حين يبلغ مبضع التحليل النفسي حدوده… القرآن ومقاربة الجذر التطوري لاختلال الوعي البشري

ثمة حقيقة قد يكون من الصعب على الإنسان المعاصر تقبّلها، لا لأنها تنتقص من قيمة ما حققته العلوم النفسية، وإنما لأنها تضع تلك الإنجازات داخل حدودها الحقيقية. فليس كل ما يعانيه الإنسان قابلًا لأن يصل إليه مبضع التحليل النفسي، وليس كل ما يصل إليه هذا المبضع قابلًا للعلاج بالأدوات التي راكمتها معارفنا السيكولوجية المعاصرة. فلقد قطع علم النفس، بمختلف مدارسه، شوطًا هائلًا في وصف السلوك الإنساني، وفهم الصدمات، والاضطرابات، وآليات الدفاع، والتعلّق، والتعلم، والذاكرة، والانفعالات، وأنماط التفكير. كما استطاعت الممارسة العلاجية أن تساعد أعدادًا هائلة من البشر على تخفيف معاناتهم وتحسين قدرتهم على التعامل مع ذواتهم والعالم المحيط بهم. ولكن الاعتراف بهذا كله لا يُلزمنا بالاعتقاد بأن مبضع التحليل السيكولوجي يستطيع أن يشق طريقه إلى ما لا نهاية داخل طبقات الوعي البشري! فكل مبضع لابد له من حد يقف عنده.
والمشكلة، وفق المقاربة التي أحاول تطويرها، تبدأ عندما نتعامل مع الحد الذي بلغته معارفنا النفسية كما لو كان هو قاع النفس البشرية نفسها، بينما قد لا يكون في الحقيقة إلا الحد الأقصى الذي تستطيع أدواتنا النظرية الراهنة الوصول إليه! فماذا لو كانت وراء الطبقات التي نحللها اليوم طبقة أعمق بكثير؟ وماذا لو كانت بعض الاختلالات التي نحاول علاجها ليست مجرد اضطرابات طرأت على وعي بشري سليم في الأصل، وإنما مظاهر متأخرة لاختلال أقدم وقع في بنية الوعي الإنساني ذاتها؟
هنا تحديدًا تبرز أهمية ما أسميه الانعطافة التطورية الأولى. فالفرضية التي أقترحها لا تنظر إلى الإنسان المعاصر باعتباره كائنًا يحمل وعيًا طبيعيًا مكتمل البنية تصيبه، من حين إلى آخر، بعض الاعتلالات النفسية التي ينبغي تشخيصها ثم علاجها، بل تقترح سؤالًا أكثر جذرية: ماذا لو كان الوعي الإنساني نفسه قد خرج من إحدى انعطافاته التطورية الكبرى حاملًا في بنيته اختلالًا أصبح، بسبب عموميته، يبدو لنا طبيعيًا؟ وعندئذ يتغير السؤال من: ما الذي أصاب هذا الإنسان؟ إلى: ما الذي أصاب الإنسان؟ والفارق بين السؤالين هائل. فالسؤال الأول هو المجال التقليدي للمقاربة السيكولوجية: هناك “فرد” يعاني اضطرابًا مقارنة بغيره من الأفراد، فنبحث عن أسبابه في طفولته أو صدماته أو علاقاته أو بنيته العصبية أو أنماط تفكيره أو ظروفه الاجتماعية. أما السؤال الثاني فينقل المشكلة إلى مستوى آخر تمامًا، لأن موضوع البحث لم يعد الفرد المختلف عن الجماعة، وإنما “الجماعة الإنسانية” نفسها.
ومن هنا تظهر الفوائض الثلاثة التي أقترح النظر إليها باعتبارها من النتائج الكبرى لتلك الانعطافة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. وليست كلمة «فائض» هنا مرادفًا للرغبة أو القدرة أو الوظيفة الطبيعية. فالتمثّل ضرورة معرفية، والعدوان في حدوده الطبيعية أداة دفاع وبقاء، والجنس وظيفة حيوية أساسية. وإنما تبدأ المشكلة عندما تنفصل هذه القدرات نسبيًا عن الحدود التي كانت تضبطها داخل النظام الحيوي، فتتحول من وظائف تؤدي أغراضًا محددة إلى سلطات تستطيع أن تستولي على الكائن نفسه. فالإنسان لا يمثل الواقع فحسب؛ بل يستطيع أن يغرق في تمثلاته حتى تصبح التمثلات أكثر حضورًا من الواقع! وهو لا يمارس العدوان عند الضرورة فحسب، بل يستطيع أن يصنع له أسبابًا ورموزًا ومؤسسات وعقائد، ثم يمارسه من أجل أشياء لم توجد قط خارج عالم تمثلاته! ولا يظل الجنس لديه محكومًا، في كل أحواله، بإيقاعات الوظيفة الإنجابية كما لدى كثير من الكائنات الحية الأخرى، وإنما يصبح عالمًا تمثليًا مستقلًا يمكن أن يمتد إلى الخيال والرمز والهوية والصناعة والثقافة.
وهنا قد نكون أمام مشكلة تتجاوز قدرة العلاج النفسي التقليدي، لا بسبب قصور مهني أو معرفي بسيط يمكن تداركه بإضافة مدرسة علاجية جديدة، وإنما لأن المبضع نفسه يعمل بعد وقوع الانعطافة، فهو يحاول إصلاح الإنسان من داخل البنية التي أنتجتها تلك الانعطافة، بينما تكمن المشكلة التي نتحدث عنها في البنية ذاتها.
ولعل هذا ما يفسر لماذا يستطيع العلاج النفسي، في حالات كثيرة، أن يجعل الإنسان أكثر قدرة على إدارة قلقه وغضبه وأفكاره وعلاقاته، لكنه لا يستطيع أن يحرره من كونه إنسانًا خاضعًا، بدرجات متفاوتة، لتلك القوى الأعمق التي يشترك فيها مع بقية الجنس البشري. فنحن نستطيع أن نعلّم الإنسان كيف يراجع أفكاره، ولكن هل نستطيع أن نحرره نهائيًا من سلطان التمثّل؟ ونستطيع أن ندرّبه على إدارة غضبه، ولكن هل يعني ذلك أننا وصلنا إلى الجذر الذي جعل فائض العدوان ممكنًا أصلًا؟ ونستطيع مساعدته على تنظيم اندفاعاته، ولكن هل يعني تنظيم الفائض أننا أزلنا الفائض؟ وهنا ينبغي التمييز بين إدارة الاختلال والتحرر من سلطانه.
بعد آلاف الأجيال من العيش داخل البنية الجديدة، لم تعد الفوائض مجرد أعراض طارئة يمكن فصلها بسهولة عن الإنسان، وإنما اندمجت في تجربته حتى اكتسبت ما يمكن تسميته “مَنَعة وجودية”. والمقصود بذلك أن الاختلال لم يعد جسمًا غريبًا يستطيع المبضع العثور عليه واستئصاله، وإنما أصبح جزءًا من الكيفية التي يختبر بها الإنسان ذاته والعالم.
وهذه هي المفارقة الكبرى: إن الأداة التي نستخدمها لتحليل الاختلال هي نفسها تعمل بواسطة وعي تشكّل داخل البيئة التي أنتجت الاختلال. فنحن نحاول، إلى حد ما، أن نستخدم فائض التمثّل لتحليل فائض التمثّل. ولهذا قد نحتاج، عند نقطة معينة، إلى شيء آخر غير مبضع التحليل: إلى منهج لترويض الوعي نفسه. ومن هنا تكتسب المقاربة القرآنية قيمتها المعرفية.
ومن اللافت أن القرآن العظيم، حين يتحدث عن الإنسان، فإنه لا يقدمه باعتباره كائنًا متوازنًا في الأصل لا تصيبه الاختلالات إلا استثناءً. بل نجد سلسلة لافتة من الأوصاف؛ فهو عجول، وهلوع، وجزوع، ومَنوع، وقتور، ومجادل، وظلوم، وجهول، ويتَّبع الظن، ويزكي نفسه، ويحسب ويظن ويتوهم ويغتَر. وهذه الأوصاف، إذا قرئت خارج الإطار الوعظي التقليدي، فإنها يمكن أن تفتح بابًا آخر تمامًا للقراءة. فماذا لو لم تكن هذه القائمة مجرد قائمة أخلاقية بعيوب ينبغي للإنسان أن يخجل منها؟ وماذا لو كانت، في جانب منها، خريطة لبنية الوعي البشري بعد انعطافته؟ عندها يصبح حديث القرآن العظيم المتكرر عن «الظن» ذا دلالة خاصة جدًا، لأن الظن لا يعود مجرد خطأ عابر في الاستدلال، وإنما يصبح واحدًا من أبرز تجليات فائض التمثّل: قدرة الإنسان على إنتاج تمثل للواقع ثم نسيان المسافة الفاصلة بين التمثل والواقع ذاته.
ولهذا يقول القرآن العظيم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ويقول أيضاً: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. وبهذا المعنى، فهي ليست دعوة إلى تصحيح فكرة بعينها، وإنما إلى مراقبة الآلة التي تنتج الأفكار والتمثلات والأحكام ابتداءً.
وهنا يبدأ الفرق بين العلاج وبين التزكية. فالعلاج يسأل، في الغالب: كيف نخفف معاناة هذا الإنسان ونساعده على العمل والعيش بصورة أفضل؟ أما التزكية، في أفقها القرآني الأوسع، فتطرح سؤالًا مختلفًا: كيف يمنع الإنسان قوى نفسه من التحول إلى سادته؟ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
وهنا يمكن فهم الوظائف النفسية العميقة للممارسات التعبدية بطريقة مختلفة. فـ (الصلاة، والصيام، والذكر، وكظم الغيظ، ومراقبة القول، وضبط الشهوة، والإنفاق، والعفو، والصبر، ومحاسبة النفس) ليست، وفق هذه القراءة، أوامر متفرقة لا يجمعها رابط، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها أجزاء من برنامج طويل المدى لإعادة ترتيب علاقة الإنسان بقوى نفسه.
فالصيام يضع الإرادة في مواجهة الرغبة. وكظم الغيظ يضع الوعي في مواجهة اندفاع العدوان. والتثبت يضع المعرفة في مواجهة الظن. والذكر يعيد الانتباه كلما استولى عليه تيار التمثلات. والصلاة تقطع، مرات متكررة في اليوم، استرسال الذات في عالمها الخاص لتعيد توجيهها إلى مرجع يتجاوزها. والإنفاق يضرب أحد أكثر أوهام الذات رسوخًا والمتمثل في وهم الامتلاك المطلق. والتواضع يقاوم تضخم صورة النفس. والعفو يقاوم ميل العدوان إلى إعادة إنتاج نفسه. وبهذا المعنى، نحن لا نكون أمام «جلسة علاج» تنتهي بعد خمسين دقيقة، وإنما أمام رياضة وجودية تمتد طوال الحياة!
ومن هنا يصبح مفهوم الإنسان الكامل في التراث الصوفي جديرًا بإعادة القراءة، بشرط ألا نحوله إلى دعوى خارقة أو حقيقة علمية مثبتة. فالإنسان الكامل، كما تطور المفهوم في بعض التيارات الصوفية، لا يعني بالضرورة إنسانًا أزيلت منه الطبيعة البشرية، وإنما هو إنسانٌ لم تعد قوى النفس تستعبده بالكيفية نفسها؛ فهو يغضب، لكن الغضب لا يمتلكه. ويرغب، لكن الرغبة لا تحدد وحدها فعله. ويفكر ويتمثل ويتخيل، لكنه لا يساوي تلقائيًا بين ما ينتجه وعيه وبين الحقيقة.
وهنا يصبح بعض كبار الشخصيات التي اتخذها التصوف نماذج لهذا السلوك المنضبط بمحددات المنهاج التعبدي الذي جاء به القرآن العظيم، مع اختلاف المدارس في منزلة كل شخصية وتفسير سيرتها، نماذج ضرورية ليس بوصفها «أدلة تجريبية» تثبت الفرضية، بل بوصفها أمثلة تاريخية على مشروع الإنسان الذي يحاول تحرير نفسه من سلطان نفسه.
وفي مقدمة النموذج الإسلامي يأتي النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، الذي يمثل وفقاً للتقليد الإسلامي المثال الأعلى للإنسان الذي تجسدت فيه الغاية التعبدية والأخلاقية للقرآن. ثم نجد في التاريخ الصوفي الإسلامي أسماء مثل الحسن البصري، ورابعة العدوية، والجنيد البغدادي، وعبد القادر الجيلاني وغيرهم ممن جعلت تقاليد التصوف من سيرهم نماذج للمجاهدة والزهد ومراقبة النفس.
ولا نستطيع، بالمعنى العلمي الحديث، أن نثبت أن أحدًا من هؤلاء قد «تخلص من فائض التمثّل»، لأن فائض التمثّل نفسه مفهوم نظري يحتاج إلى تعريف قابل للاختبار قبل إمكان تطبيقه بأثر رجعي على شخصيات تاريخية.
لكن يمكننا طرح سؤال أكثر تواضعًا ودلالة معرفية: هل تمثل الممارسة التعبدية القرآنية محاولة تاريخية منظمة لتقليل سلطان القوى نفسها التي نسميها، في المقاربة الميتابايولوجية، الفوائض الثلاثة؟ فهنا تصبح المقارنة جديرة بالبحث.
ولعل أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نستنتج من ذلك أن علينا الاختيار بين علم النفس والقرآن. فالمسألة ليست مباراة بين معالج نفسي وشيخ الطريقة، ولا بين مختبر ومحراب. فالعلاج النفسي يتعامل مع مستويات من المعاناة البشرية يمتلك بشأنها أدوات ومعارف متراكمة، ولا ينبغي استبدال العلاج الضروري بممارسة تتطلب تراكماً سلوكياً حين تكون هناك حالة تحتاج إلى تدخل متخصص وبصورة عاجلة، ولكن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من الاعتراف بإمكان وجود مستوى آخر للسؤال لا يستطيع العلاج النفسي، بحكم موضوعه ومنهجه، أن يجيب عنه كاملًا.
فالطبيب يستطيع معالجة جرح في جسم الإنسان. والمعالج النفسي يستطيع مساعدته على معالجة جرح في تجربته النفسية. ولكن ماذا لو كان السؤال متعلقًا بشيء أقدم من هذين الجرحين: بالبنية التي تجعل الإنسان إنسانًا على الصورة التي نعرفها؟ وعند هذه النقطة يبلغ المبضع السايكولوجي حدوده. وربما كانت الفطنة لا تكمن في مطالبة المبضع بأن يشق ما لا يستطيع شقه، وإنما في الاعتراف بأن وراء آخر طبقة يستطيع الوصول إليها سؤالًا آخر يحتاج إلى أداة أخرى. وقد يكون القرآن العظيم، وفق الفرضية التي نقترحها، قد فعل شيئًا مختلفًا جذريًا؛ إذ أنه لم يقدم للإنسان تفسيرًا نظريًا لنفسه فحسب، وإنما وضعه داخل منهج عملي مستمر ليقهر به استبدادها.
وهنا تحديدًا يمكن إعادة تعريف الغاية من العبادة. فالعبادة ليست محاولة لإلغاء الفوائض، لأن الإنسان لن يتحول إلى كائن آخر، وإنما هي محاولة لمنعها من أن تتحول إلى سلطات مطلقة. وليست الغاية أن يفقد الإنسان قدرته على التمثّل، بل ألا يصبح عبدًا لتمثلاته. ولا أن يفقد العدوان تمامًا، بل ألا يصبح العدوان سيد قراره. ولا أن تنطفئ فيه الرغبة، بل ألا تختزل الرغبة وجوده. وربما كان هذا هو المعنى الأكثر إثارة لمفهوم التحرر في التجربة الصوفية، وذلك بأن يبلغ الإنسان درجة يستطيع فيها أن يرى ما يجري داخله من غير أن يضطر إلى طاعته! وعندها يمكن أن نعيد النظر في مفهوم «الإنسان الكامل» نفسه. فالكمال هنا لا يعني إنسانًا بلا نقص، ولا كائنًا تجاوز بشريته، وإنما هو إنسانٌ استطاع أن يحقق أمرًا أشد صعوبة، وهو أن يبقى إنسانًا، من دون أن يبقى أسيرًا لكل ما فرضته عليه إنسانيته.

أضف تعليق