وحين هبطنا إلى الأرض كان العدو حاضرًا… قراءة في التأسيس القرآني لـ “نحن” و”هم”

في مقالة سابقة عنوانها «قبل أن نؤسس “نحن” علينا أن نعرف مَن هم “هم”… العدو بوصفه أحد المرتكزات الأولى للجماعة البشرية»، حاولنا النظر إلى العدو لا بوصفه مجرد نتيجة متأخرة لنشوء الجماعات البشرية، وإنما بوصفه أحد المرتكزات المبكرة التي أسهمت في تشكيل وعي الجماعة بذاتها. فـ«نحن» لا تتحدد دائمًا بما يجمع أفرادها من صفات ومصالح ومعتقدات فحسب، وإنما كثيرًا ما تتحدد كذلك، وربما بصورة أشد وضوحًا، في مقابل «هم»: أولئك الذين يقفون خارج حدود الجماعة، أو الذين يجري تمثّلهم باعتبارهم خطرًا عليها أو خصمًا لها أو عدوًا ينبغي تحديد طبيعة العلاقة معه. ولكن ماذا لو تجاوزنا التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وعدنا إلى الرواية القرآنية للحظة التي يبدأ عندها الوجود الإنساني على الأرض؟
هنا نواجه ملاحظة لافتة تستحق التوقف طويلًا.
فالقرآن العظيم يقول: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} (البقرة: 38)، وقبلها مباشرة: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (البقرة: 36)، ويأتي التعبير نفسه في موضع آخر: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (طه: 123). فاللافت هنا ليس مجرد ورود مفهوم «العدو» في قصة آدم، وإنما موضع وروده. فالعداوة لا تظهر بعد أن يبدأ الإنسان حياته الأرضية، ولا بعد أن تزداد أعداد ذريته، ولا بعد أن تنشأ الملكية أو القبيلة أو المدينة أو الدولة، ولا بعد أن تتعارض المصالح وتتنازع الجماعات على الأرض والموارد. إنها حاضرة عند العتبة ذاتها: الهبوط إلى الأرض، “اهبطوا” ثم: “بعضكم لبعض عدو”. وكأن الإنسان، وهو يعبر العتبة من ذلك الوجود السابق إلى الوجود الأرضي، يدخل عالمًا أصبحت العداوة واحدة من حقائقه الأساسية التي ينبغي أن يكون على علم بها منذ البداية.
إذا قرأنا هذا المشهد من زاوية اجتماعية وأنثروبولوجية، مع الحرص على عدم تحميل النص ما لم يقله صراحة، أمكننا ملاحظة أمر ذي دلالة بالغة مفاده أن القرآن العظيم لا يقدم الوجود الإنساني الأرضي بوصفه فضاءً محايدًا يبدأ فيه البشر أولًا بتوفير الطعام والمأوى، ثم يكتشفون لاحقًا الاختلاف والصراع والعداوة. فالعداوة موجودة في الإعلان التأسيسي للهبوط نفسه.
وليس المقصود من ذلك أن القرآن العظيم يقرر أن الإنسان لا يستطيع الاجتماع إلا إذا اخترع له عدوًا، ولا أن صناعة الأعداء ضرورة أخلاقية أو اجتماعية ينبغي المحافظة عليها. فهذا استنتاج لا يقوله النص. وإنما المقصود شيء أدق: أن الوجود الأرضي للإنسان، كما يعرضه القرآن، لا يبدأ في عالم خالٍ من علاقة العداوة ثم تنشأ فيه هذه العلاقة عرضًا في مرحلة لاحقة، بل يبدأ والإنسان قد أُعلم سلفًا بأن العداوة أصبحت جزءًا من شروط وجوده هذا.
وهنا يصبح التقاء هذه الآية مع ما انتهينا إليه في المقالة السابقة مثيرًا للتأمل. فلقد وصلنا في تلك المقالة، ومن خلال قراءة التاريخ البشري، إلى أن الجماعة سرعان ما تحتاج إلى رسم حد يفصل «نحن» عن «هم»، وأن تحديد العدو كان، في عدد هائل من التجارب البشرية، من أقوى الوسائل التي صاغت بها الجماعة هويتها وحدودها وقواعد تعاملها مع الخارج.
أما في هذه المقالة ، فنجد أن القرآن يعيدنا إلى ما قبل التاريخ المكتوب كله، إلى المشهد الذي يسبق القبيلة والمدينة والإمبراطورية والدولة، ليضع أمام الإنسان منذ لحظة الهبوط مفهومًا سيلازمه طوال تجربته الأرضية ألا وهو “العدو”.
وربما تكمن الدلالة الأشد إثارة في التتابع نفسه. فالخطاب لا يكتفي بالأمر بالهبوط، وإنما يقرن الانتقال إلى الأرض بتحديد طبيعة علاقة ستصبح جزءًا من هذا العالم الجديد. فهي ليست معلومة جغرافية عن المكان الذي سيعيش فيه الإنسان، ولا وصفًا للموارد التي سيجدها، ولا بيانًا لشكل المأوى الذي ينبغي أن يبنيه، ولا تعليمًا لنظام اقتصادي أو سياسي ينبغي أن يقيمه، بل هي معلومة “علائقية”: “بعضكم لبعض عدو”. أي أن أول ما يبرز في المشهد ليس الأشياء التي تحيط بالإنسان، وإنما العلاقة بين أفراد الجنس البشري. ومن هنا يمكننا أن نقترح قراءة جديدة للمشهد: إن الأرض ليست في القرآن مجرد مكان هبط إليه الإنسان، وإنما ميدان علاقات أيضًا؛ والإنسان لم يدخلها فردًا معزولًا أمام الطبيعة وحدها، بل دخلها وهو محاط منذ البداية بسؤال “العلاقة بالآخر”. فـ “مَن معي؟” و”مَن في مواجهتي؟” و”مَن الذي ينبغي أن أحذر منه؟” و”أين تنتهي «نحن» وتبدأ «هم»؟” هي الأسئلة نفسها التي ستعيد الجماعات البشرية، بعد ذلك، طرحها بألف صورة وصورة عبر تاريخها الطويل!
وهنا تكتسب المسألة قيمتها بالنسبة إلى الفكرة التي طرحناها سابقًا. فنحن حين نقول إن تحديد «نحن» و«هم» من المرتكزات المبكرة لقيام الجماعة، قد يبدو الكلام للوهلة الأولى مجرد استنتاج سوسيولوجي مستمد من مراقبة القبائل والأمم والأديان والطوائف والدول. ولكن الرواية القرآنية تدفعنا إلى النظر أبعد من ذلك بكثير. ففي المشهد القرآني لا نرى دولة بعد، ولا مدينة، ولا قبيلة، ولا طبقات اجتماعية، ولا حدودًا سياسية، ولا جيوشًا، ولا أسواقًا، ومع ذلك تظهر العداوة. وهذه ملاحظة لا ينبغي المرور عليها سريعًا، وذلك لأن كثيرًا من نظرياتنا عن الصراع البشري تميل إلى تفسير العداوة بوصفها نتيجة لشيء آخر: ندرة الموارد، أو التنافس، أو الملكية، أو السلطة، أو التفاوت، أو الهوية الدينية أو القومية أو الإثنية. أما ترتيب المشهد القرآني فيفتح أمامنا إمكانية مختلفة للتأمل: ماذا لو كانت قابلية الدخول في علاقة «نحن/هم» أعمق في التجربة الإنسانية من كثير من المؤسسات التي استخدمناها لاحقًا لتفسيرها؟ وماذا لو كانت تلك المؤسسات لا تخلق هذه القابلية دائمًا، وإنما تمنحها أسماءً وحدودًا ورايات ومبررات جديدة؟
وهنا ينبغي أن نتوقف حتى لا نحول القراءة إلى تقرير لما لا يصرح به النص؛ فعبارة «بعضكم لبعض عدو» فتحت بابًا واسعًا للتفسير: هل المقصود آدم وذريته وإبليس وذريته؟ هل الخطاب يشمل أطراف المشهد جميعًا؟ وما هي حدود العداوة المقصودة؟
هذه أسئلة تفسيرية لا يصح اختزالها في جواب واحد ثم بناء النظرية كلها عليه. ولكن ما يهمنا في هذه المقالة يقع في مستوى سابق على ذلك الخلاف مفاده أن مفهوم العداوة نفسه حاضر عند بداية التجربة الأرضية. وهذا وحده كافٍ لإثارة السؤال.
فالقرآن لم يحتج إلى أن ينتظر منا آلاف السنين من التاريخ والحروب والانقسامات حتى يخبرنا أن علاقتنا بالآخر قد تتخذ صورة العداوة. فلقد وضع المفهوم أمام الإنسان عند مدخل الأرض نفسها.
وهنا يظهر فارق بالغ الدلالة المعرفية بين “الوصف” و”التكليف”. فالقول إن القرآن يضع العداوة في المشهد التأسيسي للوجود الأرضي لا يعني أنه يدعو الإنسان إلى صناعة الأعداء كي يستطيع بناء جماعته، بل أن القرآن، في مواضع أخرى، يضع قيودًا أخلاقية صارمة على كيفية التعامل حتى مع العداوة، فلا يسمح لها بأن تتحول إلى مبرر لإسقاط العدل:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 8). وهنا تتضح المفارقة. فالقرآن يعترف بوجود العدو، لكنه لا يمنح الإنسان حق تحويل العداوة إلى تعطيل للأخلاق. ويعترف بـ«هم»، لكنه لا يسمح لـ«نحن» بأن تجعل اختلافها معهم ذريعة للظلم. وبذلك يمكن التمييز بين مستويين: العداوة بوصفها حقيقة من حقائق التجربة الإنسانية الأرضية، والعدوان بوصفه اختيارًا أخلاقيًا يخضع للمساءلة. وهذا التمييز بالغ الدلالة، لأنه يمنعنا من قراءة «بعضكم لبعض عدو» بوصفها دعوة إلى الصراع، ويجعلها أقرب إلى كشف أحد الشروط الخطرة التي سيجد الإنسان نفسه في مواجهتها على الأرض.
وهكذا يمكن للمقالتين أن تلتقيا عند نقطة واحدة، ولكن من طريقين مختلفين. فالمقالة الأولى بدأت من التاريخ البشري وسألت: ما الذي تفعله الجماعات حين تريد أن تعرف نفسها؟ فوجدنا أن واحدًا من أكثر الأجوبة تكرارًا هو: تحدد الآخر. ومن تحديد الآخر كثيرًا ما تنتقل إلى تحديد الخصم، ومن تحديد الخصم إلى تحديد العدو، ثم تبني على ذلك حدود العضوية والولاء والحذر وقواعد الاشتباك. أما هذه المقالة فتبدأ من الطرف الآخر؛ من القرآن العظيم، ومن لحظة الهبوط ذاتها. وهناك نجد العبارة القرآنية المدهشة: {اهبطوا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو}. وكأن ما استغرق التاريخ البشري طويلًا في إظهاره أمامنا كان حاضرًا، في صورة مكثفة للغاية، في وصف القرآن العظيم للحظة البداية.
غير أن القرآن العظيم يضيف إلى ما تكشفه الملاحظة السوسيولوجية شيئًا حاسمًا: معرفة العدو لا تعني التحول إلى صورة منه.
فقد تعرف «نحن» مَن هم «هم»، وقد تعرف أن بينها وبينهم عداوة، ولكنها تظل مسؤولة عن العدل.
وبذلك لا تصبح المسألة مجرد سؤال: مَن هم أعداؤنا؟ بل يظهر سؤال أصعب وأعمق: ماذا تفعل «نحن» بنفسها حين تعرف مَن هم «هم»؟ هل تجعل العدو وسيلة لفهم حدودها دون أن تفقد أخلاقها؟ أم تجعل وجوده ذريعة لتبرير كل شيء؟
وهنا، ربما، يكمن الفارق بين مجرد جماعة تعرف عدوها، وجماعة تعرف عدوها وتعرف نفسها أيضًا. فالإنسان، وفق المشهد القرآني، لم يهبط إلى الأرض جاهلًا بوجود العداوة. فلقد قيل له عند العتبة: “اهبطوا بعضكم لبعض عدو”. ومنذ تلك اللحظة بدأ تاريخ طويل ستتغير فيه أسماء «نحن» و«هم» بلا انقطاع؛ ستنشأ القبائل وتسقط، وتظهر الأمم والإمبراطوريات والدول والإيديولوجيات، وسيتبدل الأصدقاء والأعداء، وسيصبح «هم» اليوم «نحن» غدًا، و«نحن» الأمس «هم» بعد قرون.
ولكن البنية ستظل تعيد إنتاج نفسها.
ولعل السؤال الذي يتركه القرآن أمامنا، بعد كل هذا التاريخ، هو ليس ما إذا كان الإنسان قادرًا على معرفة عدوه؛ فقد أثبت الإنسان أنه بارع في ذلك إلى حد مخيف، ولكن السؤال الأصعب هو: هل يستطيع الإنسان أن يعرف «هم» دون أن يفقد، في أثناء ذلك، المعنى الأخلاقي لـ«نحن»؟

أضف تعليق