكان الذي اعتدنا البحث فيه: العظام، والجينات، وحجم الدماغ، والأدوات، والنار، واللغة، والتجمعات الاجتماعية.
وكلها ذات قيمة معرفية بالغة.
ولكن ماذا لو كان التحول الحاسم لا يمكن العثور عليه في عظمة؟! وماذا لو كان الحدث الأهم في التاريخ الإنساني قد وقع داخل العلاقة بين العقل والواقع؟! أي في اللحظة التي لم يعد فيها الجهاز المعرفي يكتفي بتمثل العالم لكي يتعامل معه، وإنما أصبح قادرًا على إنتاج عالم تمثلي مستقل نسبيًا، ثم التعامل معه كما لو كان هو الواقع؟! وعندها لن تكون الفوضى التي نراها في التاريخ البشري مجرد سلسلة من الأخطاء السياسية والحروب والأطماع والانحرافات الأخلاقية المنفصلة، بل ستصبح أعراضًا مختلفة لواقعة أعمق، وسيكون التاريخ البشري، من هذه الزاوية، مختبرًا هائلًا لآثار تلك الانعطافة.
ربما لا نملك بعد ما يكفي لكي نزعم أننا عرفنا الجواب. ولكن المنهج العلمي لا يبدأ دائمًا بالجواب؛ إذ أنه يبدأ أحيانًا بإدراك أن ثمة سؤالًا أغفلناه.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يوضع أمام البيولوجيا التطورية، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلوم الإدراك، والفلسفة معًا هو: كيف استطاع التاريخ الطبيعي، الذي أنتج منظومات شديدة الخضوع للقيود والانتظام الوظيفي، أن ينتهي إلى كائن يستطيع بصورة منهجية أن يتجاوز ضروراته، ويصنع اضطرابه، ويهدد شروط بقائه، ويخضع لتمثلات صنعها عقله بنفسه؟ فإذا كان هذا كله مجرد امتداد طبيعي مباشر لما سبقه، فعلينا أن نفسر كيف حدث ذلك. وإذا لم يكن كذلك، فعلينا أن نمتلك الشجاعة المعرفية لنسأل عما إذا كانت ثمة انعطافة لم نعطها بعد حقها من البحث.
وهنا تحديدًا قد تكمن القيمة المعرفية للميتابايولوجيا ليس بوصفها بديلًا عن البيولوجيا، ولا إنكارًا للتطور، وإنما محاولة لدراسة ذلك الجزء من الظاهرة الإنسانية الذي يبدأ عند النقطة التي لا يعود فيها السؤال: كيف ظهر الإنسان؟ كافيًا وحده. إذ يظهر إلى جانبه سؤال ربما كان أكثر إرباكًا: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح العالم الذي يصنعه مختلفًا إلى هذا الحد عن العالم الذي ظهر منه؟
