دعوة للتحرر من الحب المشروط الذي استعبد قلوبنا بأكثر مما فعلت أنفسنا

لعل من أكثر العبارات التي يرددها المحبون ثقةً واطمئنانًا قولهم: «أنا أحبك حبًا غير مشروط». وهي عبارة جميلة إلى الحد الذي يجعلنا نادرًا ما نتوقف أمامها لنسأل: هل نحن، حقًا، قادرون على هذا النوع من الحب؟ وهل ما نسميه حبًا غير مشروط قد تحرر بالفعل من الشروط، أم أننا لم نفعل أكثر من إخفائها في مكان أعمق من وعينا، ثم واصلنا مطالبة محبوبينا بالوفاء بها من غير أن نصرح لهم بها؟
فالمفارقة أن الإنسان قد يقول لمن يحب: أحبك كما أنت، ثم يمضي بعد ذلك مباشرة في بناء قائمة طويلة جدًا لما ينبغي لهذا الـ «أنت» أن يكون عليه. أحبك كما أنت، شريطة أن تبقى قريبًا مني. أحبك كما أنت، شريطة أن تبادلني المقدار نفسه من الحب. أحبك كما أنت، شريطة ألا تتغير. شريطة أن تفهمني. شريطة أن تحتاج إليّ. شريطة أن تختارني. شريطة أن تضعني في الموضع الذي وضعتك فيه. وشريطة، قبل ذلك كله وبعده، ألا تخالف الصورة التي صنعتها لك في داخلي!
وهنا تحديدًا يبدأ الحب في التحول، من حيث لا نشعر، من علاقة بالآخر إلى علاقة بالصورة التي صنعناها عنه. فنحن لا نحب الشخص وحده، وإنما نحب كذلك تمثّلنا له؛ أي ذلك الكائن الآخر الذي أعدنا بناءه داخل وعينا، وأضفنا إليه رغباتنا وتوقعاتنا وحاجاتنا ومخاوفنا، ثم نسينا بعد ذلك أننا نحن الذين صنعنا هذه الصورة، وطالبنا الإنسان الحقيقي بأن يطابقها.
ومن هنا تنشأ واحدة من أعجب صور الظلم التي يمكن أن يمارسها المحب باسم الحب: أن يجعل محبوبه مسؤولًا عن الوفاء بعقد لم يشارك في كتابته أصلًا. فأنا أحبك، ولذلك ينبغي أن تحبني. وأفتقدك، ولذلك ينبغي أن تفتقدني. وأحتاج إليك، ولذلك ينبغي أن تحتاج إليّ. وأخلص لك، ولذلك ينبغي أن يكون إخلاصك لي مطابقًا لتعريفي أنا للإخلاص. وأراك على صورة معينة، ولذلك يصبح خروجك عن هذه الصورة نوعًا من الخيانة.
ولكن مَن قال إن الحب يمنحنا هذا الحق؟! ومن أين جاءت هذه الفكرة الغريبة التي جعلتنا نعتقد أن مشاعرنا تجاه إنسان آخر تمنحنا سلطة أخلاقية عليه؟!
إن الحب، في هذه الحال، لا يعود مجرد عاطفة، وإنما يتحول إلى منظومة من الحقوق المتخيلة. وكلما ازداد الحب اشتعالًا، ازدادت معه، في كثير من الأحيان، قائمة الاستحقاقات: لأنني أحبك، يحق لي أن أعرف. ولأنني أحبك، يحق لي أن أغضب. ولأنني أحبك، يحق لي أن أراقب. ولأنني أحبك، يحق لي أن أطالب. ولأنني أحبك، ينبغي لك أن تراعي ألمي حتى لو كان الثمن أن تتنازل عن جزء من حريتك.
وبهذه الطريقة الغريبة يصبح الحب، الذي كان ينبغي له أن يحرر الإنسان من ضيق ذاته، واحدًا من أكثر الأدوات قدرة على توسيع سلطانها.
وربما كانت المشكلة كامنة في الخلط القديم بين الحب والامتلاك. فالإنسان لا يكتفي بأن يحب شيئًا جميلًا؛ إذ أنه يريد الاحتفاظ به. ولا يكتفي بأن يجد في الآخر مصدرًا للبهجة، بل يريد ضمان استمرار هذه البهجة. ولا يكتفي بأن يكون محبوبه حرًا في أن يحبه اليوم، بل يريد، بطريقة ما، ضمان أن يحبه غدًا وبعد غد وبالمقدار ذاته وبالكيفية ذاتها.
وهنا يدخل الخوف إلى الحب. والخوف يريد الضمان. لكن الحب لا يستطيع أن يقدم ضمانًا. فالإنسان الآخر كائن حر، متغير، متقلب، ينمو ويعيد النظر ويقترب ويبتعد، وقد تتغير مشاعره مثلما تتغير مشاعرنا نحن. وحين نرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، فإننا لا نعود نحب الإنسان الموجود أمامنا بقدر ما نطالب الواقع بالمحافظة على النسخة التي أحببناها منه.
ولعل هذا هو أصل كثير من عذابات الحب التي ننسبها إلى الآخر، بينما يكون جزء معتبر منها من صنع الشروط التي وضعناها نحن! فنحن لا نتألم دائمًا لأن المحبوب أساء إلينا، بل قد نتألم لأنه لم يفعل ما افترضنا أنه ينبغي أن يفعله.
والفارق بين الأمرين هائل.
وإذا كان فائض التمثّل يجعل الإنسان قادرًا على تجاوز الواقع إلى ما يتصوره عنه، فإن الحب ربما كان واحدًا من أكثر المجالات خصوبة لعمل هذا الفائض. فنحن لا نرى المحبوب فحسب، ولكننا نتخيله أيضاً. ولا نسمع كلماته فحسب، ولكننا نفسرها أيضاً. ولا نعيش اللحظة معه فحسب، بل نبني مستقبلًا كاملًا انطلاقًا منها.
وقد تتحول إشارة صغيرة إلى وعد لم يُقطع، وكلمة عابرة إلى التزام لم يُعلن، ولحظة قرب إلى مستقبل مفترض، ثم نعود بعد شهور أو سنوات لنحاسب الآخر على إخلاله بما لم يعدنا به أصلًا!
إننا، بعبارة أخرى، لا نكتفي بما يقدمه الواقع، بل نضيف إليه فائضًا من التمثّل، ثم نطالب الواقع بأن يحترم إضافاتنا إليه. وهنا يمكن للحب أن يصبح شديد القسوة، لا لأن المحبين قساة بالضرورة، وإنما لأنهم لا يدركون دائمًا الحدود الفاصلة بين الإنسان الذي يحبونه والإنسان الذي صنعوه في مخيلتهم.
والأغرب أن هذا الحب المشروط لا يستعبد المحبوب وحده، بل يستعبد المحب أيضًا.
فحين أشترط لاستمرار سلامي الداخلي أن يتصرف إنسان آخر بكيفية معينة، فإنني لا أكون قد فرضت قيدًا عليه فحسب؛ بل أكون قد سلمته مفتاح حريتي النفسية. فإذا اتصل، فرحت. وإذا تأخر، اضطربت. وإذا اقترب، اطمأننت. وإذا ابتعد، انهرت. وإذا وافق الصورة التي صنعتها له، أحببت الحياة. وإذا خرج عنها، شعرت بأن العالم قد خانني.
فمَن المستعبَد هنا؟ ربما كلاهما. فأحدهما هو أسير المطالب التي فُرضت عليه، والآخر هو أسير انتظار تحققها.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات الحب المشروط إيلامًا، حيث نظن أننا نقيد الآخر بشروطنا، بينما تكون السلاسل قد التفّت حول قلوبنا نحن أيضًا!
غير أن الدعوة إلى التحرر من الحب المشروط لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى وهم آخر. فالتحرر لا يعني أن نصبح حجارة لا تحتاج إلى أحد، ولا أن نتظاهر بأن الفقد لا يؤلم، ولا أن نقبل الإساءة والخيانة والإهمال بحجة أن “الحب الحقيقي غير مشروط”. فالإنسان يحتاج، ومن حقه أن يضع حدودًا لعلاقاته، وأن يقرر ما يستطيع احتماله وما لا يستطيع، وأن يغادر علاقة تؤذيه أو تهينه أو تستنزفه.
ولكن ثمة فارقًا جوهريًا بين شرط العلاقة وشرط الحب. فمن حقي أن أقول: لا أستطيع الاستمرار في علاقة تقوم على الكذب، ولكن هذا يختلف عن أن أقول: عليك أن تصبح الشخص الذي أريده لكي أسمح لك بأن تكون محبوبًا. ومن حقي أن أختار المسافة التي تحميني، لكن ليس من حقي أن أطالب الآخر بأن يعيد تشكيل ذاته حتى تتطابق مع الصورة التي صنعتها له. فالتحرر من الحب المشروط ليس إلغاءً للحدود، وإنما هو تحرير للحب من وهم الملكية.
ولعل التحرر الحقيقي يبدأ بسؤال بالغ القسوة على النفس: كم من الشروط وضعتُها لمن أحب ثم أقنعت نفسي بأنها من مقتضيات الحب؟ وكم مرة قلت «لأنني أحبك» بينما كان المعنى الخفي: «لذلك ينبغي أن تفعل ما أريد»؟ وكم مرة اعتبرت اختلاف الآخر عن صورتي له تقصيرًا منه، بدل أن أراه خطأً في الصورة التي صنعتها أنا؟ وكم مرة أردت منه أن يُطمئن مخاوفي بدل أن أتعلم أنا كيف أواجهها؟ وكم مرة حمّلته مسؤولية جروح لم يكن هو الذي أحدثها أصلًا؟ إنها أسئلة مؤلمة، لأنها تنقل مركز المحاكمة من الآخر إلى الذات. ولكنها، في الوقت نفسه، بداية التحرر. فليس المطلوب أن نتوقف عن الحب، وإنما أن نكف عن مطالبة من نحب بأن يدفع ثمن حبنا له. وليس المطلوب أن تقل مشاعرنا، وإنما أن تقل القيود التي نصنعها باسمها. وليس المطلوب أن يصبح الآخر أقل قيمة، وإنما أن يصبح أكثر حرية في أن يكون آخرًا بالفعل؛ لا امتدادًا لنا، ولا مرآة لرغباتنا، ولا ممثلًا يؤدي الدور الذي كتبناه له سلفًا!
ربما كان هذا هو الامتحان الأصعب للحب: أن نستطيع رؤية الآخر خارجنا. وأن نعترف بأن له عالمًا داخليًا لا نملكه، ورغبات لا تدور جميعها حولنا، ومخاوف لا نفهمها كلها، وحقًا في التغير، بل وحتى حقًا في ألا يكون الإنسان الذي تمنينا أن يكونه. عندها فقط يبدأ الحب بالخروج من دائرة الامتلاك إلى فضاء اللقاء. أنا أحبك، لكنني لا أملكك. أحتاج إليك، لكن حاجتي لا تمنحني السيادة عليك. أتمنى بقاءك، لكن أمنيتي ليست أمرًا ملزمًا لك. أتألم لغيابك، لكن ألمي لا يحولك إلى مذنب. وأفرح باختيارك لي، لأن اختيارًا لا يستطيع صاحبه أن يسحبه لم يكن اختيارًا منذ البداية.
ولعل هنا تكمن المفارقة الأخيرة والأجمل: أننا كلما حاولنا ضمان الحب قتلنا شيئًا من معناه، لأن قيمة الحب تأتي، في جانب عميق منها، من أنه اختيار حر. فالذي لا يستطيع الرحيل فليس هناك أي معنى أصلاً لبقائه. والذي أُلزم بأن يحب لا معنى لحبه. والذي اضطر إلى مطابقة صورتنا عنه لم نعد نعرف إن كنا نحبّه هو أم نحب نجاحنا في تشكيل!
ولهذا ربما آن لنا أن نتحرر من ذلك الحب الذي سميناه «غير مشروط» بينما أثقلناه بالشروط، وأن نراجع تلك العقود السرية التي كتبناها في دواخلنا ثم طالبنا الآخرين بالوفاء بها!
لا لكي نحب أقل، بل لكي يكون في حبنا حب أكثر، وامتلاك أقل. ولكي نستعيد تلك الحقيقة التي حجبتها عنا حاجاتنا ومخاوفنا وفائض تمثّلنا: فأن أحب إنسانًا لا يعني أن يصبح لي، بل ربما يكون أصدق ما يمكن أن يفعله الحب هو أن يسمح له، للمرة الأولى، بأن يكون هو!

أضف تعليق