
ثمة نزعة معرفية رافقت العلم الحديث في مراحل كثيرة من تاريخه، وكانت في أصلها نزعة مشروعة بل وضرورية: إزالة الغموض عن الظواهر، أو ما يمكن التعبير عنه بمفهوم Demystification. فما كان يُنسب يومًا إلى قوى غامضة أمكن للعلم، في حالات كثيرة، أن يكشف عن آلياته الطبيعية؛ وما بدا للإنسان القديم عصيًا على الفهم أصبح، بعد تطور أدوات الرصد والنظرية والتجربة، جزءًا من العالم القابل للتفسير.
ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه النزعة من منهج لفهم الظواهر الطبيعية إلى افتراض ميتافيزيقي مسبق بأن كل ما يقع لا بد أن يكون قابلًا، من حيث المبدأ، للاختزال إلى تفسير طبيعي!
وهنا يظهر سؤال قلما يُطرح بوضوح: ماذا يحدث عندما لا يكتفي العالِم بمحاولة إزالة الغموض عن المجهول، وإنما يحاول إزالة الإعجاز عن المعجزة؟ فالفرق بين الأمرين جوهري.
فالظاهرة الغامضة قد تكون ظاهرة طبيعية لم نكتشف قانونها بعد. أما المعجزة، بحسب تعريفها الديني والفلسفي الصارم، فلا تُسمى معجزة لأنها ظاهرة فيزيائية شديدة التعقيد فحسب، ولا لأنها واقعة نجهل حاليًا معادلاتها، وإنما لأنها تُقدَّم بوصفها حدثًا استثنائيًا لا يستنفده التفسير القائم على الانتظام الطبيعي المعتاد.
ومن هنا فإن إخضاع المعجزة منذ البداية لنموذج فيزيائي لا يكون بالضرورة تفسيرًا لها؛ فقد يكون، في بعض الحالات، إعادة تعريف لها قبل تفسيرها.
ويمكننا أن نلمس شيئًا من هذه النزعة في بعض أنماط الفيزياء النظرية المعاصرة، حين تتقدم الرياضيات والنماذج الافتراضية إلى مناطق لم يعد فيها السؤال: ماذا تقول لنا المشاهدة؟ وإنما: ما الذي تسمح به معادلاتنا، ولو في أقصى حدود الافتراض؟
ولا تكمن المشكلة في الرياضيات ذاتها؛ فالرياضيات من أعظم الأدوات التي امتلكها العلم. كما أن بناء النماذج النظرية والاستدلال على نتائج لم تُرصد بعد كانا من أسباب أعظم نجاحات الفيزياء، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى “مرشح أنطولوجي”. فما أمكن إدخاله في النموذج عُدَّ قابلًا للتفسير، وما بدا مستحيلًا في العالم المألوف جرى البحث عن فضاء نظري أوسع يمكن أن يصبح فيه ممكنًا.
عندئذ قد تتحول الرياضيات، من حيث لا نشعر، من أداة للكشف عن الواقع إلى حجاب من التجريد الرياضي المتكلف نحمي به اعتقادًا سابقًا مفاده أن الواقع لا يستطيع أن يتجاوز النموذج الفيزيائي!
وهنا تصبح عملية إزالة الغموض (demystification)أكثر من مجرد بحث علمي؛ إذ تصبح مشروعًا لإعادة تصنيف الأشياء بحيث لا يبقى في النهاية شيء يمكن أن يسمى معجزة!
ويقدم عالم الفيزياء النظرية ميشيو كاكو في كتابه Physics of the Impossible (فيزياء المستحيل) مثالًا مثيرًا للاهتمام على توسيع حدود ما نعده ممكنًا فيزيائيًا. فهو يناقش أفكارًا تبدو، وفق خبرتنا اليومية، أقرب إلى الخيال: الانتقال الآني، والاختفاء، والسفر عبر الزمن، وبعض أشكال القدرات التي اعتدنا العثور عليها في أدب الخيال العلمي.
والفكرة المهمة في مشروع كهذا هي أن وصف شيء ما بأنه «مستحيل» قد يكون متسرعًا؛ إذ ربما لا تمنعه القوانين الفيزيائية نفسها، وإنما تمنعه حدود التقنية أو الطاقة أو المعرفة المتاحة لنا حاليًا. وهذا مشروع علمي وفكري مشروع ما دام السؤال هو: ما الذي تسمح به قوانين الطبيعة، أو قد تسمح به نظريات فيزيائية قابلة للاختبار؟ لكن المشكلة تظهر إذا انتقلنا من هذه القضية إلى قضية مختلفة تمامًا: هل كل ما نصفه بأنه معجزة لا بد أن يكون في حقيقته ظاهرة فيزيائية فائقة لم نكتشف آليتها بعد؟ فالانتقال من السؤال الأول إلى الثاني ليس نتيجة ألزمتنا بها الفيزياء؛ إذ أنها إضافة فلسفية إلى الفيزياء!
بل يمكن القول إن كتابًا من قبيل Physics of the Impossible، إذا استُخدم بهذه الكيفية، قد يتحول في ذهن القارئ إلى ما يشبه «أداة نظرية» تسمح له بأن ينظر إلى كل واقعة خارقة كما ينظر إلى أي ظاهرة فيزيائية أخرى: ليست معجزة، وإنما هي تكنولوجيا لم نمتلكها بعد. وليست خروجًا عن المألوف الطبيعي، وإنما هي تطبيق لقانون أعمق لم نكتشفه بعد. وليست واقعة تتحدى حدود التفسير الفيزيائي، وإنما هي مسألة تنتظر فيزياء أكثر تقدمًا! ولكن من أين جاءت هذه النتيجة؟ ثمة فرق بالغ الدلالة المعرفية بين قول عالِم الفيزياء النظرية: لا نعرف ما إذا كانت هذه الواقعة ممكنة وفق قوانين طبيعية لم نكتشفها بعد. وبين قوله، صراحة أو ضمنًا: لا بد أن لهذه الواقعة تفسيرًا فيزيائيًا، وإن كنا لا نعرفه بعد.
فالأولى عبارة متواضعة معرفيًا ومتسقة تمامًا مع المنهج العلمي، أما الثانية فليست نتيجة تجريبية، لأنها تقرر مسبقًا طبيعة الجواب الذي ينبغي أن ينتهي إليه البحث!
وهنا تقع المفارقة: فالعالِم الذي أراد التخلص من الميتافيزيقا قد يكون قد أدخل ميتافيزيقا خاصة به من الباب الخلفي؛ وهي الاعتقاد بأن الفيزيائي هو كل ما يمكن أن يوجد أو يحدث، أو على الأقل كل ما يجوز قبوله تفسيرًا! وهذا الاعتقاد، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا، ليس قانونًا من قوانين الفيزياء.
الفيزياء، بما فيها الفيزياء النظرية، شديدة القوة لأنها تحدد مجالها وأدواتها: القياس، والنمذجة، والعلاقات الرياضية، والتنبؤ، والاختبار، والاتساق مع الوقائع. ولكن قوة المنهج لا تعني أن كل واقعة ممكنة يجب أن تكون واقعة من النوع الذي يستطيع هذا المنهج وحده التعامل معه. فلو عرّفنا المعجزة، على سبيل الفرض، بأنها واقعة ذات مصدر متعالٍ على النظام الفيزيائي، ثم طالبنا الفيزياء بإثبات أنها ليست كذلك، فإننا نكون قد حمّلنا الفيزياء سؤالًا لا تستطيع أدواتها وحدها حسمه. فالفيزياء تستطيع أن تسأل: هل يمكن إنتاج حدث مماثل ضمن قوانين الطبيعة؟ وتستطيع أن تسأل: هل لدينا تفسير طبيعي محتمل لما رُوي أنه حدث؟ وتستطيع أن تكشف أن واقعة ظُنَّت معجزة ليست معجزة أصلًا، لأن لها تفسيرًا طبيعيًا كافيًا، لكنها لا تستطيع أن تجعل من الافتراض القائل إن كل معجزة لا بد أن تكون فيزياء مجهولة نتيجة فيزيائية؛ لأن هذا الافتراض نفسه يسبق التجربة ولا ينتج منها. بل أن هناك مشكلة أعمق. فلنفترض أن عالمًا استطاع أن يقدم نموذجًا فيزيائيًا يبين أن واقعة ما، كانت تبدو مستحيلة، يمكن أن تحدث في ظروف استثنائية للغاية. فهل يكون بذلك قد أبطل بالضرورة صفتها الإعجازية؟ ليس بالضرورة. لأنه يكون قد أجاب عن سؤال: كيف يمكن أن تحدث واقعة مشابهة فيزيائيًا؟ ولم يجب بالضرورة عن سؤال آخر مختلف: لماذا حدثت هذه الواقعة تحديدًا، في هذا الزمان تحديدًا، وفي هذا السياق تحديدًا، وعلى النحو الذي اكتسبت به دلالتها الدينية؟
إن تفسير الآلية، حتى حين يكون ممكنًا، لا يساوي دائمًا تفسير الواقعة في جميع مستوياتها. وهذه نقطة بالغة الدلالة المعرفية لأن بعض مشاريع إزالة الغموض demystification تقع في مغالطة خفية: تتصور أنها إذا استطاعت تقديم آلية محتملة للحدث فقد فسرت الحدث كله!
المفارقة، إذاً، ليست في أن يحاول الفيزيائي تفسير ما يبدو خارقًا؛ فهذا تحديدًا مما ينبغي للعلم أن يفعله. ولو امتنع العلماء عن محاولة تفسير الظواهر الغريبة خشية المساس بمفهوم المعجزة لتحول احترام حدود العلم إلى تعطيل للعلم. فالمشكلة في شيء أدق بكثير: أن تُحدَّد النتيجة قبل بدء البحث. أي أن نقول: مهما كانت الواقعة، ومهما بلغت غرابتها، ومهما كان سياقها، فلا بد أن يكون لها تفسير فيزيائي، وما علينا إلا أن نبحث عن المعادلة المناسبة!
عندئذ لا تعود الفيزياء تبحث فيما إذا كان التفسير الفيزيائي كافيًا، وإنما تصبح مكلفة بإنتاج تفسير فيزيائي لأنه التفسير الوحيد المسموح به سلفًا. وهذا ليس انتصارًا للمنهج العلمي، بل خروج عن أحد أهم مبادئه: أن تكون النتيجة مفتوحة أمام الدليل.
قد تكون بعض الوقائع التي سمّاها البشر معجزات ظواهر طبيعية أسيء فهمها. وقد تكون أخرى روايات تاريخية لم تقع أصلًا بالصورة التي رُويت بها. وقد نجد لبعضها تفسيرًا نفسيًا أو اجتماعيًا أو فيزيائيًا. فكل هذه احتمالات ينبغي ألا يمنع البحثَ فيها أي التزام ديني أو فلسفي سابق، ولكن ينبغي، بالصرامة المعرفية ذاتها، رفض الالتزام السابق المقابل: أن كل معجزة ليست إلا فيزياء مجهولة!
فإذا كانت المعجزة الحقيقية، بحكم تعريفها، حدثًا لا يُختزل إلى السببية الفيزيائية المعتادة، فإن إثبات استحالة وجود المعجزات لا يمكن أن يتم بمجرد بناء نموذج فيزيائي يفترض منذ البداية أن كل ما يحدث فيزيائي. وإلا أصبح الاستدلال دائريًا ومفاده أن كل ما يقع في العالم هو فيزيائي! فالمعجزة، إن وقعت، فإنها قد وقعت في العالم، إذاً فالمعجزة هي فيزيائية! وإذا كانت فيزيائية فهي ليست معجزة! وهنا لم تثبت الفيزياء شيئًا عن المعجزة، وإنما وُضع تعريف للواقع يستبعدها قبل بدء البحث!
ليس المطلوب إذاً أن يتوقف الفيزيائيون عن محاولة تفسير الظواهر الخارقة، بل العكس تمامًا؛ إذ أن عليهم أن يبحثوا فيها بأقصى ما يستطيعون من صرامة. ولكن ينبغي التفريق بين ثلاثة أحكام مختلفة: نحن “لا نعرف تفسير هذه الواقعة” و “قد يكون لهذه الواقعة تفسير فيزيائي لم نكتشفه بعد” و “لا يمكن لهذه الواقعة إلا أن يكون لها تفسير فيزيائي”. فالأول هو اعتراف بحدود المعرفة، والثاني هو فرضية علمية مشروعة، أما الثالث فهو موقف فلسفي يحتاج هو نفسه إلى برهان!
وربما كانت المفارقة الكبرى أن بعض محاولات إزالة الغموض demystification، وهي تسعى إلى تخليص الإنسان من «الغموض»، فإنها تنتهي بصناعة غموض من نوع آخر يتمثل في غموض مغطى بالمعادلات والنماذج والمصطلحات، يجعلنا ننسى السؤال الأبسط والأكثر جوهرية: هل فسّرنا الظاهرة حقًا، أم أننا أعدنا صياغتها بطريقة تجعلها قابلة منذ البداية للتفسير الذي نريد الوصول إليه؟!
إن الفيزياء تبلغ ذروة قوتها عندما تفسر ما يقع داخل مجالها، وليس عندما تجعل مجالها مساويًا للوجود كله! ولعل التواضع المعرفي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن نجاح أداة في تفسير مساحة هائلة من الواقع لا يثبت، بمفرده، أن الواقع لا يحتوي إلا على ما تستطيع تلك الأداة تفسيره! فالمشكلة ليست في أن يسأل عالِم الفيزياء عن المعجزة، بل المشكلة تبدأ عندما يقرر جواب السؤال قبل أن يسأله!
