
حين نفكر في الشروط الأولى اللازمة لقيام مجتمع بشري، فإن أذهاننا تذهب، في الغالب، إلى ما يبدو بديهيًا: الغذاء، والمأوى، والأمن، وتقسيم العمل، والقيادة، والقواعد التي تنظم العلاقات بين الأفراد. وهذه جميعًا مرتكزات لا يمكن إنكار ضرورتها لاستمرار أي جماعة بشرية.
ولكن ثمة مرتكزًا آخر يبدو أنه يسبق كثيرًا من هذه المرتكزات من الناحية الرمزية والنفسية، أو يتشكل بالتزامن معها على الأقل، حتى ليكاد يكون من الشروط الخفية التي تجعل الجماعة تدرك نفسها بوصفها «جماعة» أصلًا. وهو تحديد مَن نحن، ومَن هم. فالإنسان، حين يؤسس جماعة، لا يحتاج فقط إلى معرفة مَن ينتمي إليها، وإنما يحتاج، في كثير من الحالات، إلى رسم حدود تفصل المنتمي عن غير المنتمي. وبمجرد ظهور هذا الحد الفاصل، تولد واحدة من أقدم الثنائيات التي رافقت التاريخ الإنساني كله: نحن/هم.
وليست «هم» هنا مرادفًا ضروريًا لـ«العدو». فقد يكون الآخر جارًا، أو غريبًا، أو منافسًا، أو مجرد شخص لا ينتمي إلى جماعتنا. لكن اللافت في التاريخ البشري هو سهولة انتقال هذه الـ «هم» من مجرد توصيف هوياتي إلى تصنيف يحمل إمكان العداوة؛ وكأن تحديد الخارج يهيئ الأرضية النفسية والاجتماعية لتحديد مَن يمكن أن يصبح خصمًا، ومتى، ولماذا، وكيف ينبغي التعامل معه.
ومن هنا يمكن اقتراح فرضية سوسيولوجية جديرة بالتأمل: ربما لم يكن تحديد العدو نتيجة من نتائج اكتمال الجماعة البشرية بقدر ما كان، في حالات كثيرة، واحدًا من الشروط التي أسهمت في اكتمال شعورها بذاتها.
ولكي تنشأ أية جماعة، لا يكفي أن تجمع عددًا من الأفراد في مكان واحد. فلا بد من وجود شيء يجعل هؤلاء الأفراد قادرين على استخدام ضمير الجمع: نحن”. ولكن «نحن» كلمة غريبة. فهي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تعريف للذات، بينما تحتوي ضمنًا على تعريف للآخر؛ لأن قولنا «نحن» يفترض وجود مَن لا يشملهم هذا الضمير. فنحن أفراد هذه القبيلة، أي أن ثمة مَن ليسوا منها. ونحن أبناء هذه المدينة، أي أن ثمة غرباء عنها. ونحن أتباع هذه العقيدة، أي أن ثمة مَن لا يؤمنون بها. ونحن أعضاء هذه الجماعة، أي أن ثمة مَن يقفون خارج حدودها. وهكذا لا يكون بناء الهوية الجمعية عملية إيجابية خالصة نحدد فيها الصفات التي تجمعنا فحسب، وإنما يكون، في كثير من الأحيان، عملية مزدوجة: تحديد الداخل عن طريق تحديد الخارج أيضًا.
وهنا تكمن المفارقة. فقد نتصور أن الجماعة تتكون أولًا، ثم تنظر حولها بعد ذلك فتكتشف الجماعات الأخرى، لكن التاريخ الاجتماعي يوحي مرارًا بأن العمليتين أكثر تداخلًا من ذلك بكثير. فنحن نكتشف مَن «نحن» أحيانًا من خلال اكتشاف مَن “لسنا نحن”. وبذلك يصبح الآخر جزءًا من عملية تعريف الذات نفسها.
غير أن أخطر خطوة لا تتمثل في تقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»، وإنما في الخطوة التالية: متى تتحول «هم» إلى «العدو»؟ وهنا يبدأ أحد أكثر المسارات تكرارًا في التاريخ الإنساني. فبمجرد تحديد جماعة خارجية يمكن أن تشكل خطرًا حقيقيًا أو متخيَّلًا، تبدأ الجماعة الداخلية بإعادة ترتيب نفسها على ضوء وجودها. ويصبح بالإمكان تعريف الولاء والخيانة، والشجاعة والجبن، والصديق والمتعاون والمتواطئ، والمسموح والممنوع، بل وحتى تحديد مقدار العنف الذي يمكن تبريره تجاه الخارج.
أي أن تحديد العدو لا يحدد فقط مَن سنقاتل، وإنما يسهم كذلك في تحديد كيف سنعيش نحن مع بعضنا بعضًا.
فالعدو يرسم الحدود الخارجية للجماعة، لكنه قد يعيد، في الوقت نفسه، رسم بنيتها الداخلية. ومن هنا تبدأ صياغة ما يمكن تسميته، بتوسيع معنى المصطلح، “قواعد الاشتباك”. والمقصود بها ليس القواعد العسكرية وحدها، وإنما مجموعة القواعد النفسية والأخلاقية والاجتماعية التي تحدد علاقتنا بمن وضعناهم في خانة: “هم”. وما الذي يجوز فعله بهم؟ وما الذي لا يجوز؟ ومتى يصبح استخدام القوة مشروعًا؟ ومتى يصبح التواصل معهم خيانة؟ ومتى يكون الاختلاف الداخلي مقبولًا، ومتى يعاد تفسيره باعتباره اصطفافًا مع الخارج؟ وهكذا يمكن لهوية العدو أن تتحول من معلومة عن العالم الخارجي إلى أداة لتنظيم العالم الداخلي.
لعل هذا يفسر ظاهرة شديدة التكرار في التاريخ: جماعات تمزقها الخلافات الداخلية، ثم تتراجع تلك الخلافات فجأة عندما يظهر تهديد خارجي مشترك. فالخلافات التي كانت تبدو قبل ظهور الخطر مصيرية يمكن أن تصبح ثانوية، ويعاد ترتيب الأولويات بسرعة مذهلة، ويتقدم الانتماء الجمعي إلى الواجهة. فيحدث شيء يشبه إعادة ضغط الجماعة على نفسها. فـ “أنا” و “أنت” اللذان كنا مختلفين بالأمس نصبح «نحن» اليوم، لأن شخصًا ثالثًا أصبح “هم”! وهنا تظهر الوظيفة الاجتماعية المزدوجة للعدو: فهو يهدد الجماعة من الخارج، لكنه يستطيع، في الوقت نفسه، أن يزيد تماسكها من الداخل!
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتعلم السلطات والجماعات والحركات عبر التاريخ أن وجود عدو، أو تضخيم خطر عدو موجود، أو حتى صناعة صورة عدو، يمكن أن يكون أداة فعالة لتعزيز التماسك الداخلي. لكن ينبغي التمييز هنا بين وجود خطر حقيقي وبين الحاجة النفسية أو السياسية إلى إنتاج صورة للخطر؛ لأن التاريخ يقدم أمثلة وافرة على الحالتين، ولا يجوز الخلط بينهما.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا: هل يستطيع الإنسان أن يبني هوية جمعية من دون أن يبني، في الوقت نفسه، جدارًا هوياتيًا يفصله عن الآخرين؟ نظريًا، نعم. فيمكن لجماعة أن تعرف نفسها من خلال ما تشترك فيه من قيم ومصالح وغايات من دون أن تجعل الآخرين أعداء. بل إن المجتمعات الحديثة حاولت، بدرجات متفاوتة من النجاح، أن توسع دائرة «نحن» بحيث تستوعب اختلافات دينية وإثنية وثقافية وفكرية واسعة. لكن المشكلة ليست في مجرد وجود الآخر، وإنما في سهولة تحويل الاختلاف إلى تهديد، والتهديد إلى عداوة، والعداوة إلى هوية! فالحد الفاصل بين «ليس منا» و«ضدنا» أرق بكثير مما نحب أن نتصور! وهذا ربما يكون أحد الأسباب التي تجعل الثنائية نفسها قادرة على البقاء رغم التغير الهائل الذي طرأ على أشكال المجتمعات البشرية. فتغيرت أسماء الجماعات. وتغيرت العقائد. وتغيرت الحدود. وتغيرت الدول والإمبراطوريات. وتغيرت الأسلحة. وتغيرت وسائل الاتصال. لكن البنية الأساسية ظلت قادرة على إعادة إنتاج نفسها: نحن هنا… وهم هناك!
والأكثر إثارة أن هذه الآلية لم تختفِ حين غادر الإنسان القبيلة الصغيرة وأسس المدينة والدولة والإمبراطورية، ولم تختفِ مع الحداثة والعولمة وشبكات التواصل، بل تغيرت الأشياء التي نضع حولها الحدود. فلم يعد الإنسان يحتاج إلى أرض مشتركة حتى يؤسس “نحن”. فيمكن اليوم لمجموعة من الأشخاص الذين لم يلتقِ أحدهم بالآخر قط أن يؤسسوا جماعة رقمية شديدة التماسك، ثم يبدأوا سريعًا في إنتاج قاموسهم الداخلي، ورموزهم، ومعتقداتهم، وحدود الانتماء إليهم، والأشخاص المقبولين بينهم، وأولئك الذين يمثلون “هم”. وبعد ذلك تظهر، بصورة تكاد تكون تلقائية، “قواعد الاشتباك الجديدة”: مَن نحظره؟ ومَن نهاجمه؟ ومَن نسخر منه؟ ومَن نقاطعه؟ ومَن نعد مجرد الحوار معه خروجًا عن الجماعة؟ فلقد تغيرت ساحة الاشتباك، لكن البنية القديمة ما زالت قابلة للعمل.
وهنا يصبح من الممكن الذهاب بالمسألة خطوة أخرى إلى إطار فائض التمثّل. فالإنسان لا يتعامل، في كثير من الأحيان، مع الجماعة الأخرى كما هي، وإنما يتعامل مع تمثل ذهني لها. فهو لا يحتاج إلى معرفة كل فرد من أفراد «هم» حتى يصدر حكمًا عليهم؛ بل يكفي أن تتكون صورة جمعية: هؤلاء خطرون، أولئك خونة، هؤلاء متخلفون، أولئك متآمرون، هؤلاء يريدون تدميرنا، أولئك لا يفهمون إلا القوة. وهكذا يستطيع فائض التمثّل أن يحوّل ملايين الأفراد المختلفين إلى صورة ذهنية واحدة متجانسة. وعندئذ تحدث النقلة الأخطر؛ حيث لا تعود الجماعة تتعامل مع الآخر، وإنما مع تمثّلها للآخر. وقد يصبح هذا التمثّل أشد حضورًا من الوقائع نفسها، حتى إن الفرد المنتمي إلى الجماعة الخارجية إذا تصرف بطريقة تناقض الصورة المسبقة لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الصورة؛ فقد يُعامل ببساطة بوصفه “استثناءً”. وهكذا تحمي الصورة نفسها من التفنيد.
وعند هذه النقطة ربما ينبغي إعادة النظر في مفهوم العدو ذاته. فالعدو ليس دائمًا شخصًا يقف عند الحدود حاملًا سلاحًا. فقد يكون العدو، سوسيولوجيًا، موقعًا داخل البنية الجمعية ينبغي ملؤه بشخص أو جماعة ما. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يتغير شاغل الموقع بينما يبقى الموقع نفسه قائمًا. فتنتهي عداوة فتظهر أخرى! ويسقط خصم فيحل محله خصم جديد! وتنقسم جماعة كانت متحدة ضد عدو خارجي! ثم تعيد إنتاج ثنائية «نحن/هم» داخل حدودها نفسها! وكأن الآلية لا تبحث دائمًا عن هذا العدو بعينه، وإنما عن آخرٍ يمكن أن يؤدي وظيفة العدو.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا من دراسة الحروب والصراعات وحدها: هل العدو طارئ على الجماعة البشرية، أم أن قابلية إنتاج العدو جزء من الكيفية التي تعلم بها الإنسان أن ينتج الجماعة نفسها؟
وحين ندرس نشأة التنظيم السياسي، كثيرًا ما نبدأ بأسئلة السلطة: مَن يحكم؟ وكيف توزع الموارد؟ وما القواعد؟ وكيف يعاقب مَن يخرقها؟ ولكن ربما يسبق هذه الأسئلة، منطقيًا في حالات كثيرة، سؤال أكثر بدائية: مَن نحن؟ ثم يأتي السؤال المكمل له: ومَن ليس منا؟ ومن بين أولئك الذين ليسوا منا: مَن يمكن أن يكون ضدنا؟ وعند الإجابة عن هذه الأسئلة يصبح بالإمكان رسم كثير مما يليها: الحدود، والولاءات، والمحظورات، والتحالفات، والاستعداد للدفاع، ومعايير الخيانة، وأحيانًا حتى صورة الجماعة الأخلاقية عن نفسها.
ومن هنا يمكن القول إن تاريخ المجتمعات البشرية ليس تاريخ محاولات الإنسان المتواصلة لتعريف ذاته فحسب، وإنما هو، بالقدر نفسه تقريبًا، تاريخ محاولاته المتواصلة لتعريف الآخر! وربما كانت إحدى أكثر النتائج إثارة للقلق هي أن تعريف الذات وتعريف العدو لم يكونا، عبر مساحات واسعة من التاريخ، عمليتين منفصلتين تمامًا! فكثيرًا ما احتاجت «نحن» إلى «هم» لكي تصبح حدودها أكثر وضوحًا. وكثيرًا ما احتاجت الجماعة إلى صورة الخارج لكي تعيد ترتيب الداخل. وكثيرًا ما أصبح العدو، من حيث لا ندرك، أحد العناصر التي نعرّف بها أنفسنا.
وعندئذ قد يكون السؤال الذي يستحق أن نختم به ليس: لماذا يمتلك الإنسان كل هذا العدد من الأعداء؟ بل سؤالًا أكثر جذرية وإزعاجًا: لماذا يبدو الإنسان، كلما أراد أن يرسم حدود «نحن»، شديد الميل إلى البحث عمن يضعه على الجانب الآخر من الخط؟
