
ثمة وهم معرفي بالغ الرسوخ ربما كان هو نفسه واحدًا من نتائج الظاهرة التي نحاول فهمها: أن نعتقد أن الافتراضات المسبقة مشكلة يعاني منها بعض الناس، وأن ثمة، في الجهة المقابلة، أناسًا آخرين يستطيعون النظر إلى العالم كما هو، متحررين من الأحكام السابقة والقوالب الجاهزة والتوقعات المسبقة. فنحن نتحدث عن «الشخص المتحيز»، و«العقل المنغلق»، و«صاحب الأحكام المسبقة»، كما لو أننا نصف حالات خاصة خرجت عن الحالة الإنسانية الطبيعية؛ وكأن الأصل في الإنسان أن يستقبل الوقائع أولًا ثم يصدر أحكامه عليها لاحقًا، بينما يحدث الانحراف عند فئة محدودة فحسب حين تعكس هذه العملية، فتضع الحكم قبل الواقعة، والتفسير قبل الملاحظة، والنتيجة قبل البرهان.
ولكن ماذا لو كان الأمر على العكس تمامًا؟ ماذا لو لم تكن الافتراضات المسبقة عارضًا سيكولوجيًا يصيب بعض البشر، وإنما كانت واحدة من الخصائص البنيوية الملازمة للطريقة التي يعمل بها العقل الإنساني نفسه؟
هنا، في تقديري، يصبح مفهوم فائض التمثّل قادرًا على نقل المسألة من مستوى التشخيص النفسي الجزئي إلى مستوى أوسع بكثير. فالإنسان لا يتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الوقائع الخام التي تنتظر منه أن يكتشف معناها، وإنما يتعامل معه من خلال منظومة هائلة من التمثّلات السابقة: أسماء، وتصنيفات، ومعتقدات، وذكريات، وتوقعات، ومخاوف، ورغبات، ونماذج تفسيرية، وصور نمطية، وموروثات ثقافية، وتجارب شخصية. وهذه جميعًا لا تقف خارج عملية الإدراك منتظرة انتهاءها، بل تدخل فيها منذ اللحظة الأولى. ولهذا فإن الإنسان لا يرى الشيء ثم يفكر فيه دائمًا؛ بل كثيرًا ما يفكر في الشيء قبل أن يراه، ثم يراه على النحو الذي يسمح به تفكيره السابق فيه! وهنا تحديدًا تولد الافتراضات المسبقة.
فإذا صح هذا التصور، فإن السؤال ينبغي ألا يكون: لماذا يعاني بعض الناس من الافتراضات المسبقة؟ بل ربما كان السؤال الأدق: كيف يمكن لأي إنسان ألا تكون لديه افتراضات مسبقة أصلًا؟ فالوعي الإنساني لا يبدأ مع كل واقعة من الصفر. ولو اضطر إلى ذلك لما استطاع ممارسة حياته اليومية؛ فهو يحمل معه باستمرار مخزونًا ضخمًا من الخبرات والتصنيفات والتمثّلات التي يستخدمها لكي يتوقع ويفسر ويقرر. فحين نرى شخصًا للمرة الأولى، لا ننتظر حتى نجمع ملفًا معرفيًا كاملًا عنه قبل أن يتشكل لدينا انطباع أولي. وحين نسمع فكرة تخالف ما اعتدناه، لا ندخل معها دائمًا في عملية فحص محايدة تبدأ من نقطة الصفر. وحين نقرأ خبرًا، فإننا لا نستقبله في فراغ معرفي، وإنما نستقبله داخل شبكة موجودة سلفًا من التصورات عن العالم وعن الأشخاص والمؤسسات والأحداث، بل حتى الباحث الذي يدخل مختبره محملًا بمنهج صارم لا يدخل إليه بعقل فارغ. فلديه فرضيات، ونظريات، ومفاهيم، وأدبيات سابقة، وتوقعات بشأن ما قد يجده. وهذا ليس في ذاته خطأ. فالخطأ يبدأ حين ننسى أن ما نحمله معنا إلى الواقعة ليس الواقعة ذاتها.
وهنا تظهر الصلة العميقة بين الافتراض المسبق وفائض التمثّل. فإذا كان فائض التمثّل يعني، في أحد وجوهه، أن قدرة الإنسان على إنتاج الصور الذهنية والتفسيرات والاحتمالات والمعاني تتجاوز بكثير ما تقتضيه الواقعة الخارجية ذاتها، فإن الافتراض المسبق ليس إلا حالة يتقدم فيها هذا الفائض خطوة إضافية: ينتج العقل تمثّله قبل أن يمتلك من الواقع ما يكفي لإنتاجه! أي أننا لا نملأ الفراغ المعرفي بعد ظهور الواقعة فحسب، وإنما نستبق الواقعة نفسها أحيانًا بتمثّل جاهز. ومن هنا جاءت تلك الظاهرة البشرية المدهشة المتمثلة في أننا كثيرًا ما نعرف، أو نظن أننا نعرف، ما الذي سنراه قبل أن نراه! فندخل إلى اللقاء ونحن نعتقد أننا نعرف الشخص، ونقرأ الكتاب ونحن نعتقد أننا نعرف ما يريد مؤلفه قوله، ونستمع إلى الخصم ونحن نتهيأ مسبقًا للعثور على الخطأ في كلامه، ونستمع إلى من نثق به ونحن أكثر استعدادًا للعثور على الصواب فيه! وقد يحدث بعد ذلك شيء أكثر خطورة؛ إذ لا تعود الوقائع هي التي تصنع الافتراض، وإنما يصبح الافتراض هو الذي ينتقي الوقائع! فنلاحظ ما يؤيده، ونمر سريعًا على ما يناقضه، ونتذكر ما ينسجم معه، وننسى ما يزعجه، ثم ننتهي إلى الاعتقاد بأن الواقع نفسه قد أثبت ما كنا نعتقده منذ البداية! وهكذا يصنع فائض التمثّل الدليل الذي يبدو، في وعينا، وكأنه جاء من الخارج.
ولهذا فإن واحدة من أولى الخطوات اللازمة لفهم الافتراضات المسبقة هي التخلص من وهم شديد الإغراء مفاده أنها مشكلة الآخرين. فالإنسان يمتلك قدرة عجيبة على اكتشاف الافتراضات المسبقة لدى خصمه، ويملك قدرة أقل كثيرًا على اكتشافها عندما تكون افتراضاته هو! فنرى تحيز الآخر لأنه يصطدم بتمثّلاتنا، بينما لا نرى تحيزنا بالوضوح نفسه لأننا ننظر إلى العالم من داخله! ولهذا فإن وصف شخص آخر بأنه «أسير افتراضاته المسبقة» قد يكون صحيحًا، ولكنه لا يثبت أن الواصف نفسه يقف خارج الظاهرة! بل ربما كان الاعتقاد بأنني متحرر من الافتراضات المسبقة واحدًا من أكثر الافتراضات المسبقة خداعًا!
فما إن نحول الظاهرة إلى «اضطراب» خاص بفئة من البشر حتى نكون قد منحنا أنفسنا موقعًا معرفيًا مريحًا خارجها! فهناك المتحيزون، وهناك نحن الذين نشخص تحيزاتهم! ولكن فائض التمثّل لا يمنح أحدًا مثل هذا الامتياز.
ولعل التاريخ يقدم لنا مختبرًا هائلًا لهذه الظاهرة. فالمجتمعات المتباعدة في المكان والزمان أنتجت صورًا نمطية وأحكامًا مسبقة عن الآخر، وعن الغريب، وعن المختلف، وعن النساء والرجال، وعن الطبقات والجماعات والثقافات والأمم.
واللافت هنا هو ليس مضمون الافتراضات؛ فالمضامين تتغير بصورة هائلة من مجتمع إلى آخر. فما يعد بديهيًا في عصر قد يبدو ساذجًا في عصر تالٍ، وما تعتبره ثقافة حقيقة لا تحتاج إلى إثبات قد تراه ثقافة أخرى وهمًا لا يحتاج إلى تفنيد. ولكن البنية نفسها تبقى. فيتغير الافتراض ويبقى الميل إلى الافتراض. ويتغير القالب ويبقى الاحتياج إلى القالب. ويتغير موضوع الحكم المسبق وتبقى آلية الحكم المسبق.
وهذا ما يجعل الظاهرة أعمق من أن تُختزل في ظرف ثقافي بعينه أو في تكوين نفسي لفرد بعينه؛ إذ انها تتعالى، من حيث بنيتها العامة، على العرق والجنس والجغرافيا والعصر، وإن اختلفت صورها وموضوعاتها وشدتها باختلاف هذه العوامل.
ومن هنا يمكن توسيع السؤال ليطال عددًا كبيرًا مما اعتدنا إدراجه تحت عناوين نفسية واجتماعية متفرقة. فالتحيز التأكيدي، والتنميط، والإسقاط، والثقة المفرطة، والاستقطاب، والتعصب للرأي، والانتقائية في استقبال الأدلة، وسوء تفسير نيات الآخرين، وغيرها، قد لا تكون جزرًا سيكولوجية منفصلة كما توحي كثرة أسمائها. فربما كانت، في جانب مهم منها، مخرجات مختلفة لبنية تمثلية واحدة. ولا يعني هذا إلغاء الفروق بينها أو الاستغناء عن المصطلحات العلمية التي تميز آلياتها. وإنما يعني أن التصنيف لا ينبغي أن يحجب احتمال وجود أصل معرفي أعمق يجمع عددًا كبيرًا منها.
وهنا يمكن لفائض التمثّل أن يؤدي وظيفة تفسيرية مختلفة: فبدل أن ننظر إلى كل ظاهرة بوصفها «خللًا» مستقلًا أصاب العقل، يمكن أن نتساءل عما إذا كانت مجموعة من هذه الظواهر هي نتائج متباينة لقدرة واحدة خرجت، في حالات معينة، عن حدود ما يقتضيه الواقع. فالقدرة على التمثّل ضرورية للإنسان، ولكن فائضها هو موطن المشكلة!
ولهذا أيضًا تبدو الدعوات الشائعة إلى «التخلص من الافتراضات المسبقة» أبسط من المشكلة التي تحاول علاجها! فكيف يتخلص الإنسان تمامًا من شيء يدخل في صميم الكيفية التي يفهم بها العالم؟ والأقرب إلى الإمكان ليس أن نطالب الإنسان بأن يصبح عقلًا بلا افتراضات، وإنما أن ندربه على التمييز بين الافتراض والواقعة، وذلك بأن يعرف أنه يقوم بـ “افتراضات مسبقة”، وأن يدرك أن النموذج الموجود في ذهنه هو نموذج وليس العالم نفسه، وأن يسمح للواقعة بأن تفاجئه، وأن يكون مستعدًا، حين تناقض الأدلة تمثّله السابق، لتعديل التمثّل بدل تعديل معنى الأدلة لكي يحافظ عليه!
وهذه نقلة بالغة الدلالة المعرفية، وذلك لأن غايتها هي ليست إنتاج إنسان «خالٍ من التحيز»، وهو نموذج قد لا يوجد أصلًا، وإنما إنتاج إنسان واعٍ بقابليته للتحيز. فالوعي بفائض التمثّل لا يلغيه، لكنه قد يحول بيننا وبين التسليم المطلق بما يعرضه علينا!
ولعل المشكلة الكبرى في الافتراضات المسبقة هي ليست أننا نمتلكها، وإنما أننا نميل إلى الاعتقاد بأن الآخرين يمتلكونها أكثر منا! ولهذا فإن الانتقال من التفسير السيكولوجي الجزئي إلى القراءة الميتابايولوجية لفائض التمثّل يغير السؤال جذريًا!
فالسؤال إذاً لن يعود: من منّا مصاب بالأحكام المسبقة؟ وإنما: كيف يدير الإنسان خاصية ذهنية تجعله عاجزًا، في حالات كثيرة، عن استقبال العالم قبل أن يكون قد كوّن عنه صورة؟ وهذا فارق جوهري. ففي السؤال الأول نحن نبحث عن “المصاب”، أما في الثاني فنبحث في الإنسان. وفي الأول نقسم البشر ضمنيًا إلى عقل سليم وعقل متحيز، أما في الثاني فنفترض أن قابلية إنتاج الافتراض السابق هي جزء من البنية المعرفية المشتركة، ثم نسأل لماذا ينجح بعض البشر، في بعض الظروف، في مراجعة افتراضاتهم أكثر من غيرهم.
وهنا نصل إلى المفارقة الأخيرة والمتمثلة في أن فائض التمثّل الذي يجعل الإنسان قادرًا على تخيل ما لم يحدث، واستباق ما قد يحدث، وبناء النماذج والنظريات والاحتمالات، هو ذاته الذي يسمح له بأن يضع العالم في ذهنه قبل أن يصل العالم إلى ذهنه!
ومن هذه القدرة ولدت أشياء كثيرة جعلت الإنسان إنسانًا. ومن فائضها ولدت كذلك أشياء كثيرة جعلت الإنسان يخطئ في فهم الإنسان والعالم. ولذلك فإن الافتراضات المسبقة ليست مجرد شوائب عارضة يمكن تنظيف العقل منها ليعود إلى صفائه الأصلي؛ فقد لا يكون هناك أصلًا ذلك العقل الإنساني الصافي الذي يستقبل الواقع بلا وسائط ولا تمثّلات!
وربما كانت البداية الأكثر واقعية لأي إصلاح معرفي هي أن نتخلى عن وهم البراءة الإدراكية، وأن نعترف بأننا جميعًا نقف داخل المرآة، لا خارجها! فالافتراض المسبق ليس مرض بعض البشر بقدر ما هو أحد الأثمان التي يدفعها الإنسان لقاء امتلاكه عقلًا يستطيع أن يتمثّل أكثر مما يرى.
