الشريط الوردي في المعصم… كيف أُطعمنا السُّم بملعقة من ذهب؟!

تخيّل أنك تدخل متجراً شاسعاً، أضواؤه مبهرة، ورفوفه محملة بأفخر البضائع. فتختار ما تشاء، وعند الخروج، يبتسم لك الموظف ويقول: “لا داعي للدفع.. كل شيء مجاني!”. فهل ستخرج مسروراً فحسب، أم أن جزءاً غريزياً في عقلك سيتساءل: وأين القيد المكتوب بخط صغير في أسفل العقد؟
وهذا المتجر ليس خيالاً؛ بل هو العالم الذي نعيش فيه اليوم، وهو عالم أتاحه لنا التحالف غير المعلن بين عمالقة “وادي السيليكون” ووسائل الإعلام الجديدة، وهو تحالف منح كل فرد منا، بمجرد امتلاكه هاتفاً ذكياً، “سلطة المطلق”: أن يكتب تاريخه الخاص، وأن يحلل حاضره، وأن يوجه بوصلة المستقبل عبر شاشة لا تتعدى بضعة بوصات.
ولكن، بينما نحن مستمتعون بهذه “الديمقراطية الرقمية” والخدمات السحرية التي تسهل حياتنا، فهناك صحفية اقتصادية تُدعى رانا فوروخار تهمس في آذاننا عبر كتابها الجديد  “Don’t Be Evil” (لا تكن شريراً) همسةٌ مفادها: انتبه، البضاعة المجانية ليست سوى طُعم، والبضاعة الحقيقية هي أنت! فقد تقول لنفسك: “أنا مستفيد، أعمل من خلال هذه المنصات، أصل لجمهوري، أتسوق بضغطة زر، وأقضي أوقاتاً ممتعة.. فما المشكلة إن أخذوا بعض بياناتي؟”. وهنا تحديداً تجيبك فوروخار بذكاء: المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في “نموذج العمل”.
رسالة الكتاب للجمهور العام ليست دعوة للاعتكاف في الكهوف وإلقاء الهواتف في المحيط، بل هي كشف للغش التجاري. فلقد أقنعتنا الشركات بأننا “عملاء” نتمتع بصلات مجانية، بينما الحقيقة الاقتصادية تقول إننا لسنا سوى “عمال مناجم” نستخرج البيانات مجاناً لصالحهم، ليُعاد تشكيلها وبيعها إلى المشتري الحقيقي: شركات الإعلان وسياسيو توجيه الرأي العام!
أما للمشرعين وصناع القرار، فالرسالة أشد خطورة: فالقوانين التي تحمي مجتمعاتنا اليوم كُتبت منذ قرن مضى، بينما عمالقة التكنولوجيا يلعبون لعبة جديدة لا تخضع لأي قانون احتكار تقليدي.
ولم يكن لهذا الكتاب أن يصدر من دون أن يُحدث جلبة معرفية؛ فقد انقسم حوله النقاد والخبراء إلى فريقين:
• فريق يرى فيه انحيازاً وإثارة؛ حيث أعتبر بعض النقاد أن الكاتبة، بحكم خلفيتها الاقتصادية في صحيفة Financial Times، قد نظرت الى التكنولوجيا بعينين حسابيتين مجردتين، فبالغت في نبرة التحذير، وأسقطت تهم الاحتكار المالي التقليدي على عالم يتطور بسرعة ويسدي خدمات جليلة للرقمية البشرية.
• وفريق يراه صرخة في الوقت المناسب: رأى آخرون أن تشخيصها دقيق وعميق، لأنه ينفذ إلى جوهر المشكلة: استغلال علم النفس البشري لتحقيق أعلى عائد مالي على حساب صحة المجتمعات النفسية والسياسية.
إننا اليوم على أعتاب مرحلة تتلاشى فيها الضوابط التي تحكم “ذكاء الآلة”. فالخوارزميات لم تعد تكتفي بتقليل ما نشاهده، بل أصبحت تفكر وتصمم وتتخذ القرارات نيابة عنا. وهنا تكمن قيمة الكتاب الكبرى؛ فهو يشرح كيف أن النظام الذي يُغذي الذكاء الاصطناعي اليوم أُسس على مبدأ “رأسمالية المراقبة”. فعندما تأسست جوجل، كان شعارها غير الرسمي “لا تكن شريراً” (Don’t Be Evil) . ولكن مع السعي المحموم لنيل رضا المستثمرين وزيادة الأرباح، تم دهس هذا الشعار. واليوم، ونحن نرى التنافس المحموم بين الشركات لإطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي دون وجود قوانين ضابطة، يتكرر المشهد ذاته: النمو أولاً، وأخلاقيات الآلة… نربطها لاحقاً إذا تسنى لنا الوقت!
لم تكن فوروخار الأولى التي تحذر من التكنولوجيا، لكنها كانت الأبرز في تقديم طرح يختلف عن الآخرين:
1. وادي السيليكون هو “وول ستريت” الجديد: لم تتعامل مع عمالقة التكنولوجيا كشركات ابتكار هندسي، بل كؤسسات مالية جشعة تشبه تماماً بنوك “وول ستريت” التي تسببت في الأزمة المالية العالمية عام 2008.
2. لغة الأرقام لا العواطف: لم تبكِ على الخصوصية الضائعة بأسلوب رومانتيكي، بل حللت ميزانيات الشركات، ونماذج الاحتكار، وكيف تُسرق القيمة الاقتصادية من الأفراد لصالح خزانة قليلة في كاليفورنيا.
3. تقديم خريطة طريق: لم تكتفِ بالتشخيص، بل طرحت حلولاً تتعلق بتعديل قوانين المنافسة، وفرض ملكية الفرد لبياناته الشخصية كممتلكات خاصة لا يجوز انتهاكها.
كلمة أرجو أن تتذكرها عند إغلاق هذه الشاشة: أن تكون مستفيداً من العالم الجديد ليس خطأً، بل هو جزء من التكيف الإنساني. ولكن الاستفادة دون وعي هي صورة أخرى من الانقياد.
فكتاب “Don’t Be Evil” لا يطلب منك أن تتخلي عن هاتفك، بل يطلب منك أن تمسك به وأنت تعرف تماماً من يمسك بالطرف الآخر من الخيط. عندما تكون الخدمة مجانية، تأكد أنك لست المستهلك… بل أنت الوجبة الرئيسية على الطاولة!

أضف تعليق