
طالما نظر التاريخ الإنساني إلى العبقرية بوصفها قريناً للذكورة؛ حيث يُمنح فيها الذكر العبقري حق الغرابة والعزلة والغفران المسبق لكل كبواته الإنسانية، باعتبارها ضريبة متوقعة لثقل عاطفته وعقله. ولكن، ماذا يحدث عندما تتلبس هذه العبقرية الفذة عقل امرأة؟ هنا تتحول العبقرية من “هبة” إلى “جريرة”، وتصبح الأنوثة في نظر المجتمع الأكاديمي والاجتماعي العائق الأكبر الذي يتطلب من المرأة العبقرية دحضه أولاً قبل أن يُسمح لها بدخول مضمار الفكر! يطرح الفيلم الفرنسي “معادلة مارغريت”
(Le Théorème de Marguerite)
هذه الإشكالية بعمق نافذ، مستعرضاً الأزمة الوجودية والانفعالية التي تواجهها المرأة حين تمثل تحدياً مزدوجاً لـ “الآخر الذكر”؛ وهو تحدٍ بكونها منافساً نادراً، وتحدٍ بكونها امرأة تسلب منه احتكار التفوق المعرفي!
تُنسج حبكة الفيلم حول “مارغريت”، الباحثة الشابة في علم الرياضيات بجامعة مدرسة الأساتذة العليا في باريس، والتي تفني شبابها في حل “حدسية غولدباخ”. ففي شخصية مارغريت، نرى تجسيداً دقيقاً لصدام كينونتين: المرأة والعبقرية. ففي الوسط الأكاديمي، تُحاصر المرأة العبقرية بعيون ترصد خطأها وليس برهانها؛ حيث يُنظر إلى انفعالاتها أو تعثرها على أنه دليل على “عدم ملاءمة المرأة لصرامة العلوم الدقيقة”! فتفوق مارغريت لا يُستقبل باحتفاء مجرد، بل كتهديد لهرمية القوة التي يمثلها أستاذها المشرف “لوفيي”. فالعبقري الذكر يرغب في “تلميذة” تتبعه، لا “ندٍّ” يسبقه! فالعالم الذكوري يرفضها لأنها تزاحمه في ملعبه، بينما تغدو هي نفسها غريبة عن مجتمع النساء العاديات. فتجد المرأة العبقرية نفسها في منطقة وسطى قاحلة، لا أرضاً تقف عليها ولا سماء تظللها.
وتتجلى عبقرية المعالجة السينمائية في إبراز الشروخ الداخلية لمارغريت عندما يكتشف زميل لها خطأً في حساباتها أثناء عرضها الأكاديمي. فالانهيار الذي يصيبها ليس مجرد إحباط علمي، بل هو انهيار وجودي شامل؛ وذلك لأنها تختزل كل كينونتها وهويتها في منطق الرياضيات.
حيث تحول الصراع الخارجي إلى ساحة داخلية أعنف. فأدواتها وأسلحتها كانت الأرقام والتجريد المنطقي، وذلك في مواجهة الهشاشة العاطفية المكبوتة. ولقد تجلى هذا كله في ممارسة مفرطة في قسوتها؛ إذ تمثلت في جلدٍ صارمٍ للذات، وذلك لأنها تدرك أن البيئة لا تغفر تعثر الأنثى؛ فتتبنى عندها مارغريت حكم البيئة نفسه؛ حيث تُصدر بحق نفسها عقوبة الإقصاء والانعزال. وبذلك تتفاقم حالتها الانفعالية لأنها لا تملك منفذاً وجودياً لمعاناتها الفكرية. فالمنطق الجاف الذي احتمت به يصبح الأداة التي تجرح بها ذاتها.
لم تكن “مارغريت” سوى امتداد سينمائي لسلسلة طويلة من النساء العبقريات اللاتي دفعت كل واحدة منهن ضريبة باهظة جراء هذا التمايز الجنسي المزدوج، وذلك كما يتبين لنا بتذكر كلٍ من:
• الفيلسوفة وعالمة الرياضيات هيباتيا السكندرية؛ حيث تمثل أول مأساة مدونة للعبقرية النسائية، وذلك حين لم يُحتمل علمها وفلسفتها في عالم يسيطر عليه التعصب الذكوري والديني. فكانت نهايتها القتل والتمثيل ببدنها، لا لشيء إلا لأنها كانت امرأة تفكر وتُعلّم الرجال!
• الفيزيائية والكيميائية ماري كوري التي، وعلى الرغم من نيلها جائزتي نوبل، واجهت تمييزاً كاسحاً من الأكاديمية الفرنسية للعلوم التي رفضت عضويتها لمجرد أنها امرأة، وحوصرت بحملات صحفية لاذعة طالت حياتها الشخصية للتغطية على تفوقها العلمي الذي أربك المؤسسة الذكورية!
• عالمة البلورات روزاليند فرانكلين، والتي تمثل التجسيد الصارخ لسرقة العبقرية الأنثوية. فعلى الرغم من ان الصور التي التقطتها بواسطة الأشعة السينية ساهمت بشكل أساسي في اكتشاف بنية الـ “DNA”، فإن زميليها (واطسون وكريك) قاما باستغلال ابحاثها ونالا جائزة نوبل من بعد ان قاما باستبعاد اسمها! ولقد أدى ذلك التهميش الأكاديمي الى جعلها تؤثر الانعزال والابتعاد حتى وفاتها.
• عالمة الرياضيات صوفيا كوفاليفسكايا، التي اضطرت للزواج الصوري لتتمكن من السفر خارج روسيا ومتابعة ابحاثها ودراساتها في الرياضيات، وتم منعها من التدريس الجامعي الرسمي في جامعات أوروبا بسبب من كونها أنثى، وذلك على الرغم من شهادات كبار علماء عصرها بعبقريتها الفذة.
والآن، كيف تستطيع المرأة العبقرية المعاصرة أن تنأى بنفسها عن المصير الذي انتهت إليه النساء العبقريات اللائي سبقنها؟ يقدم الفيلم حلاً فلسفياً عميقاً عبر رحلة مارغريت لتفكيك أزمتها، وذلك باتباع الخطوات التالية:
1. النزول إلى أرض الحياة: تكتشف مارغريت أن العزلة الأكاديمية والتجريد المطلق ليسا سوى سجن اختياري. فعبر عملها في الأحياء الشعبية ولعب الـ (Mahjong)، تتصل مارغريت بالواقع والحس، فتكتشف أن الحياة أكبر من المعادلات!
2. الإقرار بأن هشاشة الإنسان قدرٌ لابد منه؛ حيث أن العبقرية الحقيقية لا تعني العصمة من الخطأ، بل القدرة على النهوض بعد ارتكابه. فالمرأة العبقرية يتعين عليها أن تمنح نفسها الحق في التعثر والضعف دون أن تشعر أن ذلك ينسخ تفوقها أو يُنقص من قدرها.
3. الانتقال من الصراع إلى الشراكة: تخرج مارغريت من فخ العزلة عندما تقرر التعاون مع زميلها “لوكاس”. فالتغلب على “الآخر الذكر” لا يتم بنفيه أو بالصراع الصفري معه، بل بهدم نمط التنافس الأكاديمي السام واستبداله بالبناء المعرفي المشترك الذي يحترم كفاءة العقل بغض النظر عن جنس صاحبه.
إن فيلم “معادلة مارغريت” ليس مجرد قصة عن صعوبة مسألة رياضية، بل هو وثيقة سينمائية تفكك المعاناة المركبة للمرأة العبقرية؛ وهي معاناة يتسبب فيها عجز مجتمعي عن استيعاب فكرة أن “العقل لا جنس له”.
وستبقى الأزمة الوجودية للمرأة العبقرية قائمة ما لم تتجاوز ثنائية “الأنثى والعبقرية”، وذلك لكي تتجاوز تلك الحدود التي يصر المجتمع العلمي على فرضها، وترى العقل في أبهى تجلياته الإنسانية: عقلاً يفكر ويشعر ويخطئ ويبدع.
