لسنا قضاة التاريخ… دعوة إلى تبعيض الحكم بدل اختزال الإنسان في حكم نهائي

ثمة هوس إنساني غريب لا يكاد يقتصر على ثقافة أو عصر أو جماعة بعينها يتمثل في هوس التعجل في إصدار الأحكام النهائية على الآخرين. فنحن لا نكتفي بأن نقول إن فلانًا فعل خيرًا أو ارتكب شرًا، أو أصاب في موقف وأخطأ في آخر، وإنما سرعان ما ننتقل من الحكم على الفعل إلى الحكم على الفاعل، ومن تقييم واقعة محددة إلى إصدار حكم شامل على إنسان كامل. وهكذا يصبح المرء، في أذهاننا، صالحًا أو طالحًا، عظيمًا أو وضيعًا، بطلًا أو مجرمًا، متنورًا أو متخلفًا، وكأن حياة الإنسان، مهما امتدت وتشعبت وتناقضت، يمكن ضغطها كلها في صفة واحدة توضع إلى جوار اسمه ثم تبقى ملتصقة به إلى الأبد. والأغرب من ذلك أننا نتصرف أحيانًا كما لو أن أحدًا يطالبنا بإصدار هذا الحكم! وكأن هناك محكمة خفية ينتظر قضاتها منا أن نحسم القضية، وأن نقول كلمتنا الأخيرة في هذا الإنسان قبل أن نغادر قاعة المحكمة. فلا يكفينا أن نقول: لا أعرف ما يكفي لإصدار حكم عليه. ولا نرتاح إلى القول: أستطيع الحكم على هذا الفعل، ولكنني لا أملك ما يسمح لي بالحكم على صاحبه حكمًا كليًا. بل يبدو تعليق الحكم، في ثقافتنا المعرفية، أحيانًا أشبه بالعجز، بينما قد يكون في الحقيقة أحد أكثر المواقف عقلانية وعدلًا. وتزداد المشكلة وضوحًا حين يتعلق الأمر بالشخصيات التاريخية.
فما أسهل أن نقرأ بضع صفحات عن شخصية عاشت قبل مئات أو آلاف السنين، ثم نشعر بأننا أصبحنا مؤهلين لإصدار حكم قطعي عليها! فنختار من سيرتها مجموعة من الوقائع، ونضعها في ميزاننا، ثم نصدر القرار: كان عظيمًا، كان شريرًا، كان عادلًا، كان مستبدًا، كان بطلًا، كان خائنًا. ولكن أين بقية حياته؟ وأين آلاف الأيام التي لم يصلنا عنها شيء؟ وأين الأقوال التي لم تُدوَّن، والأفعال التي لم يشهدها مؤرخ، والقرارات الصغيرة التي ربما كشفت جوانب مختلفة تمامًا من شخصيته؟ وأين الروايات التي ضاعت، والشهادات التي لم تصلنا، والمصادر التي كتبها خصومه أو أنصاره، والوقائع التي أعاد المنتصرون ترتيبها، وتلك التي محاها الزمن تمامًا؟ بل وحتى ما وصل إلينا، هل وصل كاملًا؟ فالشخصية التاريخية التي نحاكمها ليست، في معظم الأحيان، الإنسان التاريخي نفسه، وإنما الجزء الذي استطاع التاريخ الاحتفاظ به من ذلك الإنسان. وبين الاثنين “مسافة معرفية” ينبغي أن تجعلنا أكثر تواضعًا بكثير مما نحن عليه.
ولعلنا لهذا السبب بحاجة إلى مقاربة مختلفة تمامًا، لا تقوم على السؤال: «ما حكمنا النهائي على هذه الشخصية؟»، وإنما على سؤال أكثر تواضعًا ودقة: ما حكمنا على هذا الفعل تحديدًا؟
وهنا يمكن اقتراح ما أسميه “تبعيض الحكم”. والمقصود بذلك أن نتوقف عن التعامل مع حياة الإنسان باعتبارها وحدة أخلاقية متجانسة لا بد أن تحصل في النهاية على علامة واحدة، وأن نعيدها بدلًا من ذلك إلى وحداتها الفعلية: أفعال، أقوال، قرارات، مواقف، اختيارات.
فقد يرتكب الإنسان فعلًا عادلًا اليوم، ويفعل غدًا ما يناقضه. وقد يتخذ قرارًا شجاعًا في موضع، ثم يتصرف بجبن في موضع آخر. وقد يدافع عن مظلوم في قضية، ثم يظلم إنسانًا آخر في قضية ثانية! ولا شيء في هذا التناقض ينبغي أن يفاجئنا، لأننا نتحدث عن الإنسان، لا عن مفهوم تجريدي متماسك صُمم في كتاب فلسفة. ومن هنا لا يعود السؤال: هل كان فلان عادلًا؟ بل: هل كان هذا الفعل الذي صدر عنه عادلًا؟ ولا نسأل: هل كان فلان شريرًا؟ بل: هل كان هذا الفعل شرًا؟ ولا نقول: كان بطلًا لأن له أفعالًا بطولية، ولا مجرمًا لمجرد أن له فعلًا إجراميًا، وإنما نقول: هذا الفعل بطولي، وهذا الفعل إجرامي، وهذا الموقف عادل، وذلك الموقف ظالم. وبذلك ننقل مركز الحكم من هوية الفاعل إلى ماهية الفعل.
وهذا التحول، على بساطته، قد يحمينا من واحدة من أكثر مغالطاتنا الأخلاقية شيوعًا والتي تتمثل في أن تتحول فضيلة الفعل إلى عصمة للفاعل، أو تتحول رذيلة فعل آخر إلى إدانة أبدية لكل ما صدر عن صاحبه.
إن الحكم الكلي يخلق مشكلة أخرى شديدة الخطورة. فما أن نصنف شخصية ما حتى يبدأ التصنيف نفسه بتوجيه قراءتنا لأفعال هذه الشخصية! فإذا قررنا مسبقًا أنها شخصية عظيمة، شرعنا نبحث عن تفسيرات تبريرية لأخطائها. وإذا حكمنا عليها بأنها شخصية شريرة، أصبحنا نقرأ حتى أفعالها الحسنة بريبة، ونبحث وراءها عن مصلحة خفية أو نية سيئة! وهكذا لا يعود الفعل هو الذي يصنع حكمنا على صاحبه، بل يصبح حكمنا السابق على صاحبه هو الذي يصنع تفسيرنا للفعل! وهنا تنقلب عملية المعرفة رأسًا على عقب. أما «تبعيض الحكم» فيقترح العكس: أن نحرر الفعل، قدر الإمكان، من سطوة الاسم الذي يقف وراءه. فلا يكون الفعل صحيحًا لأن عظيمًا فعله، ولا باطلًا لأن شخصًا أدناه التاريخ فعله. ولا تتحول حسنات الإنسان إلى صك براءة من سيئاته، كما لا تتحول سيئاته إلى ممحاة تمحو كل ما صدر عنه من خير! فالفعل يجب أن يقف أمام ميزان الحكم منفردًا. وهذه ربما أقرب الطرق إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة في قراءة البشر والتاريخ.
يبقى السؤال الأصعب: إذا كنا سنجزئ حياة الإنسان إلى أفعال ونحكم على كل فعل بمفرده، فوفق أي معيار سيصدر حكمنا هذا؟ إن المقاربة المقترحة هنا تفترض ضرورة السعي إلى معيار أخلاقي يتعالى، قدر المستطاع، على انتماءاتنا وهوياتنا ومصالحنا؛ وهو معيار ينبغي ان لا يتغير لأن الفاعل من جماعتنا أو من جماعة أخرى، ولا لأن لونه أو جنسه أو دينه أو قوميته توافق ما نحن عليه أو تخالفه. فإذا كان قتل الأبرياء ظلمًا، فلا ينبغي أن يصبح عدلًا لأن القاتل ينتمي إلينا، وإذا كان اضطهاد الإنسان بسبب معتقده باطلًا، فلا يصبح مقبولًا لأن المضطهِد شخصية نحبها، وإذا كان إنقاذ إنسان بريء فعلًا محمودًا، فلا ينبغي أن نفقد القدرة على الإقرار بذلك لأن من قام به شخصية نرفض كثيرًا من أفعالها الأخرى!
إن الاختبار الحقيقي للعدل هو ليس قدرتنا على تطبيق معاييرنا على خصومنا، وإنما قدرتنا على تطبيق المعيار نفسه على خصمنا وحليفنا على حد سواء! وهذا هو المعنى الذي يمكن أن يحمله القول بميزان للحق والعدل يتعالى، في طموحه على الأقل، على الزمان والمكان والعرق واللون والجنس والدين والمعتقد والانتماء. فالتاريخ ليس قاعة محكمة تنتظر أحكامنا.
ولذلك يتوجب علينا، قبل كل شيء، أن نتخلص من ذلك الوهم الخفي القائل بأن علينا أن نمتلك رأيًا نهائيًا في كل شخص. فليس هنالك من يطالبنا بالقيام بذلك! ليس مطلوبًا منا أن نغلق ملف نابليون، أو الاسكندر، أو قيصر، أو جنكيز خان، أو أي شخصية أخرى، ثم نضع عليه ختمًا يقول: “صدر الحكم واكتسب الدرجة القطعية”! وليس نقصًا في المعرفة أن نقول: لا أملك من المعلومات ما يسمح لي بإصدار حكم نهائي على هذا الإنسان. بل ربما كان النقص الحقيقي هو أن نملك عشرة بالمئة من سيرته ثم نصدر حكمًا على المائة بالمائة منها!
إن المعرفة البشرية نفسها تقوم، في أفضل صورها، على قابلية المراجعة. فما الذي يجعل حكمنا على إنسان عاش حياة كاملة استثناءً من هذه القاعدة المعرفية؟ بل حتى الإنسان الذي يعيش معنا اليوم لا نعرف عنه إلا أجزاء. فنحن نرى منه ما يسمح لنا المكان والزمان والعلاقة بأن نراه، بينما تبقى مساحات واسعة من حياته وتجربته ووعيه ودوافعه وتاريخه خارج نطاق معرفتنا. فإذا كان هذا حال المعاصر الذي نستطيع الحديث معه، فكيف بمن تفصلنا عنه قرون ولا نعرفه إلا من أوراق متناثرة كتبها آخرون؟!
وهنا تجدر الإشارة الى ان ما تقدم بيانه وتفصيله لا يشير، من قريب او بعيد، الى أن ليس هنالك محددات ينبغي اخذها بنظر الاعتبار. فليس المقصود، بطبيعة الحال، إلغاء الحكم الأخلاقي. فالتخلي عن الحكم على الأفعال قد ينتهي بنا إلى نسبية تجعل الظلم والعدل مجرد وجهتي نظر. وهذا ليس ما تدعو إليه هذه المقاربة، بل المطلوب هو العكس، وذلك بأن يصبح حكمنا على الفعل أكثر صرامة، وحكمنا على الإنسان أكثر تواضعًا، وأن نقول بثقة، حيث تتوافر الوقائع: هذا الفعل ظلم، ولكن أن نتردد كثيرًا قبل أن نقول: هذا الإنسان هو الظلم متجسدًا. وأن نقول: هذا القرار كان عادلًا. لكننا لا نقفز منه مباشرة إلى القول: صاحبه إنسان عادل في كل شيء. فالفرق بين العبارتين هو الفرق بين حكم يستند إلى واقعة محددة وحكم يدعي الإحاطة بإنسان كامل!
ربما آن الأوان إذاً لأن نغير السؤال الذي نوجهه إلى التاريخ وإلى البشر. فبدل أن نسأل: من كان هذا الإنسان؟ بمعنى البحث عن كلمة واحدة نختزله فيها، يمكن أن نسأل: ماذا فعل هذا الإنسان؟ ثم نفكك الإجابة فعلًا فعلًا. ففعل هنا يستحق الإدانة، وفعل هناك يستحق الإشادة. وقرار يمكن الدفاع عنه، وقرار آخر لا يمكن تبريره. وموقف شجاع، وموقف جبان، ولحظة رحمة، ولحظة قسوة. وبذلك لا تعود التناقضات مشكلة ينبغي إخفاؤها حتى نحافظ على صورة متماسكة للشخصية، بل تصبح هي نفسها جزءًا من الحقيقة التي ينبغي قبولها. فالإنسان ليس حكمًا واحدًا، بل هو تاريخ من الأفعال.
ولعل أكثر ما ينبغي أن نتواضع حياله هو إدراك الفرق الهائل بين الحكم على ما نعرفه من الإنسان والحكم على الإنسان نفسه. فالحكم الأول ممكن، بل وضروري أحيانًا، أما الثاني فيفترض إحاطة لا نملكها. فلكي نصدر حكمًا نهائيًا على شخصية تاريخية، ينبغي، من حيث المبدأ، أن نعرف كل ما فعلته، وكل ما قالته، وكل القرارات التي اتخذتها، وكل السياقات التي أحاطت بهذه القرارات، وأن نميز الصحيح من الزائف في الروايات التي نقلت إلينا، وأن نعرف ما حُذف وما ضاع وما لم يُدوَّن أصلًا. وهذه معرفة يستحيل علينا امتلاكها. فلماذا إذاً نصر على إصدار حكم يحتاج إلى معرفة لا نملكها؟!
ربما لأن فائض التمثّل في الإنسان لا يحتمل بسهولة المساحات المفتوحة. فهو يريد أن يغلق الملف، وأن يضع الاسم داخل خانة، وأن يحول الشخصية المعقدة إلى تمثل بسيط يسهل حمله: بطل، شرير، قديس، طاغية، عبقري، أحمق، ضحية، جلاد! أما الحقيقة فكثيرًا ما تكون أقل راحة من ذلك كله. فالإنسان قد يكون هذا وذاك، ولكن في أفعال مختلفة وأزمنة مختلفة وسياقات مختلفة.
ومن هنا ربما يكون أحد أشكال النضج المعرفي والأخلاقي أن نتعلم فن الامتناع عن الحكم النهائي؛ ليس امتناعًا عن التمييز بين الخير والشر، ولا هروبًا من المسؤولية الأخلاقية، وإنما رفضًا للانتقال غير المشروع من معرفة الجزء إلى ادعاء معرفة الكل!
فلنحاكم الفعل حين نستطيع إثباته. ولنصف القرار حين تتوافر لنا معطياته. ولننتقد الظلم حيث وقع، ونقر بالعدل حيث تحقق، بصرف النظر عمن صدر عنه كلاهما. أما الإنسان كله، بحياته التي لا نعرف منها إلا شذرات، وبأفعاله التي ابتلع الزمن أكثرها، وبأقواله ودوافعه وتحولاته وتناقضاته التي يستحيل علينا الإحاطة بها، فلعل الأكثر عدلاً وقسطاً أن نترك ملفه مفتوحًا.
ليس لأن الحقيقة غير موجودة، بل لأن معرفتنا بها غير مكتملة! وحين نعجز عن الإحاطة بالإنسان كله، فإن التواضع لا يقتضي منا أن نتوقف عن الحكم على أفعاله؛ بل يقتضي شيئًا أدق هو أن نعرف أين ينتهي حقنا في الحكم، وأين يبدأ وهم امتلاك الحكم الأخير.

أضف تعليق