
ثمة ظاهرة لافتة في علوم النفس والسلوك الإنساني المعاصرة تستحق، في تقديري، شيئًا من إعادة النظر؛ لا لأنها تتعلق بصحة ما توصلت إليه هذه العلوم من ملاحظات، وإنما بالكيفية التي نقوم بها بتسمية هذه الملاحظات وتصنيفها وتخزينها معرفيًا. فمن يتابع الأدبيات النفسية والسلوكية يجد نفسه أمام عدد متزايد من «التأثيرات» و«الانحيازات» و«الأوهام» و«المفارقات» التي يحمل كل واحد منها اسمًا خاصًا: تأثير بارنوم، وتأثير الهالة، وتأثير التأطير، وتأثير التوافر، وتأثير الإجماع الزائف، وتأثير الثقة الزائدة، وغيرها كثير. وليس في تعدد الأسماء، في ذاته، مشكلة. فالعلم يحتاج إلى المصطلحات لكي يميز الظواهر بعضها من بعض، وقد تكشف الفروق التجريبية الدقيقة بين ظاهرتين عما يجعل الفصل الاصطلاحي بينهما ضروريًا. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التمييز الاصطلاحي المفيد إلى تجزئة معرفية تجعلنا نرى عشرات الظواهر المستقلة حيث قد تكون هناك، في مستوى أعمق، آلية أو مجموعة صغيرة من الآليات المشتركة.
وهنا ربما نكون بحاجة إلى شيء من “الترشيق المعرفي”. والمقصود بالترشيق المعرفي هو ليس إلغاء المصطلحات، ولا دمج ظواهر ثبت تجريبيًا اختلافها قسرًا في ظاهرة واحدة، وإنما البحث عما يقع خلف الأسماء: هل نحن حقًا أمام هذا العدد الهائل من العمليات النفسية المستقلة؟ أم أن بعض ما نمنحه أسماء منفصلة ليس سوى تجليات مختلفة لبنية معرفية أعمق واحدة؟
فالعلم لا يتقدم دائمًا بإضافة أسماء جديدة إلى قاموسه؛ ففي بعض الأحيان يتقدم عندما يكتشف أن أشياء كثيرة كان يسميها بأسماء مختلفة يمكن فهمها من خلال مبدأ أكثر عمومية. ومن هنا يمكن اقتراح إعادة قراءة عدد من هذه التأثيرات في ضوء ما أسميه فائض التمثّل. ففائض التمثّل، وفق التصور الذي أحاول تطويره، لا يعني أن الإنسان يستقبل الواقع ثم يحتفظ بصورة محايدة عنه في ذهنه، وإنما يعني أن العلاقة بين الإنسان والعالم تمر عبر “منظومة تمثلية” لا تكتفي بنقل الواقع، بل تضيف إليه وتنتقي منه وتؤول معطياته وتربط بعضها ببعض وتملأ فراغاته وتمنح الأشياء دلالات قد لا تكون كامنة فيها بالضرورة. فالإنسان، بعبارة أخرى، لا يتعامل دائمًا مع الشيء كما هو، وإنما مع الشيء كما يتمثَّله. ومن هذه المسافة الصغيرة ظاهريًا بين الواقع وتمثله يمكن أن تولد مساحة هائلة من الظواهر التي اعتدنا توزيعها على أسماء ومصطلحات متعددة.
ولعل تأثير بارنوم Barnum Effect يقدم لنا مثالًا شديد الوضوح على ذلك. فتأثير بارنوم، يشير في صورته المعروفة، إلى ميل الإنسان إلى قبول أوصاف عامة وفضفاضة للشخصية بوصفها أوصافًا دقيقة ومميزة له شخصيًا، مع أنها قد تنطبق بالسهولة نفسها على عدد كبير من الناس!
فإذا قيل لشخص، مثلًا: “أنت تحتاج إلى تقدير الآخرين، ولكنك في الوقت نفسه تحب أن تحتفظ باستقلالك”. أو: “تبدو أحيانًا واثقًا بنفسك، لكنك تمر في أوقات أخرى بفترات تشك فيها بقدراتك”. أو: “لديك إمكانات لم تستثمرها كلها بعد”. فقد يشعر المتلقي بأن المتحدث قد التقط شيئًا دقيقًا وعميقًا من شخصيته، مع أن هذه العبارات صيغت أصلًا بدرجة من العمومية تسمح لعدد هائل من البشر بأن يجدوا أنفسهم فيها!
ولكن السؤال الأكثر إثارة هو ليس: لماذا نصدق العبارة العامة؟ وإنما: من الذي جعل العبارة العامة شخصية؟ فالعبارة، في ذاتها، لم تكن تعرف الشخص الذي يقرؤها. وهي لم تتضمن بالضرورة المعلومات الكافية لكي تكون وصفًا فرديًا له. ومع ذلك، فإنها عندما تدخل إلى وعي المتلقي، تحدث عملية معرفية بالغة الدلالة؛ إذ يبدأ بإمدادها بما ينقصها. فيستدعي من ذاكرته مواقف تؤيدها، ويتغاضى عن مواقف تناقضها، ويمنح كلماتها العامة معاني مستمدة من تاريخه الشخصي، ويربط الجملة المجردة بتجارب لم تكن موجودة في الجملة أصلًا، ثم، بعد أن ينجز وعيه معظم هذا العمل، يعود لينسب دقة النتيجة إلى العبارة نفسها!
وهنا يمكننا أن نرى تأثير بارنوم من زاوية مختلفة تمامًا. فالذي حدث ليس مجرد أن «الإنسان يصدق الأوصاف العامة»، وإنما فائض التمثّل قد أخذ مادة دلالية ناقصة، ثم أكملها من مخزونه الخاص، وبعد ذلك أخفى عن صاحبه مقدار مشاركته في صناعة المعنى النهائي.
وبهذا المعنى، قد يكون تأثير بارنوم أقل غرابة مما يبدو. فالإنسان لم يجد نفسه كاملة داخل العبارة؛ بل ربما يكون قد أدخل نفسه إليها! وهذا الفارق ذو قيمة دلالية بالغة. فعندما يقول شخص مواظب على قارئ الأبراج، مثلًا، إن الوصف الذي قرأه «ينطبق عليّ بصورة مذهلة»، فقد يكون جزء من ذلك التطابق ناتجًا ليس عما تحتويه الكلمات، وإنما عما أضافه المتلقي إليها من ذاكرته وتوقعاته وانتقائه وتأويله! فالنص يقدم الهيكل، وفائض التمثّل يكسوه بالتفاصيل. والنص يقدم المساحات الفارغة، والوعي يملؤها، ثم ينظر الإنسان إلى الصورة المكتملة ويندهش من دقة النص!
ويمكن تقريب المسألة بمثال بسيط. تخيل بقعة حبر غامضة يرى فيها شخص وجهًا، ويرى فيها آخر حيوانًا، ويرى ثالث مشهدًا من طفولته. فسيكون من الخطأ أن ننسب كل هذه التفاصيل إلى بقعة الحبر نفسها؛ فجزء أساسي منها جاء من المنظومة التمثلية التي تتعامل معها.
وتأثير بارنوم، وفق هذه القراءة، يقوم على عملية شبيهة، ولكن المادة هنا لغوية وليست بصرية. فالعبارة العامة تمتلك من المرونة الدلالية ما يسمح لفائض التمثّل بأن يعمل عليها، فيختار من التجربة الشخصية ما يلائمها، ويستبعد ما لا يلائمها، ثم ينتج في النهاية إحساسًا بأن العبارة كانت دقيقة منذ البداية. وهنا تبدأ القيمة الدلالية لهذا المثال للقضية الأوسع.
فإذا أمكن تفسير جانب مهم من تأثير بارنوم من خلال هذه الآلية، فربما ينبغي لنا أن نعود إلى عدد آخر من «التأثيرات المسماة» ونسأل السؤال ذاته: كم واحدًا منها يمثل ظاهرة مستقلة فعلًا، وكم واحدًا منها يمثل وجهًا مختلفًا لعمل فائض التمثّل؟ وليس المقصود أن الإجابة ينبغي أن تكون دائمًا في صالح فائض التمثّل. فقد تكشف التجربة أن بعض هذه التأثيرات يعتمد على آليات إدراكية أو ذاكرية أو اجتماعية متميزة لا يصح اختزالها في إطار واحد. وهذا تحديدًا ما ينبغي أن يحسمه البحث.
ولكن مجرد طرح السؤال يمكن أن يحمينا من مشكلة منهجية مهمة: أن تتحول كثرة الأسماء إلى وهم بكثرة الأسباب! فقد يكون لدينا عشرون اسمًا، ولكن ليس بالضرورة عشرون آلية. وهذا أمر عرفه العلم في مجالات أخرى. فالتقدم النظري لا يحدث فقط عندما نكتشف ظواهر جديدة، وإنما يحدث أيضًا عندما نكتشف الوحدة الكامنة خلف ظواهر بدت متفرقة. وكلما استطاعت نظرية أن تفسر عددًا أكبر من الوقائع بعدد أقل من الافتراضات، من دون التضحية بالفروق التي تثبتها الأدلة، ازدادت قدرتها على تنظيم المعرفة.
ومن هنا تأتي دعوتي إلى “ترشيق معرفي” في التعامل مع بعض ظواهر السلوك الإنساني. فبدل أن نبقى نضيف اسمًا إلى اسم، وتأثيرًا إلى تأثير، وانحيازًا إلى انحياز، يمكن أن نسأل أولًا عن “العائلة المعرفية” التي تنتمي إليها هذه الظواهر. وقد يتبين عندئذ أن بعض الحدود التي رسمتها المصطلحات هي أكثر صلابة من الحدود الموجودة في الظواهر نفسها. وعندئذ لن يعود فائض التمثّل «تأثيرًا» جديدًا نضيفه إلى القائمة؛ فهذا سيكون، للمفارقة، تكرارًا للمشكلة التي نحاول تجاوزها، بل ينبغي النظر إليه، إن أثبت قدرته التفسيرية، بوصفه إطارًا مولّدًا للتأثيرات: بنية معرفية عامة يمكن أن تظهر نتائجها تحت شروط مختلفة وبأشكال مختلفة، فنمنح كل شكل منها اسمًا مستقلًا، بينما يظل الأصل الذي ولّدها واحدًا أو متقاربًا.
وهذا يفتح بابًا بحثيًا أوسع. فبدل السؤال التقليدي: ما تعريف تأثير بارنوم؟ يمكن أن نسأل: ما العمليات التمثلية التي تجعل تأثير بارنوم ممكنًا أصلًا؟ وبدل أن نسأل: كيف يختلف تأثير بارنوم عن تأثير آخر؟ فحسب، يمكن أن نسأل: ما المقدار المشترك بينهما، وفي أي نقطة تحديدًا يفترقان؟ إنها نقلة من تصنيف المظاهر إلى البحث عن البنية المولّدة لها.
وربما تكمن هنا واحدة من الفوائد الأساسية التي يمكن لمفهوم فائض التمثّل أن يقدمها لدراسة الإنسان، وذلك بألا يضيف مصطلحًا جديدًا إلى الفوضى الاصطلاحية، وإنما يحاول تقليلها، وألا يمنحنا اسمًا آخر نحفظه، وإنما أداة نعيد بها النظر في الأسماء التي حفظناها بالفعل.
وتأثير بارنوم ليس سوى مثال أولي جيد لهذه المحاولة. فخلف ذلك الإنسان الذي يقرأ وصفًا عامًا ثم يقول مندهشًا: «هذا أنا تمامًا»، قد تكون هناك آلية أعمق من مجرد قابلية للتصديق. فقد يكون أمامنا الإنسان في واحدة من أكثر حالاته المعرفية دلالة؛ إنسان يضيف إلى المعروض أكثر مما يحتويه المعروض، ثم ينسى ما أضافه، فيحسب أن ما وجده في نفسه كان موجودًا في الشيء منذ البداية! وهذه، في جوهرها، واحدة من أكثر الصيغ اختصارًا لما أحاول التعبير عنه بمفهوم فائض التمثّل.
