
ثمة تلاقٍ معرفي لافت أخذ يتكشف أمامنا شيئًا فشيئًا كلما مضينا أبعد في تتبع ظواهر السلوك الإنساني ورددنا عددًا من مظاهرها المتفرقة إلى أصول أعمق وأكثر عمومية. وهو تلاقٍ بين ما تكشفه لنا، من جهة، علوم النفس والسلوك والاجتماع عن هشاشة الإنسان المعرفية والوجدانية والسلوكية، وبين ما سبق للقرآن، من جهة أخرى، أن استفاض في وصفه حين جعل «الإنسان» نفسه موضوعًا لعدد كبير من آياته.
ولعل اللافت هنا ليس مجرد وجود بعض الآيات التي يمكن، بشيء من التأويل، أن نجد لها ما يشبهها في معارفنا المعاصرة؛ فمثل هذه المقارنات يمكن إجراؤها بسهولة، وربما بتكلف، بين نصوص كثيرة ومعارف كثيرة. وإنما اللافت حقًا هو اتجاه الوصف القرآني للإنسان في مجموعه.
فالقرآن، حين يتحدث عن الإنسان بوصفه إنسانًا، لا يقدم في الغالب تلك الصورة الممجدة التي صنعها الإنسان عن نفسه في مراحل لاحقة من تاريخه الفكري. بل نجد أمامنا كائنًا يوصف بأنه ضعيف: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وعجول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، وقتور: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾، وكفور: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾، وجدلي إلى حد لافت: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، بل ومهيأ للطغيان حين يستشعر الاستغناء: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
ويبلغ هذا الوصف درجة أكثر تركيبًا في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾؛ فنحن هنا لسنا بإزاء وصف لفعل منفرد، وإنما أمام تصوير لنمط من الاستجابة يتمثل في اختلال في التعامل مع الشدة حين تقع، واختلال آخر في التعامل مع النعمة حين تتوافر. وإذا وضعنا هذه الآيات بعضها إلى جانب بعض، حدث شيء يستحق الانتباه، حيث تتحول الأوصاف التي اعتدنا قراءتها منفردة إلى ما يشبه خريطة للطبيعة الإنسانية.
وهنا تحديدًا يبدأ التلاقي المثير مع ما تكشفه معارفنا النفسية والسلوكية المعاصرة. فما الذي تفعله هذه العلوم، في جانب كبير منها، إن لم يكن اكتشاف الحدود التي لا يعمل العقل والسلوك البشريان خارجها بسهولة؟
لقد اكتشفنا أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو بالضرورة، وإنما يمرره عبر انحيازاته ونماذجه السابقة وتوقعاته. واكتشفنا أن ذاكرته ليست سجلًا أمينًا للماضي، وأن أحكامه ليست مستقلة دائمًا عن طريقة عرض المعلومات عليه، وأن ثقته بصحة ما يعرفه قد تتجاوز مقدار ما يعرفه بالفعل، وأنه يبحث أحيانًا عما يؤكد معتقداته أكثر مما يبحث عما يمتحنها، وأن الجماعة تستطيع التأثير في أحكامه، وأن الخوف والرغبة والمصلحة والهوية قادرة كلها جميعًا على إعادة تشكيل إدراكه للوقائع!
ومن هنا ظهرت في علم النفس والسلوك عشرات المصطلحات كالانحياز التأكيدي، والثقة الزائدة، والتفكير المدفوع بالدوافع، وتأثير الجماعة، والإسناد، وتأثير الهالة، وتأثير التأطير، ووهم السيطرة، وغيرها.
ولكن المشكلة التي أخذنا نقترب منها في مقالاتنا السابقة هي أن هذه الظواهر ربما لا ينبغي أن تُفهم دائمًا باعتبارها جزرًا نفسية منفصلة؛ إذ قد تكون مظاهر مختلفة لبنية أعمق في الإنسان، يكون فائض التمثّل أحد أهم مفاتيح قراءتها.
وهنا يصبح الرجوع إلى الوصف القرآني للإنسان مثيرًا للاهتمام من زاوية مختلفة تمامًا. فالقرآن لم يحتج إلى أن يقسم الإنسان إلى عشرات «التأثيرات» حتى يقول إن ثمة مشكلة أصيلة في الكيفية التي يتعامل بها هذا الكائن مع معرفته بنفسه والعالم. فيكفي أن نتأمل قوله الله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، لنجد اقترانًا بالغ الدلالة بين الظن والهوى؛ أي بين تمثل الإنسان للواقع وبين رغبته في أن يكون الواقع على صورة بعينها! وهذه العلاقة نفسها هي التي يحاول علم النفس المعاصر تفكيكها حين يدرس الكيفية التي تتدخل بها الرغبات والمعتقدات السابقة والهوية والمصلحة في تشكيل الأحكام. بل إن القرآن يذهب أبعد من ذلك حين ينبه إلى مشكلة معرفية شديدة العمق مفادها أن الإنسان قد لا يكتفي بالخطأ، وإنما يستطيع أن يحسب خطأه صوابًا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فكلمة «يحسبون» هنا جديرة بتأمل طويل. فالمشكلة ليست في أن الإنسان يفعل ما يعرف أنه خطأ فحسب، وإنما في قدرته على إنتاج تمثل ذهني يجعل فعله يبدو له صحيحًا. وهنا نقترب بصورة لافتة مما نحاول التعبير عنه بمفهوم فائض التمثّل: فبين الواقعة وبين موقف الإنسان منها توجد طبقة تمثلية هائلة تستطيع أن تعيد تسمية الأشياء وتأويلها وترتيبها حتى يصبح الإنسان قادرًا على العيش داخل تفسيره للواقع كما لو كان هو الواقع ذاته!
ولعل من أكثر الآيات إثارة في هذا السياق قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. فما الذي يعنيه أن «يرى» الإنسان القبيح حسنًا؟ إننا أمام تحول يقع في مستوى التمثل نفسه. فالواقعة لم تتغير، ولكن الصورة التي يتمثلها بها الوعي قد تغيرت؛ حتى أصبح الحكم الناتج عن ذلك التمثل قادرًا على قلب القيمة المدركة للشيء.
وهذا تحديدًا ما يجعل المقارنة مع علوم السلوك أكثر عمقًا من مجرد البحث عن «إعجاز علمي» في القرآن. فالمقصود ليس الادعاء بأن القرآن كتاب في علم النفس الحديث، أو أن أسماء الانحيازات المعرفية مخبأة في آياته، أو أن الدراسات التجريبية المعاصرة ليست سوى إعادة اكتشاف حرفي لما قاله القرآن العظيم. فمثل هذا الادعاء لا يخدم القرآن ولا العلم. والأكثر إثارة هنا هو شيء آخر تمامًا فحواه أنهما، على اختلاف اللغة والمنهج والغاية، يلتقيان عند موضوع واحد هو الإنسان؛ وأن الصورة التي تكشفها الأبحاث الحديثة لهذا الإنسان ليست غريبة على الصورة التي رسمها القرآن العظيم له.
وهذا التلاقي يصبح أشد وضوحًا إذا انتقلنا من الفرد إلى الجماعة. فالقرآن العظيم يحذر مرارًا من جعل الكثرة معيارًا للحقيقة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويعرض التقليد الموروث بوصفه إحدى الآليات التي تستطيع تعطيل المراجعة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
وهنا نجد أنفسنا قريبين مرة أخرى من مسائل يدرسها علم النفس الاجتماعي كالامتثال، والتفكير الجمعي، وتأثير الجماعة، والمحافظة على المعتقدات الموروثة، والدور الذي تؤديه الهوية الجمعية في تشكيل الحكم الفردي. غير أن الأهم من كل ذلك أن القرآن العظيم لا يقدم هذه الأوصاف بوصفها أمراضًا تخص مجموعة صغيرة من البشر، فهو يقول: الإنسان.﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾. ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.
وهذه النقطة بالذات تتقاطع بصورة مدهشة مع النتيجة التي أخذنا نصل إليها من طريق مختلف في دراستنا لفائض التمثّل: أن عددًا مما اعتدنا التعامل معه بوصفه اختلالات تخص «بعض الناس» ربما يكون في درجاته غير المرضية جزءًا من البنية العامة للسلوك البشري؛ وأن الاختلاف بين الأفراد قد يكون، في بعض هذه الظواهر، اختلافًا في المقدار والتجلي والقدرة على الضبط أكثر منه انقسامًا بسيطًا بين إنسان “سليم” وإنسان “مختل”. وهنا ربما نكون أمام مفارقة معرفية تستحق التوقف طويلًا. فالإنسان الحديث، بعد قرون من دراسة نفسه، أخذ يكتشف أنه أقل عقلانية مما كان يتصور، وأكثر خضوعًا للانحياز مما كان يعتقد، وأقل قدرة على رؤية الواقع مستقلًا عن تمثلاته مما كان يفترض. وكلما اتسعت علوم السلوك، ظهرت أسماء جديدة لنقاط الضعف هذه. بينما كان القرآن العظيم، قبل ذلك بقرون، يرفض أصلًا أن يبدأ من صورة الإنسان الذي يضع نفسه في مركز التمجيد، بل إن القرآن يقدم مفارقة بالغة الدلالة حين يقول: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾. فالإنسان ليس مجرد كائن يخطئ؛ إذ أنه كذلك كائن يستطيع أن ينتج “المعاذير”.
وهذه إضافة بالغة الدلالة المعرفية إلى تصور فائض التمثّل. فالفائض لا يمنح الإنسان القدرة على تفسير العالم فحسب؛ بل يمنحه أيضًا القدرة على تفسير نفسه لنفسه، وإعادة بناء دوافعه، وتبرير أفعاله، وصناعة سردية يستطيع من خلالها أن يحتفظ بصورة مقبولة عن ذاته حتى عندما تتعارض هذه الصورة مع بعض أفعاله!
ومن هنا ربما يصبح «الاعتذار للنفس» و«التبرير» و«العقلنة» و«الإسقاط» وسواها من الظواهر النفسية أقل تشتتًا إذا نظرنا إليها باعتبارها تجليات متعددة لقدرة تمثلية واحدة تجاوزت وظيفتها الأولية. ومع ذلك، ثمة أمر بالغ الدلالة ينبغي ألا يغيب عن هذه القراءة. فالقرآن العظيم لا يقول إن الإنسان محكوم بهذه الصفات حكمًا نهائيًا لا سبيل إلى تجاوزه. ولو كان الأمر كذلك لفقد الخطاب الأخلاقي القرآني معناه كله. فالإنسان نفسه الذي يوصف بالهلع يستثنى منه في الآيات التالية ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، والإنسان القابل للخسر يستثنى منه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أي إن الوصف القرآني لا يبدو تمجيدًا للطبيعة الإنسانية، لكنه ليس كذلك إدانة قدرية لها؛ بل هو بالأحرى، كشف لمواضع ضعفها مقرون بإمكان مقاومتها.
وهنا قد نجد نقطة التقاء أخرى، ولكنها هذه المرة أكثر عمقًا.
فربما كان أول شروط التحرر النسبي من سلطة فائض التمثّل هو معرفة وجوده. أن يعرف الإنسان أن ما يراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود، وأن ما يعتقده ليس بالضرورة ما تثبته الوقائع، وأن شعوره باليقين ليس دليلًا مستقلًا على صحة يقينه، وأن تفسيره لدوافع الآخرين قد يقول شيئًا عنه هو بقدر ما يقول شيئًا عنهم، وأن السردية التي يصنعها عن نفسه ليست هي نفسه بالضرورة. وبعبارة أخرى: أن يتعلم الإنسان الشك في التمثل دون أن يفقد قدرته على التمثل.
ولعل هذا هو ما يمنح التلاقي بين القرآن وعلوم السلوك المعاصرة دلالته المعرفية الحقيقية. فنحن لسنا أمام محاولة لإلباس علم النفس لباسًا قرآنيًا، ولا أمام محاولة لتحويل القرآن إلى كتاب في علم النفس التجريبي، بل نحن أمام طريقين مختلفين جذريًا التقيا عند ملاحظة واحدة شديدة الإزعاج للغرور الإنساني: الإنسان ليس الكائن الذي يتصور أنه هو!
وكلما تقدمنا في دراسة انحيازاته وأوهامه وآليات دفاعه وأخطائه الإدراكية واستجاباته الوجدانية وسلوكه الجمعي، بدا لنا أن تلك الصورة المتفائلة التي رسمها الإنسان عن عقلانيته واستقلال حكمه وسيطرته على نفسه تحتاج إلى مراجعة متواصلة.
ومن هنا يبرز سؤال ربما يستحق أن يكون موضوع المرحلة التالية من بحثنا: ماذا لو كانت كثير من الصفات التي تعاملنا معها طويلًا بوصفها «اختلالات» طارئة على الإنسان هي ليست، في مستوياتها الأساسية، طارئة عليه أصلًا؟ وماذا لو كان علينا، بدلًا من أن نسأل دائمًا: لماذا يصاب بعض البشر بهذه الاختلالات؟، أن نقلب السؤال فنقول: ما الذي يجعل بعض البشر قادرين، بدرجات متفاوتة، على مقاومة اختلالات كامنة أصلًا في البنية الإنسانية؟
عندئذ فقط قد يتغير موضع السؤال كله. فبدل أن تكون نقطة البداية هي الإنسان السوي الكامل العقلانية الذي تصيبه أحيانًا بعض الانحرافات، تصبح نقطة البداية إنسانًا ضعيفًا، عجولًا، جدليًا، قابلًا للظن والهوى والتبرير والتقليد والخداع الذاتي؛ ثم يصبح الوعي والتعلم والنقد الذاتي والتزكية وسائل للحد من سلطان هذه الاستعدادات.
وهنا يبدو التلاقي أكثر من مجرد تشابه لغوي عابر. فكلما اتسعت أمامنا خريطة فائض التمثّل وتجلياته النفسية والسلوكية والاجتماعية، وكلما أعدنا في الوقت نفسه جمع الآيات القرآنية التي اتخذت من «الإنسان» موضوعًا لها، أخذ الخطان، الآتيان من جهتين مختلفتين، يقتربان شيئًا فشيئًا. حتى يكاد السؤال في النهاية لا يعود: كيف عرف القرآن كل هذه الأشياء عن الإنسان؟
بل يصبح السؤال الأكثر إثارة معرفيًا: هل بدأنا نحن، بعد هذا الطريق الطويل في دراسة الإنسان، نقترب أخيرًا من رؤية الإنسان الذي كان القرآن يتحدث عنه؟
