نحو تصنيف جديد للانحيازات المعرفية في ضوء فائض التمثّل

ثمة سؤال يفرض نفسه بعد إعادة قراءة تأثير بارنوم في ضوء مفهوم «فائض التمثّل»: ماذا لو لم يكن بارنوم حالة منفردة؟ وماذا لو كان عدد غير قليل مما اعتدنا تسميته «تأثيرات» و«انحيازات معرفية» مستقلة مجرد تجليات مختلفة لعدد أقل بكثير من العمليات المعرفية الأساسية؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني إنكار ما راكمه علم النفس المعرفي والسلوكي من معرفة، ولا الادعاء بأن عشرات الانحيازات التي جرى رصدها تجريبيًا ليست موجودة. فالظواهر موجودة ما دامت الملاحظة والتجربة تكشفان عنها. ولكن وجود الظواهر شيءٌ، والكيفية التي نصنفها ونفسر علاقاتها بعضها ببعض شيء آخر تمامًا. فقد نرصد عشر ظواهر مختلفة، ونسمي كل واحدة منها باسم، ثم نكتشف لاحقًا أن خمسة منها، مثلًا، ليست إلا نتائج مختلفة لآلية معرفية واحدة تعمل تحت شروط مختلفة.
وهنا يظهر الفرق بين تسمية الظاهرة وتفسيرها. فأن نطلق اسمًا على نمط متكرر من السلوك لا يعني بالضرورة أننا اكتشفنا سببه! فالاسم يمنحنا عنوانًا لما يحدث، لكنه لا يخبرنا بالضرورة لماذا يحدث. ومن هنا يمكن أن تنشأ مفارقة معرفية مثيرة: أن يصبح نجاحنا في تسمية الظواهر عائقًا أمام البحث عن وحدتها العميقة. فكلما منحنا ظاهرة اسمًا مستقلًا، أصبحت في وعينا كيانًا مستقلًا، ثم أخذنا نبحث عن خصائصها وحدودها كما لو أن استقلال الاسم دليل على استقلال الآلية! ولكن هل هو كذلك فعلًا؟ فربما نحتاج إلى الانتقال من خريطة الأسماء إلى خريطة الآليات.
وإذا كان مفهوم فائض التمثّل قادرًا على أداء وظيفة تفسيرية، فإن الخطأ الأول الذي ينبغي تجنبه هو إدراجه في قائمة الانحيازات المعرفية باعتباره انحيازًا جديدًا يضاف إلى تأثير بارنوم وتأثير الهالة والانحياز التأكيدي وغيرها. فذلك لن يفعل سوى إضافة اسم جديد إلى المشكلة التي نحاول ترشيقها.
ففائض التمثّل، وفق التصور الذي أحاول تطويره، ليس نتيجة معرفية بعينها، وإنما قابلية بنيوية لدى الإنسان لأن يتجاوز ما يعرضه الواقع عليه تمثليًا. فالواقع يقدم معطى، ولكن الجهاز التمثلي لا يكتفي باستقباله؛ فهو يضيف إليه، وينتقي منه، ويربطه بمخزونه السابق، ويسقط عليه توقعاته، ويملأ فراغاته، ويعيد تأويله، ثم يقدم الناتج إلى الوعي كما لو كان هو الواقع ذاته!
وهذا يعني أننا قد نستطيع النظر إلى عدد من الانحيازات المعروفة لا بوصفها عمليات منفصلة تمامًا، وإنما بوصفها نواتج مختلفة لتحولات مختلفة يجريها فائض التمثّل على المعروض. ومن هنا يمكن اقتراح تصنيف أولي لهذه التحولات:
أولًا: فائض التمثّل بالإضافة
يقدم تأثير بارنوم المثال الأبسط. فعندما يتلقى الإنسان عبارة عامة، لكن العبارة لا تحتوي على التفاصيل الشخصية التي يشعر بأنه وجدها فيها. فمن أين جاءت هذه التفاصيل؟ لقد أضافها المتلقي!
فلقد استدعى خبراته، وذكرياته، ومخاوفه، وطموحاته، ثم ملأ بها الفراغات الدلالية الموجودة في العبارة. وهكذا يصبح المعروض بعد دخوله إلى الجهاز التمثلي أغنى مما كان عليه قبل دخوله إليه. فالإنسان لا يقرأ النص وحده، بل أنه يقرأ النص مضافًا إليه نفسه. وهذا ما يمكن تسميته: فائض التمثّل بالإضافة.
ثانيًا: فائض التمثّل بالانتقاء
ولكن الإنسان لا يضيف دائمًا. ففي أحيان أخرى تكون المشكلة في أنه ينتقي. وهنا يظهر ما يسمى عادة ب”الانحياز التأكيدي”. فحين يحمل الإنسان اعتقادًا سابقًا، فإنه يميل إلى ملاحظة المعلومات التي تؤيده ومنحها وزنًا أكبر، بينما يقل انتباهه إلى ما يناقضه أو يعيد تفسيره بطريقة تحافظ على اعتقاده! ويمكننا وصف ذلك بمصطلحات فائض التمثّل على النحو الآتي:
فالعالَم يقدم مجموعة واسعة من الوقائع، لكن الإنسان لا يتعامل مع المجموعة كلها بالقيمة المعرفية ذاتها. فيقوم جهازه التمثلي بعملية فرز، فيرفع بعض العناصر إلى مركز الصورة ويدفع بعضها الآخر نحو الهوامش. وهكذا لا يكون الانحياز ناتجًا بالضرورة عن اختراع واقعة غير موجودة، وإنما عن إعادة توزيع القيمة المعرفية بين الوقائع الموجودة. ففائض تمثّل هنا لا يعمل بالإضافة، وإنما بالانتقاء.
ثالثًا: فائض التمثّل بالتعميم
وثمة حالة أخرى يحدث فيها شيء مختلف. فنحن نعرف ما يسمى بتأثير الهالة، حيث يمكن لانطباع إيجابي أو سلبي عن سمة معينة في شخص أن يمتد إلى تقييم سمات أخرى لديه. فقد يبدو لنا شخص جذابًا أو لبقًا أو واثقًا بنفسه، ثم نجد أنفسنا، من دون أدلة كافية، أكثر استعدادًا لافتراض أنه ذكي أو كفء أو جدير بالثقة.
فما الذي حدث هنا؟
كانت لدينا معلومة محدودة، لكن التمثّل تجاوز حدودها. فلقد انتقلت قيمة معرفية من صفة نعرفها إلى صفات لم نتحقق منها. ويمكن تسمية ذلك: فائض التمثّل بالتعميم. فالخطأ هنا ليس في إدراك الصفة الأولى، وإنما في السماح لها بأن تتعدد تمثليًا خارج مجالها!
رابعًا: فائض التمثّل بالإسقاط
وفي حالات أخرى لا يملأ الإنسان العالم بما يعرفه عن العالم، وإنما بما يعرفه، أو يظنه، عن نفسه. ويقترب مما يسمى «تأثير الإجماع الزائف» من هذه الحالة؛ إذ قد يميل الفرد إلى المبالغة في تقدير مدى شيوع آرائه أو اختياراته أو تفضيلاته بين الآخرين. فالإنسان يبدأ من ذاته، ثم يستخدمها عينة ضمنية لتمثل الآخرين.
“أنا أرى الأمر هكذا، ولذلك لا بد أن كثيرين يرونه هكذا أيضًا”.
وهنا ينتقل المحتوى من الداخل إلى الخارج. ولا يعود الآخر متمثلًا كما هو، وإنما كما تسمح الذات بتمثله. وهذا هو: فائض التمثّل بالإسقاط.
خامسًا: فائض التمثّل بملء الفراغ
ومن أكثر خصائص العقل الإنساني إثارة أنه لا يحب الفراغ المعرفي. فحين تكون المعلومات ناقصة، لا يتوقف دائمًا عند حدود ما يعرفه، بل قد يستكمل الصورة. وهذه الخاصية ضرورية في جوانب كثيرة من الحياة؛ إذ يستحيل أن تتوافر لنا المعلومات الكاملة عن كل شيء قبل أن نتصرف. ولكن المشكلة تبدأ حين ينسى العقل الفرق بين المعلومة التي تلقاها والمعلومة التي استنتجها لإكمال الصورة. وهنا يمكن أن نفهم طيفًا واسعًا من الأحكام السريعة والانطباعات الأولى. فنحن نلتقي شخصًا لدقائق، نسمع نبرة صوته، نرى ملابسه وطريقة حديثه وبعض إيماءاته، ثم لا نكتفي بهذه البيانات المحدودة، بل نبدأ في بناء «شخص» كامل. فنضع له شخصية. وننسب إليه دوافع. ونتوقع منه سلوكًا. وقد نشعر أننا “عرفناه من أول لقاء”! ولكن كم من هذا الشخص كان موجودًا بالفعل في المعروض، وكم منه أنشأه فائض التمثّل لكي يملأ المناطق التي لم تكن لدينا عنها معلومات؟ فهذا هو: فائض التمثّل بملء الفراغ.
سادسًا: فائض التمثّل بالتثبيت
ثم نصل إلى مجموعة أخرى من الظواهر التي يمكن أن يكون فيها التمثّل الأول شديد التأثير فيما يأتي بعده. فالإنسان لا يبدأ كل حكم من الصفر. فما يدخل أولًا إلى جهازه المعرفي يمكن أن يصبح نقطة مرجعية يقيس عليها المعلومات اللاحقة. وهنا تقترب بعض صور ما يسمى «تأثير التثبيت» أو Anchoring من مفهوم فائض التمثّل. فالرقم الأول، أو التقدير الأول، أو الانطباع الأول، لا يبقى مجرد معلومة بين المعلومات، بل يتحول إلى مركز جذب تمثلي تعاد نسبة المعلومات التالية إليه. وهكذا لا يعود السؤال: “ما قيمة الشيء؟”، بل يصبح، من دون أن نشعر: “ما قيمة الشيء مقارنة بما تم تثبيته في ذهني أولًا؟”. وهذا يمكن تسميته: فائض التمثّل بالتثبيت.
سابعًا: فائض التمثّل بالتأطير
ويمكن أن نجد صورة أخرى في “تأثير التأطير”. فالمعلومة نفسها قد تؤدي إلى استجابات مختلفة تبعًا للكيفية التي صيغت بها: هل قُدمت بوصفها مكسبًا أم خسارة؟ نجاحًا أم فشلًا؟ نجاة أم وفاة؟ وهنا تكشف الظاهرة شيئًا بالغ الدلالة المعرفية لمفهوم فائض التمثّل. فالإنسان لا يستجيب دائمًا للمعلومة وحدها، وإنما للمعلومة داخل تمثلها. أي أن المحتوى الموضوعي لا يصل إلى القرار عاريًا، وإنما يصل مرتديًا إطارًا لغويًا ودلاليًا.
وبذلك يصبح الإطار جزءًا من الواقع النفسي للمعلومة، رغم أنه ليس بالضرورة جزءًا من مضمونها الموضوعي. وهذا هو: فائض التمثّل بالتأطير.
إذا صحت هذه المقاربة، ولو جزئيًا، فإنها تسمح لنا بإعادة رسم الخريطة.فبدل عشرات الأسماء المتجاورة، يمكن أن نبدأ من عدد أصغر من العمليات: الإضافة، الانتقاء، التعميم، الإسقاط، ملء الفراغ، التثبيت، التأطير. ولا ينبغي التعامل مع هذه القائمة باعتبارها نهائية؛ فهي مجرد اقتراح أولي لخريطة يمكن تعديلها بالحذف والإضافة والدمج كلما تبين أن عمليتين ظنناهما مختلفتين هما في الحقيقة عملية واحدة، أو أن عملية ظنناها واحدة تتكون من آليات متعددة. ولكن القيمة المنهجية لهذه المحاولة تكمن في تغيير اتجاه السؤال.
فبدل أن نقول: “لقد اكتشفنا تأثيرًا جديدًا، فما الاسم الذي سنطلقه عليه؟”، يمكن أن نسأل أولًا: “هل هذه بالفعل آلية معرفية جديدة، أم أنها مظهر جديد لآلية نعرفها؟”. والفارق بين السؤالين كبير.
ولكن ينبغي هنا وضع قيد منهجي ضروري. فليس من الصواب أن يتحول فائض التمثّل نفسه إلى قالب نُدخل فيه كل شيء؛ وإلا وقعنا في المفارقة ذاتها التي يحذر منها المفهوم: أن نمتلك تمثلًا مسبقًا ثم نجبر الواقع على مطابقته! فإذا كشفت التجارب أن تأثيرًا معينًا يعتمد على آلية عصبية أو إدراكية أو اجتماعية مستقلة، فلا ينبغي اختزاله قسرًا في فائض التمثّل. بل أن الاختبار الحقيقي لقيمة المفهوم يكمن في قابليته للفشل. فينبغي أن يكون ممكنًا أن نقول عن ظاهرة معينة: هذه ليست من فائض التمثّل. فالمفهوم الذي يفسر كل شيء من دون شروط ينتهي، في الحقيقة، إلى عدم تفسير شيء! ولذلك فإن المشروع المقترح ليس مشروع اختزال قسري، وإنما مشروع إعادة تصنيف.
ويمكن القول إن كثيرًا من تصنيفات الانحيازات المعرفية تعمل أفقيًا: فظاهرة هنا، وأخرى بجوارها، وثالثة بجوار الثانية. أما ما أقترحه فهو إضافة مستوى عمودي إلى التصنيف. ففي الأعلى توجد الظواهر المرصودة: بارنوم، الهالة، الإجماع الزائف، التأطير، التثبيت، الانحياز التأكيدي وغيرها. وتحتها توجد العمليات التي قد تولدها: الإضافة، الانتقاء، التعميم، الإسقاط، ملء الفراغ، التثبيت، التأطير. ثم يمكن أن نطرح السؤال الأعمق: ما الذي يجمع هذه العمليات نفسها؟ وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه المستوى الأعلى في النموذج: قابلية الجهاز المعرفي البشري لأن يجعل تمثل الشيء أكبر من معروض الشيء. وقد يكون هذا «الأكبر» إضافة كمية، أو انتقاءً، أو علاقة مستحدثة، أو إسقاطًا، أو تأويلًا، أو وزنًا معرفيًا زائدًا. فالفائض لا يعني دائمًا إضافة معلومات جديدة؛ بل يعني أن الناتج التمثلي النهائي تجاوز ما يبرره المعروض وحده.
وربما يمكن اختصار المشروع كله في سؤال تجريبي شديد البساطة: إذا حذفنا من الحكم الإنساني كل ما أضافه المتلقي أو انتقاه أو أسقطه أو عممه أو استكمله أو أعاد تأطيره، فهل يبقى «التأثير» قائمًا بالصورة نفسها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فقد نكون أمام آلية مستقلة عن فائض التمثّل، أما إذا انهار التأثير أو انخفض بصورة جوهرية، فربما نكون أمام أحد وجوهه.
وهكذا يتحول فائض التمثّل من فكرة فلسفية عامة إلى فرضية يمكن، من حيث المبدأ، إخضاعها للمقارنة والاختبار.
إن تاريخ المعرفة لا يتقدم دائمًا بتعدد المفاهيم. فثمة تقدم يحدث بالإضافة، وثمة تقدم آخر يحدث بالاختزال والتنظيم. وقد يكون علم السلوك الإنساني بحاجة إلى النوع الثاني بقدر حاجته إلى الأول. فليس المطلوب أن نتوقف عن اكتشاف الانحيازات، ولا أن نمحو الأسماء التاريخية التي ساعدتنا على التعرف إليها، وإنما أن نتوقف عن افتراض أن لكل اسم جوهرًا نفسيًا مستقلًا لمجرد أنه يحمل اسمًا مستقلًا! فالأسماء كثيرة، ولكن الآليات التي تنتج ما تشير إليه تلك الأسماء قد تكون أقل عددًا بكثير.
ومن هنا يمكن لمفهوم فائض التمثّل أن يقدم مساهمته الأساسية: ليس بإضافة «تأثير فائض التمثّل» إلى موسوعة التأثيرات النفسية، وإنما بمحاولة إعادة ترتيب الموسوعة نفسها. فقد يتبين عندئذ أن تأثير بارنوم ليس جارًا لتأثير الهالة والانحياز التأكيدي والإجماع الزائف والتأطير والتثبيت فحسب، بل أن بين عدد من هذه الظواهر قرابة معرفية عميقة حجبتها عنا كثرة الأسماء. وعندها يمكن أن ننتقل من علم يسأل: كم تأثيرًا معرفيًا لدى الإنسان؟ إلى سؤال ربما يكون أكثر خصوبة: كم آلية أساسية يحتاج العقل البشري لكي ينتج كل هذه التأثيرات؟
وقد يقودنا هذا السؤال في النهاية إلى مفارقة أشد إثارة: أن تكون الفوضى الهائلة التي نراها في انحيازات الإنسان ناتجة، لا عن عشرات العيوب المعرفية المستقلة، وإنما عن عدد قليل من الخصائص البنيوية التي اكتسبها جهازه التمثلي؛ وأن يكون فائض التمثّل واحدًا من أهم المفاتيح الممكنة لفهم هذه الوحدة الكامنة خلف ذلك التعدد. وعندئذ لا نكون قد أضفنا اسمًا جديدًا إلى قائمة طويلة من الأسماء، بل نكون قد بدأنا، في تقليل عدد الأسماء التي نحتاج إليها لكي نفهم الإنسان.

أضف تعليق