
تتجدد السجالات حول نجاعة الأطر المفهومية في تفسير العلاقات الدولية كلما شهد النظام العالمي تحولات هيكلية حادة. وفي هذا السياق، يطرح كتاب:
The Dragon Defined: How Washington, Canberra, and London Reimagined China (David M. McCourt)
(تعريف التنين: كيف أعادت واشنطن وكانبرا ولندن تصور الصين) للمؤلف ديفيد مكورت
محاولة سوسيولوجية لتفكيك الكيفية التي صاغت بها واشنطن وحلفاؤها صورة “التهديد الصيني”. غير أن هذا الطرح المفهومي يقف اليوم على خط تماس ساخن بين رؤية تفكك الخطاب، ونقد واقعي يرى أن الممارسة التحليلية الغربية لم تكن مجرد صناعة بلاغية، بل استجابة لواقع مادي لا يمكن التغاضي عنه.
يحمل نقد التيار السائد لطرح مكورت مشروعية منهجية وعملية بالغة الدلالة. فمن خلال التركيز المكثف على نظرية الحقل (Field Theory) ومواطن إنتاج المعرفة داخل مراكز الفكر والدوائر الأكاديمية الغربية، يميل التحليل التفكيكي إلى تهميش المتغيرات الهيكلية الصلبة التي أعادت رسم المشهد الإستراتيجي:
• الواقع الإستراتيجي والأمني: فالتحول الصيني نحو عسكرة بحر الصين الجنوبي، وتشديد الخطاب السياسي والعسكري تجاه تايوان في عهد “شي جين بينغ”، لم يكن انزياحاً استعارياً في مخيلة المحللين الغربيين، بل تمثّل في إجراءات ميدانية وتغيير مباشر في قواعد التعامل مع الهواجس الأمنية الإقليمية والدولية.
• السياسات الاقتصادية والتحول الصناعي: تعكس ظاهرة إغراق الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الغربية بالسلع الرخيصة والسيارات الكهربائية، عبر دعم حكومي واسع ونموذج الطاقة الإنتاجية الفائضة (Overcapacity)، واقعاً اقتصادياً يتجاوز حدود “تأطير الخطاب”. فالصراع على القدرة التنافسية وتوازنات الأسواق يُفرض بواقع الأرقام والسياسات التجارية المستجدة، لا بالتأطير السوسيولوجي وحسب! ومن هذا المنطلق، يرى نقاد الكتاب أن الانتقال الغربي من سياسة “الانخراط” (Engagement) إلى “التنافس الإستراتيجي” (Strategic Competition) كان رد فعل موضوعي ومباشر على سلوك صيني ملموس، وليس مجرد إعادة إنتاج بلاغية داخل النخب الغربية.
وعلى الرغم من الحمولات النقدية السابقة، تظل للمقاربة البنائية التي يتبناها الكتاب مسوغات لا تقل قيمة معرفية في إدراك تعقد الظاهرة السياسية، وذلك عن طريق:
• كشف انحيازات “المركزية الغربية”؛ حيث تسلط المقاربة الضوء على فخ “إسقاط النيات”، حيث يميل التحليل السائد إلى تفسير أي تحرك صيني، سواء كان أمنياً أو اقتصادياً، ضمن خانة التهديد الوجودي فحسب، مما يحجب القدرة على فهم الهواجس الأمنية الذاتية لبكين ودوافعها الداخلية.
• المطابقة الفكرية وضغط دوائر الفكر: يوضح التحليل كيف تؤدي دوائر الصنع السياسي في واشنطن ولندن وكانبرا دوراً في فرض نوع من “المطابقة الفكرية” (Ideological Alignment) . ففي هذا الحقل، يُصنف التحليل الذي يحاول تفكيك الدوافع الصينية بهدوء ضمن خانة “المهادنة”، مما يُنشئ بيئة مغلقة تعيد إنتاج الانحيازات المسبقة وتغذي دوامات التصعيد.
وتتجلى في عنوان الكتاب (The Dragon Defined) إشكالية اصطلاحية ذات بعد إبستمولوجي؛ فالعنوان يوحي بنزعة للميل نحو “التعريف الجامع المانع” لظاهرة تتسم بالتغير المستمر والتشابك المعقد.
وعلى الرغم من أن المتن الحقيقي للكتاب يسعى إلى تفكيك التعريفات الغربية المسكوبة بدلاً من فرض جوهرانيات جديدة على الصين ذاتها، إلا أن التوسل بالاستعارة الرمزية “Metaphor” (التنين) يظل جزءاً من التبسيط الاصطلاحي الذي يخدم الترويج الأكاديمي، حتى وإن جاء على حساب التعددية المفهومية التي يتطلبها دراسة موضوع بهذا الحجم من التعقيد.
إن السجال حول كتاب The Dragon Defined يختزل المعضلة المنهجية الكبرى في العلاقات الدولية المعاصرة: هل تكمن المشكلة في التحولات المادية الصلبة للقوة، أم في الأطر المفهومية التي نُفسر من خلالها هذه التحولات؟ فالتركيز الصلب على أحدهما دون الآخر يُفقد التحليل توازنه؛ فالتحولات الهيكلية للسياسات الصينية واقع لا يمكن إنكاره، لكن فهم كيفية استقبال هذا الواقع وإعادة صياغته داخل دوائر القرار الغربي يظل شرطاً شارحاً لا غنى عنه لتفادي الفهم الأوحد.
