الانتحار بوصفه شكلًا من أشكال عدوان الإنسان على ذاته

حين نتحدث عن ثنائية «نحن» و«هم»، فإننا نفكر، في الغالب، في الحدود التي يرسمها الإنسان بين جماعته والجماعات الأخرى؛ بين مَن ينتمي ومَن لا ينتمي، بين الصديق والعدو، وبين مَن يقع داخل دائرة الهوية ومَن يُدفع إلى خارجها. غير أن هذه الثنائية قد لا تبقى دائمًا خارج الإنسان. ففي بعض أكثر الحالات الإنسانية مأساوية، يمكن للحد الفاصل بين «نحن» و«هم» أن يشق طريقه إلى داخل الذات نفسها.
ومن هنا يمكن النظر إلى الانتحار، ضمن المقاربة التي نحاول تطويرها، من زاوية مختلفة: بوصفه إحدى الحالات القصوى التي ينقلب فيها العدوان الإنساني من الخارج إلى الداخل، وحيث لا يعود الإنسان هو المعتدي والمدافع عن نفسه في الوقت ذاته، وإنما يصبح، في تمثّله المضطرب لذاته وواقعه، طرفي الصراع معًا. فالطبيعة، في صورتها الحيوية العامة، تقوم على مبدأ بالغ الرسوخ: المحافظة على الحياة. والكائن الحي يفرّ من الخطر، ويبحث عن الغذاء، ويتجنب الألم، ويدافع عن جسمه، ويتناسل، ويستجيب لعدد هائل من الآليات التي تجعل استمرار وجوده غاية وظيفية أساسية. وحتى العدوان نفسه، في عالم الحيوان، يؤدي في كثير من الحالات وظيفة مرتبطة بالبقاء: الدفاع عن المجال، وحماية الصغار، والتنافس على الموارد، والهرب من التهديد أو مواجهته. لكن الإنسان يقدم لنا مفارقة شديدة القسوة: الكائن الذي يستطيع أن يوجّه إلى ذاته تلك القوة التي كان يُفترض أن تعمل، في أصلها الحيوي، لحمايته.
فإذا كانت الجماعة تحتاج، في كثير من مراحل تشكّلها، إلى تحديد «نحن» و«هم»، فإن الإنسان الفرد يستطيع هو الآخر، تحت وطأة ظروف نفسية واجتماعية ووجودية شديدة، أن يصنع داخل ذاته انقسامًا شبيهًا بهذا الانقسام. فثمة «أنا» تتألم، و«أنا» أخرى تُحمَّل مسؤولية هذا الألم. وثمة “ذات” تريد النجاة، و”ذات” تصبح، في التمثّل الداخلي مصدر العذاب. وثمة إنسان يعاني من العالم، ولكنه قد يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادرًا على فصل العالم الذي يؤلمه عن ذاته التي تتلقى الألم.
وهنا تبدأ الحدود بين المعتدي والضحية بالاضطراب.
فإذا كان العدو الخارجي يُعرَّف عادة بأنه ذلك الذي يُعتقد أنه مصدر التهديد الذي ينبغي إيقافه، فإن الإنسان في بعض الحالات القصوى قد يعيد تعريف ذاته نفسها باعتبارها موضع المشكلة. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه «يكره نفسه» بالمعنى البسيط والمباشر، بل إن بنية التمثّل قد تصبح أكثر تعقيدًا: قد يصبح وجوده ذاته هو الشيء الذي يتصوره العقل بوصفه غير قابل للاستمرار. وهنا يحدث انقلاب خطير في معادلة “نحن” و “هم”: يصبح «هم» جزءًا من “أنا”.
ويمكن، ضمن الإطار الميتابايولوجي الذي نقترحه، التفكير في هذه اللحظة باعتبارها نقطة التقاء بين اثنين من الفوائض التي أحدثتها الانعطافة التطورية في الإنسان: فائض العدوان وفائض التمثّل.
ففائض العدوان يعني أن القدرة العدوانية لم تعد مقيدة دائمًا بالوظائف الحيوية المباشرة التي نجد نظائرها في الطبيعة. فالإنسان لا يعتدي فقط حين يهدده مفترس، أو ينافسه آخر على مورد، أو يقتحم أحد مجاله؛ إنه يستطيع أن يحمل العدوان معه، وأن يخزنه، وأن يعيد توجيهه، وأن يمنحه موضوعات رمزية لا علاقة مباشرة لها بالبقاء. أما فائض التمثّل فيضيف إلى هذه القدرة عنصرًا أشد خطورة: قدرة الإنسان على بناء عالم داخلي قد يصبح، في بعض اللحظات، أكثر سلطانًا عليه من العالم الخارجي نفسه. فالإنسان لا يعاني الواقعة وحدها، بل يعاني تمثّله للواقعة. ولا يعاني خسارة اليوم وحدها، بل يستطيع أن يستحضر خسارات الأمس، وأن يتوقع خسارات الغد، وأن يجمع الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة وجدانية واحدة. والألم الجسدي محدود، في العادة، بحدود وقوعه؛ أما الألم الذي يعيد فائض التمثّل إنتاجه فقد يستمر حتى في غياب مصدره المباشر.
وهنا تتضح إحدى الخصائص الفريدة للمأساة الإنسانية: الإنسان لا يعيش ما يحدث له فحسب، وإنما يعيش كذلك ما يتذكر أنه حدث، وما يتخيل أنه سيحدث، وما يعتقد أن الآخرين يعتقدونه عنه، وما يتصور أنه فقده إلى الأبد، وما يظن أنه لن يستطيع تغييره أبدًا. وهكذا يمكن لفائض التمثّل أن يضاعف الضغط، بينما يوفر فائض العدوان إمكانية توجيه العنف إلى موضوع جديد: الذات نفسها.
وهنا يمكن العودة إلى ثنائية «نحن» و«هم» من زاوية أكثر عمقًا. فالذات السوية، في أبسط صورها، هي «نحن» داخلية متماسكة: الجسم، والذاكرة، والرغبات، والماضي، والمستقبل، والألم، والأمل؛ جميعها، رغم تناقضاتها، تنتمي إلى الكيان نفسه الذي يسعى إلى الاستمرار. لكن تحت ضغط نفسي شديد، واضطرابات نفسية محتملة، وعزلة أو فقد أو يأس أو ألم لا يبدو له مخرج، قد يختل هذا التماسك. وليس ثمة سبب واحد للانتحار، ولا يجوز اختزاله في آلية نفسية منفردة؛ إلا أن المقاربة التي نقترحها تطرح سؤالًا محددًا: هل يمكن أن يصل فائض التمثّل، متداخلًا مع فائض العدوان، إلى إعادة تصنيف الذات نفسها؟ أي أن يصبح الشيء الذي ينبغي إنقاذه هو، في الوقت نفسه، الشيء الذي يتصوره الإنسان مصدرًا للعذاب الذي يريد النجاة منه؟
فإذا حدث ذلك، فإن ثنائية «نحن» و«هم» تكون قد بلغت أكثر صورها غرابة: فلم يعد العدو شخصًا آخر، ولا جماعة أخرى، ولا مفترسًا يهدد الجسم من الخارج؛ بل أصبح الصراع يدور داخل الحدود الفيزيائية للإنسان نفسه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالإنسان، بوصفه كائنًا تمثّليًا، لا يكتفي بالاستجابة للمشكلات، بل يبحث عن حلول لها. غير أن فائض التمثّل يستطيع، تحت ظروف شديدة، أن يضيّق مجال البدائل المدركة حتى يبدو ما ليس حلًا في الحقيقة كما لو كان الحل الوحيد المتبقي.
وهذه نقطة بالغة الدلالة. فالانتحار لا ينبغي فهمه بوصفه نتيجة استدلال عقلاني بسيط من نوع: هناك مشكلة، وهذا حلها. بل يمكن النظر إليه، في بعض الحالات، باعتباره انهيارًا في مجال البدائل التي يستطيع الإنسان إدراكها في تلك اللحظة. فحين يصبح الألم شاملًا في تمثّله، ويصبح المستقبل مغلقًا في تمثّله، وتصبح الذات نفسها جزءًا من المشكلة في تمثّلها، يمكن للعقل أن يقع في مفارقة مروعة: بدل إزالة الألم، يتجه إلى إزالة الكائن الذي يشعر بالألم. وبدل حل المشكلة، يتجه إلى إلغاء صاحب المشكلة. وبدل الدفاع عن الذات من مصدر التهديد، يصبح الفعل موجّهًا إلى الذات نفسها. إنه انقلاب في الوظيفة الأصلية للعدوان!
ومن هنا تكتسب ظاهرة الانتحار قيمتها الميتابايولوجية.
فالبيولوجيا تستطيع أن تبحث في الأسس العصبية والنفسية والوراثية والبيئية المرتبطة بالسلوك الانتحاري، وعلم النفس يستطيع أن يدرس الاكتئاب واليأس والصدمات والعزلة والاضطرابات وغيرها من عوامل الخطر. وهذه مستويات تفسيرية ضرورية لا ينبغي تجاوزها أو استبدالها.
لكن السؤال الميتابايولوجي مختلف؛ إذ كيف ظهر في الطبيعة كائن يستطيع أن يستخدم القدرات التي منحتها إياه الحياة ضد استمرار حياته نفسها؟! فالكائن الذي يفر من الموت يمثل استمرارًا واضحًا لمنطق الطبيعة الحيوي. أما الكائن الذي يستطيع أن يتصور الموت، وأن يتخيله، وأن يعيد تمثّل حياته بكاملها، وأن يصدر حكمًا عليها، ثم أن يجعل ذاته موضوعًا لعدوانه، فإنه يضعنا أمام ظاهرة تتجاوز مجرد آليات الدفاع الحيوية المباشرة.
ومن هذه الزاوية لا يبدو الانتحار مجرد «رغبة في الموت»، وهي عبارة قد تكون اختزالية، بقدر ما يمكن، في بعض الحالات، أن يكون محاولة يائسة لإنهاء ألم أصبح الوعي عاجزًا عن تمثّل نهاية أخرى له. وهنا يصبح الفرق ذا دلالة بالغة: قد لا يكون الهدف المتخيَّل هو الموت في ذاته، بل توقف المعاناة؛ غير أن انهيار البدائل يجعل الوعي يخلط بين إنهاء الألم وإنهاء الذات التي تتألم.
لعل أكثر ما تكشفه هذه القراءة إيلامًا هو أن قدرة الإنسان على صناعة «الآخر» لا تتوقف بالضرورة عند حدود المجتمع. فنحن نصنع «هم» في القبيلة، والقومية، والسياسة، والطبقة، والثقافة؛ ونستطيع أن نحول المختلف إلى خصم، والخصم إلى عدو، والعدو إلى موضوع مشروع للعدوان. ولكن ثمة حدًا أخيرًا لهذه العملية لا يعود فيه الإنسان بحاجة إلى آخر خارجي. إذ يستطيع، حين تبلغ أزمة التمثّل والعدوان ذروتها، أن يصنع «الآخر» من نفسه. وعندئذ تصبح الذات ساحة الصراع، ويصبح الجسم ميدان الاشتباك، ويصبح الإنسان في الوقت نفسه الطرف الذي يعاني والطرف الذي يوجّه العدوان.
ولعل الانتحار، من هذه الزاوية، يمثل إحدى أكثر الشواهد مأساوية على ما حدث للإنسان بعد أن تجاوز العدوان وظيفته الحيوية، وتجاوز التمثّل وظيفته المعرفية، ثم التقى الفائضان في كائن يستطيع أن يفعل ما يبدو مناقضًا لأعمق قاعدة قامت عليها الحياة منذ بدايتها، ألا وهي أن تعمل الحياة من أجل استمرار الحياة.
فحين يصبح الإنسان قادرًا على تحويل ذاته من «نحن» إلى «هم»، نكون قد بلغنا أقصى حدود المفارقة الإنسانية: أن يظهر من داخل الطبيعة كائن لا يستطيع الاعتداء على أفراد نوعه وبيئته فحسب، بل يستطيع أيضاً، وفي لحظة انهيار قصوى، أن يجعل من وجوده الشخصي ذاته موضوعًا لعدوانه.
وهنا ربما لا يعود السؤال: لماذا ينتحر الإنسان؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ما الذي حدث في تطور الوعي الإنساني حتى أصبح الكائن الحي الوحيد القادر على أن يقف، تمثّليًا، خارج ذاته؛ وينظر إليها كما ينظر إلى «آخر»؛ ثم يوجّه إليها العدوان الذي كان من المفترض، في منطقه الحيوي الأول، أن يحميها؟

أضف تعليق