نحو مقاربة جديدة للاعتلال السيكولوجي… من سؤال الاعتلال إلى سؤال القدرة على التعايش معه

لعل واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في تصورنا المعاصر للصحة النفسية هي ذلك الحد الفاصل الذي نرسمه بين «السَّوي» و«المعتل». فنحن نميل، بصورة تكاد تكون تلقائية، إلى تصور المجتمع البشري باعتباره مكوّنًا من أغلبية تتمتع بدرجة ما من السلامة النفسية، تقابلها أقلية أصابها اختلال ما، فأصبحت بحاجة إلى التشخيص والعلاج وإعادة التأهيل. ومن داخل هذا التصور نشأت، بصورة ضمنية على الأقل، ثنائية تشبه كثيرًا غيرها من الثنائيات التي يصنعها الإنسان: نحن الأسوياء، وهم المرضى.
ولكن ماذا لو كان موضع الخلل في هذه الصورة ليس في تشخيص الأعراض ذاتها، وإنما في افتراض ندرتها؟! وماذا لو لم يكن ما نسميه «الاعتلال السيكولوجي» استثناءً يصيب بعض أفراد النوع البشري، بقدر ما كانت جذوره ممتدة في البنية النفسية العامة للإنسان، بينما يكمن الاختلاف الحقيقي بين الأفراد في درجة ظهوره، وصور تجليه، وقبل ذلك كله في قدرة الفرد على التعايش معه وإدارته؟!
هنا يمكن لمفهوم فائض التمثّل أن يفتح بابًا لمقاربة مختلفة. فإذا صح الافتراض الذي انطلقت منه مقالاتي السابقة، والقائل إن فائض التمثّل ليس عارضًا يصيب أفرادًا بعينهم، وإنما هو نتيجة بنيوية للانعطافة التطورية الأولى التي طرأت على الوعي البشري، فإن كثيرًا مما نصفه اليوم باعتباره اختلالات نفسية منفصلة قد يحتاج إلى أن يعاد النظر فيه بوصفه تجليات متفاوتة لأصل أعم وأعمق.
فالإنسان، وفق هذه المقاربة، ليس كائنًا يستقبل الواقع ثم يمثله في وعيه تمثلًا مطابقًا ومحايدًا. فلقد أصبح قادرًا على أن يضيف إلى الواقع واقعًا آخر من صنعه: يفترض، ويتخيل، ويتوقع، ويتذكر انتقائيًا، وينسب النيات، ويبني السيناريوهات، ويستبق الوقائع، ويعيد تفسير الماضي، ويحمّل الحاضر معاني قد لا تكون كامنة فيه أصلًا. وهذه القدرة نفسها التي منحت الإنسان جانبًا كبيرًا من تفوقه المعرفي يمكن أن تصبح، عندما تتجاوز مقتضيات الواقع، مصدرًا دائمًا للاختلال. ومن هنا تأتي النتيجة الأولى لهذه المقاربة: فقد لا يكون الاعتلال السيكولوجي، في جذوره الأعمق، استثناءً بشريًا بقدر ما يكون قابلية بشرية عامة. لكن ينبغي هنا التمييز بوضوح بين هذا الاستخدام النظري الواسع لمفهوم «الاعتلال» وبين المرض النفسي بمعناه السريري. فليس المقصود القول إن جميع البشر مصابون باضطرابات نفسية قابلة للتشخيص الطبي، وإنما القول إن البنية النفسية البشرية نفسها قد تحمل قابلية عامة لإنتاج أنماط من التمثّل والانحياز والتوتر والاختلال، تختلف في درجاتها وفي قدرة الإنسان على إدارتها.
وهذا التمييز يقودنا إلى أولى النتائج الإنسانية المهمة لهذه المقاربة.
إن الإنسان الذي يعاني اضطرابًا نفسيًا لا يعاني أعراضه وحدها؛ فكثيرًا ما يعاني، فوق ذلك، شعوره بأنه خرج عن الجماعة البشرية السوية، وأن الآخرين يمتلكون شيئًا من الاتزان الداخلي حُرم هو منه. وقد تكون هذه واحدة من أقسى المضاعفات الاجتماعية والنفسية للاضطراب: أن يتحول الاختلاف في الدرجة إلى اختلاف في الهوية؛ فلا يعود الإنسان يقول: «أنا أعاني أكثر من الآخرين»، وإنما يبدأ في الشعور بأنه من نوع آخر غير الآخرين.
وتأتي المقاربة التي نقترحها لتزعزع هذا الفصل الحاد. فإذا كانت جذور كثير من الاختلالات ممتدة، بدرجات متفاوتة، في البنية النفسية المشتركة للإنسان، فإن المسافة بين من نسميه «سويًا» ومن نسميه «معتلًا» قد لا تكون دائمًا المسافة الفاصلة بين الصحة والمرض بقدر ما تكون، في بعض الحالات، المسافة بين درجات مختلفة من القدرة على التنظيم والتكيف والتعايش.
فالإنسان القَلِق لا يحتكر صناعة الاحتمالات المخيفة، والإنسان الموسوس لا يحتكر التعلق بالتمثلات، والإنسان المكتئب لا يحتكر إعادة بناء العالم من خلال منظومة معينة من المعاني، والإنسان الذي تسيطر عليه الأحكام المسبقة ليس الكائن الوحيد الذي يضع التمثّل أحيانًا قبل الواقع. فقد يفعل البشر جميعًا شيئًا من ذلك، لكنهم لا يفعلونه بالدرجة نفسها، ولا بالكثافة نفسها، ولا بالاستمرارية نفسها، ولا يدفعون الثمن الوظيفي والنفسي نفسه.
وهنا تحديدًا يمكن أن يبدأ السؤال الثاني: ماذا لو كان الفارق هو في القدرة على التعايش مع هذا الاعتلال النفسي؟ فإذا افترضنا، داخل هذا الإطار النظري، أن جذور الاعتلال واسعة الانتشار، يصبح من الممكن إعادة تعريف جانب من المشكلة النفسية بطريقة مختلفة: ليست المسألة دائمًا وجود الاختلال أو غيابه، وإنما مقدار قدرة الإنسان على التعايش مع تجلياته وتنظيمها ومنعها من الاستيلاء على حياته. وبذلك لا يعود السؤال الوحيد: ما الذي يعانيه هذا الإنسان؟ بل يصبح إلى جانبه سؤال ربما كان أكثر قيمة معرفية: لماذا لم يعد قادرًا على التعايش مع ما يعانيه؟ وهذا التحول ليس لغويًا فحسب. فشخصان قد يحملان نزعات متشابهة إلى القلق، أو الاجترار، أو الافتراض المسبق، أو تضخيم الاحتمالات، أو إعادة تمثل الأحداث، لكن أحدهما يستطيع احتواءها داخل حياته، بينما تبدأ لدى الآخر باستهلاك قدرته على النوم والعمل وبناء العلاقات واتخاذ القرارات والاستمتاع بالحياة. عندئذ لا يكفي أن نبحث عن «العَرَض» وحده. إذ ينبغي أن نبحث كذلك عن قدرة المنظومة النفسية بأكملها على حمل هذا العرض والتعايش معه. وهنا يصبح الاعتلال، في جانب منه، علاقة بين شيئين: حجم العبء النفسي من جهة، والقدرة على احتماله وتنظيمه من جهة أخرى. فما يستطيع إنسان التعايش معه قد يعجز آخر عن احتماله، وما يستطيع الإنسان نفسه احتواءه في مرحلة من حياته قد يصبح فوق قدرته في مرحلة أخرى، عندما تتراكم عليه الضغوط أو تتراجع موارده النفسية والاجتماعية والجسدية.
وهكذا نخرج من التصنيف الجامد إلى تصور ديناميكي. فالبشر لا ينقسمون إلى مرضى وأصحاء بقدر ما يتوزعون على طيف
ضمن هذه المقاربة، يمكن تصور البشر على طيف واسع بدل وضعهم في صندوقين مغلقين؛ في أحد طرفيه قدرة مرتفعة على تنظيم فائض التمثّل والتعايش مع تبعاته، وفي الطرف الآخر عجز متزايد عن ذلك التنظيم، وبينهما درجات لا تكاد تحصى. والإنسان نفسه قد يتحرك على هذا الطيف. فهو ليس «سويًا» إلى الأبد ولا «معتلًا» إلى الأبد بمعنى وجودي ثابت؛ وإنما يمكن أن تتغير قدرته على التعايش تبعًا للعمر والظروف والخبرات والصدمات والعلاقات والدعم الاجتماعي والبيئة وغير ذلك من العوامل.
ومن هنا تصبح الحدود أقل صلابة مما توحي به التصنيفات. لكن ذلك لا يعني إلغاء التشخيص النفسي أو التقليل من شأن الاضطرابات الشديدة. فالتشخيص السريري يظل ضروريًا لتحديد الحالات التي تسبب معاناة كبيرة أو تعطيلًا للحياة وتحتاج إلى تدخل متخصص. فما تتحداه هذه المقاربة هو ليس ضرورة التشخيص، وإنما تحويل التشخيص إلى هوية وجودية تفصل صاحبه عن بقية البشر. فالفرق كبير بين أن نقول: “هذا إنسان مختلف عنا لأنه معتل نفسيًا” وبين أن نقول: “هذا إنسان أصبحت بعض الآليات النفسية المشتركة بين البشر أشد وطأة عليه، أو أصبحت قدرته على تنظيمها والتعايش معها أقل مما تسمح به حياته اليومية”. ففي العبارة الثانية لا يختفي المرض، ولكن تختفي “الغربة”.
ويترتب على ذلك تحول آخر في الكيفية التي يمكن أن نفكر بها في العلاج النفسي. فإذا كانت بعض جذور المعاناة متصلة بخصائص عامة في البنية النفسية البشرية، فلن يكون الهدف الواقعي دائمًا اقتلاع هذه الخصائص من الإنسان، وإنما مساعدته على تغيير علاقته بها. أي أن السؤال العلاجي قد يتحول، جزئيًا، من: كيف نزيل هذا الشيء منك؟ إلى: كيف نجعلك أقدر على ألا يستعبدك هذا الشيء؟
وهذه نقطة بالغة الدلالة المعرفية في مفهوم فائض التمثّل. فالهدف ليس بالضرورة القضاء على التمثّل؛ لأن التمثّل جزء من القدرة الإنسانية نفسها. وليس الهدف إلغاء الخيال أو التوقع أو التأويل أو استحضار الماضي أو تصور المستقبل، لكن المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على معرفة الحدود بين الواقع وتمثّله للواقع، بين ما حدث وما يتخيل أنه حدث، بين ما قاله الآخر وما افترض أنه قصده، بين الخطر الموجود والخطر الذي بناه وعيه، وبين الاحتمال والواقعة. وعندئذ يصبح التعافي، في أحد معانيه هو استعادة القدرة على إدارة هذه المسافة.
وربما كان «السوي» هو الأكثر قدرة على إدارة اعتلاله، فهنا نصل إلى المفارقة التي قد تكون أكثر نتائج هذه المقاربة إثارة للاهتمام. فربما لم يكن ما نسميه «الإنسان السوي» إنسانًا خاليًا من الاختلالات النفسية بالمعنى الواسع الذي نستعمله هنا، بل ربما كان، في حالات كثيرة، إنسانًا أكثر قدرة على التعايش معها. فهو إنسان يقلق، لكنه يستطيع مواصلة حياته. ويفترض، لكنه يستطيع مراجعة افتراضه. ويتوهم، لكنه يستطيع تصحيح وهمه حين يصطدم بالواقع. ويغضب، لكنه يستطيع كبح عدوانه. ويبني تمثلات عن الآخرين، لكنه يستطيع تعديلها عندما تقدم الوقائع ما يناقضها. ويخشى المستقبل، لكنه لا يسمح للمستقبل المتخيَّل بأن يمحو حاضره الواقعي. وبهذا المعنى، قد لا تكون «السلامة النفسية» غيابًا للاختلال بقدر ما تكون كفاءة في إدارته.
ولعل القيمة الإنسانية الأعمق لهذا التصور تكمن هنا تحديدًا. فالإنسان الذي يدخل عيادة نفسية ينبغي ألا يدخلها وهو يحمل فوق معاناته عبئًا إضافيًا اسمه: “أنا مختلف عن البشر”. فقد يكون الأجدى أن يعرف أنه يقف عند الطيف الإنساني نفسه الذي يقف عنده الآخرون، وأن كثيرًا من الآليات التي تسبب له المعاناة موجودة، بأشكال ودرجات مختلفة، لدى البشر من حوله. والاختلاف ليس بالضرورة أن الآخرين يمتلكون نفسًا «سليمة» بينما يمتلك هو نفسًا “معطوبة”، فقد يكون الاختلاف أن معركته مع هذه البنية أصبحت أشد. وأن قدرته على التعايش معها أصبحت أضعف. وأن ما يستطيع الآخر احتواءه صار هو بحاجة إلى مساعدة كي يستطيع احتواءه. وهكذا لا يعود العلاج محاولة لإعادة «الشاذ» إلى عالم «الأسوياء»، وإنما يصبح مساعدة إنسان على استعادة قدرته على إدارة جانب من جوانب الحالة الإنسانية المشتركة.
وهذا التحول وحده يمكن أن يغير الكثير. فبدل أن يكون الاعتلال النفسي جدارًا يفصل البشر إلى جماعتين، يصبح طيفاً يكشف مقدار ما يشتركون فيه. وبدل أن يكون التشخيص حكمًا على هوية الإنسان، يصبح وصفًا لحالة من المعاناة تحتاج إلى الفهم والمساعدة. وبدل أن نسأل بدهشة: لماذا اعتل هذا الإنسان؟ قد نجد أنفسنا أمام سؤال أكثر عمقًا: لماذا استطاع بعض البشر التعايش مع تبعات البنية النفسية المشتركة، بينما بلغت هذه التبعات لدى آخرين حدًا تجاوز قدرتهم على التعايش معها؟ وربما يكون الانتقال من السؤال الأول إلى السؤال الثاني يمثل أكثر من مجرد تعديل في تعريف الاعتلال السيكولوجي. وربما يكون بداية انتقال من سيكولوجيا تبحث عن الإنسان المختلف إلى سيكولوجيا تحاول فهم الاختلاف داخل “الإنسان المشترك”.

أضف تعليق