
ثمة مفارقة غريبة في الحنين الإنساني لا نلتفت إليها كثيرًا: نحن نقول إننا نشتاق إلى الأماكن القديمة، إلى البيت الذي نشأنا فيه، والمدرسة التي درسنا فيها، والشارع الذي كنا نسير فيه، والمدينة التي غادرناها منذ عشرين أو ثلاثين عامًا. ولكن هل نحن، في حقيقة الأمر، نشتاق إلى المكان؟ أم أننا نشتاق إلى الزمان الذي عشناه في ذلك المكان؟
قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد تمييز لغوي، لكنها تكشف، عند التأمل، عن جانب عميق من جوانب هشاشة الإنسان الوجدانية، وربما عن واحدة من أكثر الحيل التي يمارسها علينا فائض التمثّل خفاءً، وذلك بأن يجعلنا نظن أننا نشتاق إلى شيء قابل للاستعادة، بينما نحن في الحقيقة نشتاق إلى شيء انتهى إلى غير رجعة. فالمكان، على خلاف الزمان، يمكن الرجوع إليه. فقد يغادر الإنسان بيت طفولته عشرين عامًا، ثم يقرر ذات يوم أن يعود إليه. وقد يجد البيت قائمًا، والشارع موجودًا، والشجرة التي كانت أمام النافذة لا تزال في مكانها، بل قد يجد بعض الأثاث القديم نفسه، والباب ذاته، وربما الرائحة التي تثير في ذاكرته دفعة واحدة عالمًا كاملًا كان يظنه قد اختفى. فلقد استعاد المكان إذاً.
ولكنه، ويا للمفارقة، قد يكتشف في اللحظة نفسها أنه لم يستعد شيئًا مما كان يبحث عنه!
فالبيت موجود، ولكن الطفل الذي كان يركض في ممراته لم يعد موجودًا. والغرفة موجودة، ولكن الليالي التي قضاها فيها انتهت. والشارع موجود، ولكن أولئك الذين كانوا يشاركونه اللعب فيه تغيروا أو غابوا أو ماتوا. والشجرة قد تكون ما تزال هناك، ولكن العين التي كانت تنظر إليها قبل أربعين عامًا هي ليست العين نفسها التي تنظر إليها الآن.
وهنا تنكشف الحقيقة القاسية للنوستالجيا: فنحن لا نشتاق إلى المكان بقدر ما نشتاق إلى الزمن الذي التصق في وعينا بذلك المكان. ولهذا قد تكون العودة إلى الأماكن القديمة تجربة مؤلمة بدل أن تكون مريحة، وذلك لأننا نذهب إليها وفي داخلنا تمثّل لما نتوقع أن نستعيده، ثم نكتشف أن الواقع لا يستطيع الوفاء بذلك التمثّل. ففائض التمثّل يعيد بناء المكان القديم داخل أذهاننا، ولكنه لا يعيده بوصفه إحداثيات جغرافية أو جدرانًا أو طرقًا أو أشجارًا، وإنما بوصفه حزمة وجدانية كاملة: أشخاصًا، وأصواتًا، وروائح، وأعمارًا، ومخاوف، وأحلامًا، وعلاقات، واحتمالات مستقبلية كانت لا تزال مفتوحة أمامنا آنذاك. ولهذا حين نقول: «أشتاق إلى بيتنا القديم»، قد لا يكون البيت هو ما نفتقده أصلًا. ربما نفتقد الإنسان الذي كناه عندما كنا نعيش فيه. وهذا ما يجعل نوستالجيا الزمن أشد قسوة من نوستالجيا المكان؛ فالمكان قد يُستعاد، أما الزمن فلا يوجد إليه طريق عودة. فيمكنك أن تستقل طائرة لتعود إلى المدينة التي غادرتها منذ ثلاثين عامًا، ويمكنك أن تمشي إلى الشارع نفسه، وأن تقف أمام البيت نفسه، بل وربما أن تدخل الغرفة نفسها وتجلس في الموضع نفسه.
ولكن لا توجد وسيلة تستطيع أن تعيدك إلى صباح واحد من تلك السنوات.
وهذه حقيقة بسيطة إلى درجة أننا لا نكاد ننتبه إلى فداحتها الوجدانية التي تذكرنا بأن الزمان هو الشيء الوحيد الذي نفقده بصورة مطلقة. فكل ما نفقده تقريبًا يمكن للعقل أن يتخيل إمكان استعادته بطريقة ما؛ أما الدقيقة التي انقضت فلا توجد قوة في الكون تستطيع أن تجعلها حاضرة مرة أخرى.
ومن هنا يمكن فهم النوستالجيا بوصفها أكثر من مجرد حنين لطيف إلى الماضي. إنها، في أحد أبعادها، استجابة وجدانية لإدراك الإنسان أن جزءًا من وجوده قد أصبح خارج نطاق الاستعادة إلى الأبد.
ولعل هذا يفسر تلك التجربة التي يعرفها كثيرون عندما يعودون بعد عقود إلى مكان شديد الصلة بطفولتهم أو شبابهم. فيدخل الإنسان المكان متوقعًا أن يشعر بأنه «عاد»، ولكنه يفاجأ بشعور غريب من الاغتراب. فكل شيء هنا، ومع ذلك لا شيء هنا! وهذه العبارة المتناقضة ظاهريًا قد تكون الوصف الأدق لتجربة النوستالجيا. فالمبنى هنا، ولكن الزمن ليس هنا. والطريق هنا، ولكن الذين ساروا فيه ليسوا هنا. والشجرة هنا، ولكن الصيف الذي جلسنا تحتها فيه ليس هنا. والأشد إيلامًا من ذلك كله أن نسختنا القديمة من أنفسنا ليست هنا.
وهنا يؤدي فائض التمثّل دوره المزدوج؛ فهو من ناحية يجعل الإنسان قادرًا على الاحتفاظ بعالم لم يعد موجودًا، لكنه من ناحية أخرى يجعله يعاني بسبب هذا العالم تحديدًا. فالحيوان قد يحتفظ بذاكرة لمكان أو فرد أو تجربة، لكن الإنسان يستطيع أن يبني في داخله مسرحًا كاملًا للماضي، وأن يعيد ترتيب مشاهده، وأن يجمّله، وأن يقارن الحاضر به، بل وأن يشعر بالخسارة تجاه احتمالات لم تقع أصلًا! فالنوستالجيا ليست ذاكرة خالصة، ولكنها ذاكرة أعاد فائض التمثّل تركيبها وجدانيًا. ولهذا لا يكون الماضي الذي نشتاق إليه مطابقًا بالضرورة للماضي الذي عشناه فعلًا. فقد نحذف منه لحظات الضيق والملل والخوف، ونحتفظ بأضوائه وروائحه ووجوه أحبائنا، ثم نصنع منه وحدة وجدانية متماسكة لم تكن موجودة بتلك الصورة أثناء عيشنا لها!
وهنا تظهر مفارقة أخرى من مفارقات الإنسان تتمثل في أننا كثيرًا ما لا ندرك أن زمنًا ما كان جميلًا إلا بعدما ينتهي. فالطفل الذي يعيش طفولته لا يقضي أيامه وهو يقول لنفسه: «إنني الآن أعيش أجمل ذكرياتي». والشاب لا يعرف، وهو يجلس مع أصدقائه في أمسية عادية، أن تلك الأمسية قد تتحول بعد أربعين عامًا إلى مشهد يستدعيه بحنين يكاد يؤلمه. فنحن نعيش الحاضر بوصفه واقعًا، ثم نحوله بعد انقضائه إلى تمثّل. وحين يتحول إلى تمثّل، قد يصبح أجمل وأشد كثافة وأكثر إثارة للوجدان مما كان عليه حين كان واقعًا.
وهكذا تكشف النوستالجيا عن إحدى أغرب نتائج فائض التمثّل: أن الإنسان يستطيع أن يتألم لفقدان عالم لا يستطيع أن يعرف على وجه اليقين إن كان موجودًا أصلًا بالصورة التي يتذكره بها! فهو لا يشتاق إلى الماضي وحده، وإنما إلى الصورة التي صنعها عقله للماضي!
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا تشفي العودة إلى المكان الحنين دائمًا، بل قد تزيده. فحين يكون المكان بعيدًا، يستطيع التمثّل أن يحافظ على التطابق الوهمي بين المكان والزمن: البيت القديم هو الطفولة، والجامعة هي الشباب، والمدينة هي أول الحب، والمقهى هو الأصدقاء، ولكن العودة تفصل فجأة بين الاثنين. فها هو البيت، ولكن أين الطفولة؟ وها هي الجامعة، ولكن أين أولئك الشباب؟ وها هو المقهى، ولكن أين الأصدقاء؟ لقد عاد المكان، ولم يعد العالم. وعندئذ يكتشف الإنسان أن ما كان يسميه «الحنين إلى المكان» لم يكن في جانب كبير منه إلا حنينًا إلى زمان اتخذ من المكان عنوانًا له!
ولعل هنا تحديدًا تتجلى هشاشة الإنسان الوجدانية في أقصى صورها. فالوعي الذي منحه القدرة على تجاوز اللحظة الحاضرة هو نفسه الذي جعله أسيرًا لما لم يعد حاضرًا. ولولا قدرة الإنسان الاستثنائية على تمثّل الماضي، لما استطاع أن يحتفظ به بهذا العمق؛ ولكن لولا هذه القدرة نفسها، لما استطاع الماضي أن يؤلمه بهذه القوة. ففائض التمثّل يمنحنا الماضي، ثم يعجز عن إعادته إلينا! فيحتفظ بصورته، ولكنه لا يستطيع استعادة وجوده. ومن هنا تولد النوستالجيا في المسافة الفاصلة بين قدرة الوعي على الاستحضار وعجز الواقع عن الاسترجاع.
وربما لهذا السبب يكون الزمن المفقود أشد وطأة علينا من المكان المفقود. فالمكان يقول لنا دائمًا إن العودة ممكنة، ولو نظريًا، أما الزمن فيضع الإنسان أمام أكثر قوانين الوجود صرامة: أن ما مضى قد مضى.
ومع ذلك يستمر العقل في العودة إليه! فيفتح الصور القديمة، ويستعيد الأغاني، ويزور البيوت، ويمشي في الشوارع نفسها، ويبحث في الوجوه عن وجوه عرفها، ويحاول عبر الروائح والأصوات والأشياء أن يفتح ثغرة صغيرة في جدار الزمن. لكنه لا يجد سوى الذاكرة.
ولعل النوستالجيا، في جوهرها الأعمق، ليست سوى ذلك الاصطدام المتكرر بين قدرتين غير متكافئتين لدى الإنسان: قدرة هائلة على استحضار ما مضى، وعجز مطلق عن العودة إليه! وهذه المفارقة هي التي تجعلها شاهدًا بالغ الدلالة على هشاشتنا الوجدانية. فالإنسان هو الكائن الذي يستطيع أن يعود إلى المكان بعد عشرين عامًا، وأن يقف في الموضع نفسه تمامًا، ثم يكتشف، ربما للمرة الأولى، أنه كان طوال تلك السنوات يريد العودة إلى مكان لا يقع في الجغرافيا أصلًا. فكان يريد العودة إلى الزمن، وحينها يدرك أن المكان الذي افتقده لم يكن البيت، ولا الشارع، ولا المدينة، وإنما عالمًا كاملًا كان موجودًا عند نقطة التقاء المكان بالزمان والذات والآخرين. وذلك العالم هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن زيارته مرتين!
