
ثمة مفارقة لغوية وسياسية في آن واحد تستحق شيئًا من التأمل؛ فنحن نستعمل عادة تعبير «تطبيع العلاقات» عندما نتحدث عن دولتين كانتا في حالة عداء أو قطيعة، ثم قررتا إعادة علاقتهما إلى صورتها الطبيعية. ولكن ماذا لو احتاجت دولتان، أو قوتان سياسيتان، إلى تطبيع علاقتهما لا لأنهما عدوتان، وإنما لأنهما حليفتان أكثر مما ينبغي؟!
لعل هذا هو السؤال الذي ينبغي لأوروبا أن تطرحه اليوم على نفسها بشأن علاقتها بالولايات المتحدة. فالمقصود بتطبيع العلاقة الأوروبية-الأمريكية هنا هو ليس إنهاء التحالف، ولا إعلان العداء للولايات المتحدة، ولا استبدال محور جيوسياسي بمحور جيوسياسي آخر، بل المقصود، ببساطة، أن تصبح العلاقة طبيعية: علاقة بين كيانين سياسيين ذوي سيادة، لكل منهما مصالحه وحساباته وحقه في اتخاذ قراراته، يتعاونان حيث تتقاطع المصالح، ويختلفان حيث تتباعد، وذلك من غير أن يتحول الاختلاف نفسه إلى سبب للعقاب! ولقد اكتسب هذا السؤال أهمية متزايدة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية. فقد دخلت العلاقة عبر الأطلسي مرحلة جديدة من التوتر شملت التجارة والدفاع ومستقبل حلف شمال الأطلسي وقضايا السيادة الأوروبية. وفي الوقت نفسه أخذت أوروبا تعيد التفكير في مقدار اعتمادها الدفاعي والاستراتيجي على الولايات المتحدة، بينما دفعت الضغوط الأمريكية بعض الحلفاء إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلال في مجالات الدفاع والتجارة والسياسة الخارجية.
لكن الواقعة التي حدثت في 16 سبتمبر/أيلول 2026 ربما تصلح لأن تكون لحظة كاشفة لطبيعة المشكلة. فقد اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الارتقاء بالعلاقة مع كندا إلى مستوى غير مسبوق، وذلك من خلال فكرة أن تصبح كندا أول «عضو منتسب» إلى الاتحاد الأوروبي. وهي، حتى الآن، فكرة سياسية أكثر منها وضعًا قانونيًا محددًا؛ إذ لا توجد في معاهدات الاتحاد الحالية صيغة جاهزة بهذا الاسم، ولا تزال طبيعة هذا الارتباط وحقوقه والتزاماته بحاجة إلى تفاوض واتفاق بين الأطراف المعنية.
كان يمكن النظر إلى المسألة، من منظور العلاقات الدولية التقليدي، باعتبارها شأنًا يخص الاتحاد الأوروبي وكندا: كيانان سياسيان يبحثان بحرية في الشكل الذي يريدان أن تتخذه علاقتهما المستقبلية.
لكن الرئيس الأمريكي نظر إليها بطريقة مختلفة. فقد وصف فكرة انضمام كندا بهذه الصيغة إلى الاتحاد بأنها «مضحكة»، وقال إنه إذا رأى فيها «عملًا عدائيًا» فسوف يفرض رسومًا شديدة على أوروبا أو يوقف التجارة معها في مجالات متعددة! وبذلك لم يعد الخلاف متعلقًا بتعريفة جمركية أو نزاع تجاري محدد، وإنما وصل إلى سؤال أكثر جوهرية: إلى أي مدى تستطيع أوروبا أن تعيد ترتيب علاقاتها الدولية من دون أن تضطر إلى حساب رد الفعل الأمريكي على مجرد ممارستها لهذا الحق؟
وهنا تكمن قيمة هذه الواقعة. فالولايات المتحدة، بطبيعة الحال، من حقها أن ترى في أي تحالف أو اتفاق دولي ما يمس مصالحها، ومن حقها أن تعيد حساب سياساتها الاقتصادية والاستراتيجية على هذا الأساس. فهذا جزء طبيعي من السياسة الدولية. ولكن من حق أوروبا، بالقدر نفسه، أن تحدد علاقاتها بكندا أو غيرها وفق ما تراه متفقًا مع مصالحها وقواعدها ومؤسساتها.
ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في وجود خلاف أمريكي-أوروبي. فالخلاف بين الحلفاء ليس أمرًا استثنائيًا. ولكن المشكلة تبدأ عندما تصبح العلاقة غير متكافئة، وإلى الحد الذي يشعر فيه أحد الطرفين بأن عليه الحصول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على رضا الطرف الآخر قبل اتخاذ خيارات تقع في صميم سيادته.
وهنا يصبح «تطبيع العلاقة» ضرورة مفهومية قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا! فالعلاقة الطبيعية ليست العلاقة التي لا يقع فيها خلاف، وإنما هي العلاقة التي يمكن أن يقع فيها الخلاف من دون أن تتحول إلى علاقة طاعة وعقاب! وليس المطلوب من أوروبا، بناءً على ذلك، أن تصبح «ضد أمريكا». فهذا الانتقال من التبعية إلى العداء لن يكون تطبيعًا للعلاقة، بل استبدالًا لاختلال باختلال آخر.
كما أن الولايات المتحدة ليست مجرد قوة خارجية يمكن لأوروبا أن تتجاهلها. فبين الطرفين شبكة هائلة من المصالح الاقتصادية والدفاعية والتكنولوجية والسياسية، فضلًا عن تاريخ طويل من التحالف والمؤسسات المشتركة. بل إن المصالح الواقعية للطرفين ستظل، في ملفات كثيرة، تدفعهما إلى التعاون الوثيق.
ولكن التعاون شيء، وتحويل التعاون إلى افتراض دائم بأن أحد الطرفين يملك حق الاعتراض على خيارات الطرف الآخر شيء مختلف تمامًا! وربما كان هذا التمييز هو ما تحتاج أوروبا إلى استعادته! فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني الاستغناء عن الحلفاء، كما أن التحالف لا يعني التخلي عن الاستقلال الاستراتيجي. ويمكن لأوروبا أن تظل حليفًا للولايات المتحدة، وأن تتعاون معها دفاعيًا واستخباريًا واقتصاديًا، وفي الوقت نفسه تحتفظ بحقها في تطوير علاقاتها مع كندا أو غيرها وفق مصالحها، بل إن المفارقة أن علاقة كهذه ربما تكون أكثر استقرارًا على المدى الطويل من علاقة يقوم استمرارها على خوف أحد الطرفين من إغضاب الآخر.
والمشهد الكندي نفسه يقدم مثالًا مثيرًا للاهتمام. فكندا، وهي واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة جغرافيًا واقتصاديًا وتاريخيًا، أخذت تبحث عن توسيع علاقاتها الأوروبية وتقليل درجة اعتمادها على السوق الأمريكية. وقد دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تعميق التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات تشمل الدفاع والطاقة والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية. وفي خطابه أمام البرلمان الأوروبي في 17 سبتمبر، شدد على مفهوم السيادة والقدرة على بناء شراكات دولية متعددة.
وهنا يصبح السؤال الأوروبي أكبر من كندا نفسها. فالقضية ليست: هل ينبغي قبول كندا عضوًا منتسبًا أم لا؟ فهذا سؤال يتعين على الأوروبيين والكنديين الإجابة عنه وفق مصالحهم وإجراءاتهم القانونية، بل السؤال الأعمق هو: هل تستطيع أوروبا أن تقول نعم أو لا من تلقاء نفسها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فهذه هي العلاقة الطبيعية مع الولايات المتحدة. وإذا كانت أوروبا مضطرة، قبل اتخاذ قرار كهذا، إلى التساؤل عما إذا كان القرار سيُفسَّر في واشنطن بوصفه «عملًا عدائيًا» يستوجب العقوبات الاقتصادية، فإن المشكلة لم تعد في القرار الكندي، وإنما في تعريف العلاقة عبر الأطلسي نفسها!
فلقد اعتادت أوروبا طوال عقود أن تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الذي وفر جزءًا أساسيًا من مظلتها الأمنية بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يمكن إنكار القيمة التاريخية لذلك. ولكن الاعتراف بالدَّين التاريخي شيء، وتحويله إلى بنية سياسية دائمة تحد من قدرة أجيال لاحقة على ممارسة استقلالها شيء آخر. فالدول، مثل الأفراد، لا تستطيع أن تجعل الامتنان بديلًا عن السيادة.
ولذلك فإن «تطبيع» العلاقة الأوروبية-الأمريكية لا ينبغي أن يكون مشروع انفصال، بل مشروع إعادة تعريف. فأمريكا حليف، ولكنها ليست وصيًا. وأوروبا شريك، وليست تابعًا. والمصلحة المشتركة أساس للتعاون، وليست تفويضًا دائمًا لأحد الطرفين في تقرير ما يجوز للطرف الآخر فعله. وبهذا المعنى تحديدًا يمكن فهم اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة، وليست أزمة فحسب. فما يحدث قد يدفع أوروبا إلى إعادة اكتشاف معنى السيادة في عالم لم يعد يسمح بالاعتماد المطلق على حليف واحد، مهما كان قويًا ومهما كان تاريخ العلاقة معه عميقًا.
وقد تكون المفارقة أن أفضل ما تستطيع أوروبا فعله للحفاظ على علاقتها الطويلة بالولايات المتحدة هو ليس المزيد من التبعية لها، ولا الانقلاب عليها، وإنما إخراج هذه العلاقة أخيرًا من ثنائية القيادة والتبعية إلى صيغة أكثر بساطة ونضجًا تقوم على أساس من الشراكة. فالشريك يستطيع أن يقول نعم، ويستطيع أن يقول لا. ويستطيع أن يتفق، ويستطيع أن يختلف. ويستطيع أن يتحالف معك من دون أن يستأذنك في كل علاقاته مع الآخرين. وربما كان هذا، في نهاية المطاف، هو المعنى الحقيقي لتطبيع العلاقة بين أوروبا وأمريكا: ألا تصبح أمريكا عدوًا لأوروبا، وألا تبقى أوروبا تابعة لأمريكا، وإنما أن تصبح كل منهما بالنسبة إلى الأخرى ما كان ينبغي لها أن تكونه منذ زمن طويل: حليفًا حين تتفق المصالح، ومختلفًا حين تختلف، وشريكًا ذا سيادة في الحالتين.
