الموسيقى حمّالة أوجه… فهل كلنا نسمع الموسيقى ذاتها؟

لعل من أكثر الأوهام رسوخًا في علاقتنا بالفنون اعتقادنا أن العمل الفني، ما دام واحدًا، فلا بد أن يكون ما يتلقاه الناس منه واحدًا أيضًا، أو متقاربًا على الأقل. فنحن نفترض أن اللوحة هي اللوحة نفسها أمام جميع من ينظرون إليها، وأن القصيدة هي القصيدة نفسها لدى جميع من يقرؤونها، وأن المقطوعة الموسيقية هي الموسيقى ذاتها في آذان جميع من يستمعون إليها. وقد نسلّم بشيء من الاختلاف، فنقول إن شخصًا أحب المقطوعة وآخر لم يحبها، أو إن أحدهم وجدها حزينة بينما وجدها آخر هادئة. ولكننا نظل نتصور أن لهذه الموسيقى عددًا محدودًا من «الأوجه» التي يمكن أن تحملها: وجهين أو ثلاثة أو بضعة أوجه على أكثر تقدير، ثم ينتهي الأمر.
ولكن ماذا لو كان هذا التصور نفسه أحد أوهام العقل البشري؟ وماذا لو لم نكن، حين نستمع إلى الموسيقى، نسمع الشيء ذاته أصلًا، حتى وإن كانت الموجات الصوتية التي تصل إلى آذاننا واحدة؟ فالموسيقى، من حيث هي ظاهرة فيزيائية، يمكن بالطبع وصفها بقدر كبير من الدقة: ترددات، وإيقاعات، وشدات صوتية، وتناغمات، وفواصل، ومدد زمنية. وإذا جلس عشرة أشخاص في غرفة واحدة يستمعون إلى تسجيل واحد، فإن المصدر الصوتي الذي يتلقونه واحد. غير أن الموسيقى التي تصل إلى الأذن ليست بالضرورة هي الموسيقى التي تستقر في الوعي.
فبين هاتين اللحظتين تقع منطقة هائلة قلما نلتفت إليها: منطقة التمثّل. فالإنسان لا يستقبل العمل الفني استقبالًا محايدًا، كما لو كان جهاز تسجيل تمر عبره الأصوات من غير أن يضيف إليها شيئًا. إنه يستقبلها محمّلة بذاكرته، وثقافته، وتجاربه، وتوقعاته، ومعتقداته، وحالته النفسية، وعلاقته السابقة بذلك اللون من الموسيقى، بل وحتى بالأشخاص والأمكنة والأحداث التي ارتبطت في ذاكرته بأصوات مشابهة.
وهنا يظهر سلطان ما أسميه “فائض التمثّل”. ففائض التمثّل لا يسمح للواقعة الخارجية بأن تبقى واقعة خارجية فحسب؛ إذ أنه يعيد إنتاجها داخل العقل، ويكسوها بطبقات من المعنى لا تكون موجودة بالضرورة في الشيء نفسه. ومن ثم فإن الإنسان لا يسمع مجرد أصوات مرتبة وفق بناء موسيقي، وإنما يسمع ما أصبحت تعنيه تلك الأصوات بعد مرورها عبر منظومته التمثّلية الخاصة. ولهذا قد تكون المقطوعة الواحدة حزنًا لشخص، وطمأنينة لآخر، وحنينًا لثالث، وقلقًا لرابع، وبطولة لخامس، وروحانية لسادس، ولا تعني شيئًا تقريبًا لسابع. بل قد تثير النغمات ذاتها لدى إنسان ذكرى شخص مات، ولدى آخر ذكرى حب قديم، ولدى ثالث صورة وطن بعيد، بينما يستقبلها موسيقي محترف بوصفها بناءً هارمونيًا وإيقاعيًا جديرًا بالتحليل. وما يسمعه كل واحد منهم ليس مجرد «تفسير» مختلف لمادة واحدة بعد اكتمال سماعها؛ إذ ربما يكون الاختلاف قد بدأ منذ اللحظة التي دخلت فيها المادة الصوتية إلى عالم الوعي.
وهذا يدعونا إلى التمييز بين الموسيقى بوصفها حدثًا صوتيًا والموسيقى بوصفها تجربة إنسانية. فالأولى يمكن أن تكون واحدة، أما الثانية فليس ثمة ما يلزمها بأن تكون كذلك. بل إن الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، لأن المستمع نفسه قد لا يسمع المقطوعة ذاتها بالطريقة نفسها مرتين. فقد يسمعها في العشرين من عمره فلا يرى فيها إلا جمالًا إيقاعيًا، ثم يسمعها في الخمسين فتوقظ فيه عالمًا كاملًا من الذكريات. وقد يسمعها في يوم فرح فيجدها مشرقة، ثم يعود إليها بعد خسارة أو فراق فيكتشف فيها حزنًا لم يكن يعرف أنها قادرة على حمله! فأي المقطوعتين هي المقطوعة «الحقيقية»؟ والمفارقة أن التسجيل لم يتغير، لكن الذي تغير هو الإنسان.
وهذا وحده كافٍ لكي يجعل العمل الفني يتغير من حيث التجربة، وإن ظل ثابتًا من حيث وجوده المادي. ومن هنا يبدو السؤال: «هل أعجبتك هذه الموسيقى؟» أبسط بكثير من السؤال الأعمق: “ما الموسيقى التي سمعتها أنت؟”. وذلك لأن اثنين قد يقولان إنهما أحبا المقطوعة نفسها، بينما يكون كل واحد منهما قد أحب شيئًا مختلفًا فيها تمامًا. وقد يقول اثنان إنهما وجداها حزينة، لكن «الحزن» الذي تمثّله أحدهما قد لا يمت بصلة إلى الحزن الذي تمثّله الآخر. فاللغة توهمنا أحيانًا بوحدة التجربة لأننا نضع التجارب المختلفة تحت الاسم نفسه. وهكذا تصبح كلمة «حزينة» غطاءً لغويًا يخفي وراءه عوالم داخلية لا حصر لها.
والأمر نفسه ينطبق على الرسم والشعر والرواية والسينما وسائر الفنون. فاللوحة المعلقة على الجدار واحدة ماديًا، لكن عدد اللوحات الممكنة في الوعي قد يقترب من عدد الذين يقفون أمامها! والقصيدة المطبوعة واحدة، غير أن القصيدة التي يعيد كل قارئ بناءها في داخله ليست بالضرورة هي القصيدة التي يعيد قارئ آخر بناءها!
ولعل هذا يفسر شيئًا من غرابة الخلافات حول الفن. فنحن نتجادل أحيانًا كما لو كنا نختلف في الحكم على الشيء نفسه، بينما قد يكون الأصح أننا نحكم على أشياء مختلفة صنعها فائض التمثّل انطلاقًا من منبّه خارجي واحد! فيقول أحدهم عن مقطوعة إنها عظيمة، ويقول آخر إنها مملة، فنفترض أن أحدهما أدرك قيمتها والآخر أخفق في ذلك. ولكن ربما كان السؤال الأسبق من الحكم على أيهما أصاب هو: هل كانت التجربة الموسيقية التي حدثت في وعي الأول هي التجربة نفسها التي حدثت في وعي الثاني؟ بل لعل وهم «وحدة العمل الفني» نفسه ناشئ من خلطنا بين وحدة المصدر وتعدد التلقي. فوجود تسجيل واحد لا يعني وجود تجربة واحدة، كما أن وجود نص واحد لا يعني وجود قراءة واحدة، ووجود واقعة واحدة لا يعني وجود تمثّل واحد لها.
وهنا تبلغ المسألة حدودًا تتجاوز علم الجمال لتصبح مسألة معرفية تتصل بطبيعة الإنسان نفسه. فإذا كان فائض التمثّل يتدخل حتى في شيء يبدو مباشرًا وحسيًا مثل الموسيقى، فكم يكون تدخله أشد حين يتعلق الأمر بالتاريخ والدين والسياسة والأخلاق والحب والعداوة والهوية، أي حين لا نتعامل مع نغمات مجردة، وإنما مع ظواهر مشبعة أصلًا بالمعاني والمصالح والمخاوف والموروثات؟
إن الموسيقى تقدم لنا، بهذا المعنى، مختبرًا بالغ النقاء لفهم المعضلة الإنسانية الكبرى: أن الإنسان لا يتلقى العالم كما هو، وإنما يتلقى العالم بعد أن يمر عبره! وما نسميه «تذوقًا» قد يكون أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه العملية. فالمستمع لا يفتح بابًا تدخل منه الموسيقى إلى ذهنه كما خرجت من الآلة، وإنما يستقبلها عبر منظومة من “المرشحات التمثّلية” التي تعيد ترتيبها ومنحها دلالتها العاطفية والشخصية والثقافية.
ولهذا ربما يكون من الخطأ البحث عن عدد محدد من الأوجه التي «تحملها» المقطوعة الموسيقية. فهي ليست وجهين أو ثلاثة أو عشرة. وربما لا تكون الأوجه موجودة في الموسيقى أصلًا بهذا المعنى، وإنما تنشأ عند نقطة التقاء الموسيقى بالإنسان. وإذا كان عدد البشر هائلًا، وإذا كان لكل إنسان تاريخ تمثّلي لا يتطابق تمامًا مع تاريخ إنسان آخر، وإذا كان الإنسان نفسه يتغير عبر الزمن، فإن عدد الوجوه التي يمكن أن تحملها مقطوعة واحدة يصبح مفتوحًا على عدد يكاد يستعصي على الحصر!
وعندئذ يصبح السؤال الذي بدأنا به أكثر جدية مما يبدو. فحين نجلس جميعًا للاستماع إلى المقطوعة الموسيقية نفسها، فهل نحن نسمع فعلًا الموسيقى ذاتها؟
من الناحية الفيزيائية، ربما نعم. أما من الناحية الإنسانية، فربما كان الأصح أن نقول إننا نستمع إلى مصدر موسيقي واحد، ولكننا لا نعيش موسيقى واحدة. وإذا صح ذلك، فإن الموسيقى لا تكون «حمّالة أوجه» لأنها تحتوي في داخلها على مجموعة جاهزة من المعاني ينتقي المستمع أحدها، وإنما لأنها، حين تعبر إلى الإنسان، فإنها تدخل عالم فائض التمثّل؛ وهناك يمكن للصوت الواحد أن يصبح عوالم لا تكاد تنتهي!
ولعل الفن لا يكشف لنا، في نهاية المطاف، عن نفسه وحده، بل يكشف لنا أيضًا عن ذلك الكائن الذي يقف أمامه، يسمعه أو يراه، ثم يظن أنه يتلقى ما هو موجود في الخارج، بينما هو، في جزء كبير مما يختبره، يتلقى نفسه.

أضف تعليق