الانتقائية المتحيزة في التعامل مع معروض فائض التمثّل… أنيما يونغ مثالًا

لعل واحدة من أكثر خصائص العقل البشري خفاءً هي ليست أنه يرى ما ليس موجودًا فحسب، وإنما حتى حين يكون أمامه عدد هائل من الأشياء الممكن رؤيتها، فإنه لا يراها جميعًا بالقيمة المعرفية نفسها، وذلك لإنه يقوم بعملية انتقاء يغلب عليها تحيز مسبق!
غير أن الانتقاء هنا لا يعني مجرد ضرورة معرفية يفرضها عجز الإنسان عن الإحاطة بكل شيء؛ فذلك أمر لا مفر منه. وإنما المقصود نوع آخر من الانتقاء: الانتقائية المتحيزة، أي أن يكون لدى الإنسان معتقد أو تصور أو نموذج سابق، ثم يتحول هذا النموذج شيئًا فشيئًا إلى منظار لا يعود يرى العالم إلا من خلاله.
وهنا يظهر وجه آخر من وجوه فائض التمثّل. ففائض التمثّل، وفق التصور الذي أحاول تطويره، لا يقتصر دوره على أن يضيف إلى الواقعة ما ليس فيها، أو أن يصنع لها تمثلًا ذهنيًا يتجاوز معطياتها المباشرة، وإنما يقدم أمام الوعي البشري معروضًا بالغ الثراء من الصور والرموز والروابط والمماثلات والتفسيرات الممكنة. والمشكلة لا تكمن في وجود هذا المعروض وحده، وإنما في السؤال التالي: ما الذي يجعل الإنسان يختار مفردة واحدة فحسب من هذا الفائض ويهمل عشرات أو مئات المفردات الأخرى؟
ويقدم كارل غوستاف يونغ مثالًا بالغ الدلالة على هذه المسألة. فقد احتلت فكرة الأضداد والثنائيات مكانًا مهمًا في بنائه النفسي، وذلك كما يتبين لنا بتذكر مصطلحاته (الانبساط والانطواء، التفكير والشعور، الإحساس والحدس، الوعي واللاوعي) وصولًا إلى الصور النفسية المرتبطة بالمذكر والمؤنث. وفي هذا السياق ظهرت الأنيما والأنيموس: الأنيما بوصفها، في الصياغة اليونغية التقليدية، الصورة الأنثوية في نفس الرجل، والأنيموس بوصفه الصورة الذكورية في نفس المرأة.
ولا تكمن المسألة التي تهمنا هنا في تقرير ما إذا كانت الأنيما والأنيموس «صحيحين» أو «خاطئين» بصورة قاطعة؛ فهذا سؤال آخر. فما يعنينا هو السؤال الأسبق معرفيًا: لماذا برزت هذه المفردات بالذات من بين العدد الهائل من الصور والتمثلات الممكنة التي يستطيع العقل الإنساني إنتاجها؟! فالإنسان يحمل في داخله صورًا لا تكاد تُحصى: صورة الأب، والأم، والطفل، والعدو، والصديق، والمنقذ، والضحية، والحكيم، والغريب، والمحبوب، والمنافس، والقوي، والضعيف، فضلًا عن آلاف الصور المركبة التي صنعتها الخبرة الفردية والثقافة والأسطورة واللغة والذاكرة. فلماذا يصبح التقابل بين «المذكر» و«المؤنث» ذا امتياز نظري خاص؟
من منظور فائض التمثّل يمكن قلب طريقة طرح المسألة. فبدل أن نفترض أن الأنيما كانت موجودة هناك، في أعماق النفس، ثم جاء يونغ واكتشفها، يمكن أن نسأل: إلى أي حد أسهمت البنية المفاهيمية التي كان يونغ يفكر من خلالها في جعل بعض عناصر المعروض النفسي أكثر بروزًا من غيرها؟
وهنا يصبح يونغ نفسه جزءًا من الظاهرة التي كان يحاول دراستها! فهو لم يكن عينًا معرفية مجردة تقف خارج الطبيعة الإنسانية وتنظر إليها من مكان محايد، وإنما كان إنسانًا قبل أن يكون عالِم نفس، ولذلك فإنه كان خاضعًا، من حيث المبدأ، للآليات المعرفية ذاتها التي يخضع لها الإنسان الذي يدرسه.
وهذه ملاحظة لا تنتقص من يونغ، وذلك لأنها تنطبق علينا كلنا جميعًا. فالباحث لا يخلع إنسانيته عند باب المختبر أو المكتبة. وما يحمله من تصورات سابقة، وانحيازات ثقافية، واهتمامات فلسفية، واستعدادات نفسية، ونماذج تفسيرية، لا يختفي بمجرد أن يضع أمام اسمه صفة “باحث” أو “عالِم”.
وقد تكون الانتقائية المتحيزة واحدة من أكثر الطرق خفاءً التي تتدخل بها هذه الخلفية في صناعة النظرية.
فالعالَم يعرض آلاف الوقائع، وفائض التمثّل يعرض آلاف العلاقات الممكنة بينها، ولكن النظرية لا تستطيع استيعابها جميعًا. وهنا تبدأ عملية الانتقاء: هذه الواقعة مهمة، وتلك هامشية. هذه العلاقة عميقة، وتلك عرضية. هذا الرمز كاشف عن بنية النفس، وذلك مجرد تفصيل. هذه الثنائية تستحق أن تتحول إلى مفهوم، أما عشرات التقابلات الأخرى فلا تستحق ذلك! ولكن من الذي أصدر هذه الأحكام؟
وهنا تكمن المشكلة. إنه العقل نفسه الذي سيعود لاحقًا فيقول إن ما انتقاه إنما انتقاه لأنه كان موجودًا موضوعيًا في الظاهرة!
وهكذا يمكن أن تنشأ دائرة معرفية مغلقة تتمثل في أن الباحث يحمل نموذجًا سابقًا، فيوجه النموذج انتباهه نحو فئة معينة من الوقائع، ثم تتحول الوقائع المنتقاة إلى أدلة تؤيد النموذج الذي كان مسؤولًا أصلًا عن انتقائها! وهذه آلية أشبه بمن يدخل غابة باحثًا عن الأشجار ذات الأزهار الحمراء. سيعثر على عشرات منها، وقد يرسم خرائط دقيقة لمواضعها، ويقيس أطوالها وأعمارها، ثم يخرج بكتاب بالغ الدقة عن «الغابة الحمراء». ولن يكون شيء مما سجله بالضرورة كاذبًا. فالمشكلة أن الغابة لم تكن حمراء قط، بل عدسته هي التي كانت تبحث عن الأحمر!
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الأنيما والأنيموس لا بوصفهما مثالًا على «خطأ يونغ» بقدر ما هما مثال على مشكلة أعمق مفادها: كيف يستطيع النموذج النظري أن يشارك في إنتاج الموضوع الذي يزعم أنه يصفه فحسب؟
واللافت أن هذه المعضلة لا تخص يونغ وحده. فتاريخ الفلسفة والعلوم الإنسانية، بل وحتى بعض مراحل العلوم الطبيعية، حافل بأمثلة لعلماء ومفكرين رأوا في العالم، بدرجات متفاوتة، ما كانت نظرياتهم قد أعدتهم سلفًا لرؤيته! فمن يبحث عن الصراع سيجد الصراع في كل مكان! ومن يجعل الجنس مفتاحًا تفسيريًا مركزيًا سيكتشف وراء عدد هائل من السلوكيات دوافع جنسية! ومن يجعل الاقتصاد بنية تفسيرية حاكمة سيعيد قراءة التاريخ والسياسة والثقافة من خلال علاقات الإنتاج والمصالح المادية! ومن يجعل اللغة أصل المشكلة سيبدأ برؤية الظواهر الإنسانية بوصفها أبنية لغوية! ولا يعني ذلك أن الصراع أو الجنس أو الاقتصاد أو اللغة غير موجودة أو غير مؤثرة. فالخطأ المنهجي لا يكمن بالضرورة في ما نراه، وإنما قد يكمن في توهم أن ما رأيناه هو كل ما كان يمكن رؤيته!
وهنا تتجلى خطورة الانتقائية المتحيزة. فهي لا تحتاج إلى تزوير الوقائع لكي تضللنا؛ فيكفيها أن تنتقي وقائع صحيحة وتترك وقائع صحيحة أخرى خارج مجال الرؤية. ولذلك فإن أشد النظريات قدرة على تضليلنا هي ليست دائمًا النظريات المبنية على الأكاذيب، وإنما قد تكون النظريات المبنية على جزء صحيح من الواقع جرى منحه سلطة تمثل الواقع كله!
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بين الانتقائية المتحيزة وفائض التمثّل. ففائض التمثّل يتيح للعقل الإنساني عددًا هائلًا من الصور والعلاقات والتفسيرات الممكنة، بينما يأتي المعتقد السابق ليعمل بوصفه مرشحًا يقرر ما الذي يسمح له بالعبور إلى الوعي النظري وما الذي يتركه خارجه! فنحن، لا نرى أولًا ثم نعتقد دائمًا، بل كثيرًا ما نعتقد أولًا، ثم يحدد اعتقادنا ما الذي سنراه!
وهذه المسألة تتجاوز علم النفس التحليلي إلى سؤال إبستمولوجي بالغ الخطورة: كم من النظريات التي نعدّها اليوم أوصافًا للعالم هي ليست، جزئيًا على الأقل، سوى أوصاف لذلك الجزء من العالم الذي سمحت انحيازات أصحابها لهم بأن يروه؟
ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من مثال يونغ ليس أن نتخلص من النماذج النظرية، فهذا مستحيل؛ إذ لا يستطيع العقل التعامل مع الواقع من دون قدر من التصنيف والاختيار والتمثل، وإنما أن ندرك أن كل نموذج هو في الوقت نفسه أداة للرؤية وأداة للحجب؛ إذ أنه يجعل أشياء مرئية، لكنه قد يجعل أشياء أخرى غير مرئية!
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي للباحث أن يطرحه على نفسه لا يقتصر على: ما الذي أراه في الظاهرة؟ بل ينبغي أن يضيف إليه سؤالًا أكثر إزعاجًا وقيمة معرفية: ما الذي جعلني أرى هذا تحديدًا؟ وما الذي ربما لم أره لأن النظرية التي أحملها لم تسمح لي برؤيته؟
وعندها فقط يصبح نقد فائض التمثّل نقدًا للباحث أيضًا، وليس للمادة قيدَ البحث فحسب! فالعالِم والفيلسوف والمفكر لا يقفون خارج الإنسان حين يدرسون الإنسان، بل هُم جزء من الظاهرة ذاتها.
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى: أن العقل الذي يريد اكتشاف انحيازات العقل البشري لا يملك لفعل ذلك أداة أخرى غير عقل بشري قابل للانحياز هو الآخر!

أضف تعليق