
لعل السؤال الأكثر إثارة في قصة الإنسان هو ليس: متى أصبح الإنسان إنسانًا؟ وإنما: متى بدأ الإنسان يشعر بأنه ليس من العالم الذي أنجبه؟
فثمة فرق هائل بين السؤالين. فالأول يبحث عن علامات يمكن تعقبها في العظام والأدوات والجينات وحجم الدماغ وآثار السلوك. أما الثاني فيبحث عن شيء لا يتحجر، ولا يترك وراءه عظمة أو أداة يمكن استخراجها من طبقات الأرض؛ فهو يبحث عن تلك اللحظة التي حدث فيها شيء ما داخل الوعي، فأصبح الكائن الذي كان يعيش في العالم قادرًا على أن يقف، تمثليًا، خارجه. وربما كانت تلك هي الانعطافة التطورية الأولى. فلم تكن، وفق هذه المقاربة، لحظة ظهور عضو جديد، ولا تغيرًا تشريحيًا يمكن تحديد تاريخه بسهولة، وإنما تحوّلًا في طبيعة العلاقة بين الكائن والعالم. فقبلها كان الكائن يعيش العالم. وبعدها أصبح قادرًا على تمثل العالم. وقد يبدو الفرق بين العبارتين صغيرًا، لكنه ربما كان واحدًا من أكبر الفروق التي عرفها تاريخ الحياة. فأن تعيش العالم يعني أن تستجيب لما هو موجود أمامك: طعام، خطر، شريك، منافس، مأوى، برد، حرارة، ألم.
أما أن تتمثّل العالم، فمعناه أن يصبح بمقدورك أن تستحضر ما ليس موجودًا أمامك، وذلك بأن تستعيد ما مضى، وتتوقع ما لم يأت، وتتخيل ما لم يحدث، وتعيد بناء ما حدث، وتنسب إلى الآخر نوايا لم يصرح بها، وتتصور نفسك في مكان آخر وزمان آخر، بل وأن تجعل ذاتك نفسها موضوعًا لتفكيرك. وعندها لم يعد العالم هو العالم وحده، بل نشأ إلى جانبه عالم آخر داخل الإنسان. وهنا ربما بدأت الغربة.
قبل هذه الانعطافة، يمكننا، على سبيل الفرض النظري، تصور العلاقة بين الكائن وبيئته باعتبارها علاقة مباشرة نسبيًا. فليس المقصود أن الكائنات الأخرى هي بلا إدراك أو ذاكرة أو توقع أو تمثل؛ فهذا ما لا تسمح لنا المعارف المعاصرة بقوله. فكثير من الحيوانات تمتلك قدرات معرفية وتمثلية متفاوتة التعقيد، ولكن المسألة التي تعنينا هنا ليست مجرد وجود التمثّل، وإنما تضخمه حتى يصبح فائضًا.
فالتحول الحاسم ربما لم يقع حين ظهر التمثّل لأول مرة، وإنما حين تجاوز وظيفته المباشرة في خدمة البقاء، وأصبح قادرًا على إنتاج عوالم لا يفرضها الواقع الحاضر. وهنا يصبح الحديث عن فائض التمثّل ضروريًا. ففي لحظة ما من التاريخ التطوري للإنسان، لم يعد التمثّل مجرد أداة يستخدمها الكائن لكي يتحرك داخل العالم، وإنما أخذ يتحول إلى وسيط دائم بينه وبين العالم. فلم يعد الإنسان يرى الشيء فحسب، بل صار يرى أيضًا ما يعنيه الشيء. ولم يعد يرى الإنسان الآخر فحسب، بل صار يرى ما يظنه فيه، وما يتوقعه منه، وما يخشاه فيه، وما يتمناه منه. ولم يعد يعيش الحاضر فحسب، بل صار يحمل الماضي معه، ويستقدم المستقبل إليه. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الإنسان يعيش في واقع واحد، بل أصبح يعيش في الواقع، وفي تمثّله للواقع. وهذان لا يتطابقان بالضرورة.
وربما كانت الغربة الإنسانية، في أعمق صورها، هي المسافة التي نشأت بين الواقع وتمثّله. فحين أصبح الإنسان قادرًا على تمثل العالم، أصبح قادرًا كذلك على أن يقف منه موقف المراقب. والكائن الذي يستطيع أن يجعل العالم موضوعًا لوعيه قد خطا، من حيث لا يدري، الخطوة الأولى إلى خارجه!
فالإنسان ظل حيوانًا حيًا خاضعًا لقوانين الطبيعة، فهو يحتاج إلى الماء والغذاء والأكسجين، ويخضع للمرض والشيخوخة والموت، وتحكم جسمه الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا نفسها التي تحكم بقية الكائنات. ولكن شيئًا آخر وقع. فلقد أصبح قادرًا على القول، ولو في صورة أولية سابقة على اللغة التي نعرفها: أنا… والعالم.
وهنا ظهرت الـ “أنا” في مواجهة “العالَم”. وربما كانت هذه أول بذرة للغربة الإنسانية. فالطبيعة التي كان الكائن منغمسًا فيها أصبحت شيئًا يمكن النظر إليه. والذات التي كانت تعيش أصبحت شيئًا يمكن التفكير فيه. وما إن صار الإنسان قادرًا على تمثل نفسه، حتى أصبح قادرًا على مقارنة ما هو عليه بما يريد أن يكون عليه، وما كان عليه بما أصبح عليه، وما يملكه بما يملكه الآخر، وما يحدث بما كان ينبغي، في تصوره، أن يحدث!
وهكذا لم يعد الألم مقصورًا على الألم، فلقد أصبح هناك تمثّل للألم. ولم يعد الخوف مقصورًا على الخطر الحاضر، بل أصبح هناك خوف مما قد يحدث. ولم تعد الخسارة مقصورة على الشيء المفقود، بل أصبح هناك عالم كامل مما كان يمكن أن يكون لو لم تقع الخسارة. وهنا بدأت الطبيعة تنتج، عبر الإنسان، نوعًا من المعاناة لم يكن يحتاج إلى حضور سببها المادي لكي يستمر.
ولعل واحدة من أعجب نتائج الانعطافة التطورية الأولى أن الإنسان أصبح الكائن الذي يستطيع أن يكون في مكانين وزمانين في اللحظة نفسها. فجسمه هنا، لكن وعيه هناك. ويجلس آمنًا، لكنه يعيش خطر الغد. ويعيش الحاضر، لكنه يتألم بسبب الأمس. ويملك شيئًا، لكنه يعاني بسبب شيء يتخيل أنه كان ينبغي أن يملكه. ويكون محبوبًا، لكنه يخشى أن يُهجَر. ويكون حيًا، لكنه يستطيع أن يعيش رعب موته قبل أن يأتي الموت بعقود. وهذه قدرة مدهشة بلا شك.
ومنها وُلد التخطيط والفن والأسطورة والعلم والفلسفة، ومنها استطاع الإنسان أن يبني ما لم يكن موجودًا وأن يتصور ما لم تره عيناه. ولكن القدرة نفسها حملت معها ثمنًا وجوديًا باهظًا. فالكائن الذي يستطيع مغادرة الحاضر يستطيع كذلك أن يفقد مأوى الحاضر.ومن هنا ربما بدأت الغربة لا بوصفها عارضًا نفسيًا يصيب بعض البشر، وإنما بوصفها احتمالًا كامنًا في البنية الجديدة للوعي الإنساني نفسه.
وعند هذه النقطة يصبح ذلك الشعور الغريب الذي ينتاب الإنسان وسط الطبيعة أكثر قابلية للفهم. فنحن نقف أمام الغابة ونرى فيها انسجامًا. والشجرة والتربة والفطر والحشرة والطائر والماء تبدو مفردات لشبكة واحدة. ثم نشعر بشيء محير: نحن نعرف أننا من الطبيعة، لكننا نشعر بأننا نقف أمامها. وهذا «الأمام» قد يكون واحدًا من آثار الانعطافة التطورية الأولى. فالإنسان لم يغادر الطبيعة، وإنما اكتسب قدرة جعلته يستطيع تمثل الطبيعة بوصفها شيئًا غيره. وهكذا أصبح ابن الطبيعة قادرًا على النظر إلى أمه كما لو كانت موضوعًا خارجيًا.
ولعل هذا يفسر شيئًا من ذلك التناقض العجيب في علاقتنا بالطبيعة. فنحن أكثر الكائنات قدرة، بحسب ما نعرف، على دراسة الطبيعة وفهم قوانينها وتصنيف كائناتها وتأمل جمالها، لكننا كذلك قادرون على التعامل معها باعتبارها «موارد» تقع خارجنا، فنقطع ونستخرج ونستنزف ونلوث كما لو أن ما يحدث لها يحدث لشيء لا ننتمي إليه!
وهكذا لم تكن الغربة شعورًا فحسب، فلقد أصبحت احساساً وجودياً يضطر الانسان الى حمله معه حتى وهو في داخل الطبيعة التي كانت يوماً المرتع الذي ترعرع فيه!
لكن الانعطافة لم تتوقف عند الفصل التمثلي بين الإنسان والطبيعة.
فما إن أصبح الإنسان قادرًا على تمثل العالم، حتى أصبح الإنسان الآخر بدوره موضوعًا للتمثّل. وهنا وقع تحول بالغ الدلالة: فأنا لم أعد أتعامل معك أنت فحسب، بل أصبحت أتعامل كذلك مع صورتي عنك! فأفترض ما تفكر فيه. وأتوقع ما ستفعله. وأنسب إليك النيات. وأضعك في تصنيف. وأقارن نفسي بك. وأقرر إن كنت تشبهني أم تختلف عني. ثم أبني على هذه التمثلات مشاعر قد تبدأ بالحب والإعجاب، وتنتهي بالخوف والكراهية والعدوان!
ومع تضخم هذه القدرة، صار ممكنًا أن ينظر الإنسان إلى فرد من نوعه فلا يرى فيه «إنسانًا» أولًا، وإنما يرى عرقًا أو طائفة أو قبيلة أو طبقة أو قومية أو عدوًا. وهكذا نشأت إمكانية عجيبة: أن يكون أقرب الكائنات إلى الإنسان بيولوجيًا هو أبعدها عنه تمثليًا. ومن هنا يمكن فهم مفارقة الغربة المزدوجة. فالإنسان انفصل تمثليًا عن الطبيعة، ثم صنع داخل النوع البشري نفسه انفصالات تمثلية لا حصر لها، فأصبح بذلك غريباً عن أمه الطبيعة، وغريباً عن أخيه الإنسان. ثم جاءت الغربة عن الذات.
غير أن الانعطافة التطورية الأولى ربما حملت معها غربة ثالثة أشد عمقًا من السابقتين ألا وهي غربة الإنسان عن نفسه. فحين أصبحت الذات قادرة على تمثل ذاتها، انقسمت، مجازًا، إلى من يعيش ومن يراقب من يعيش.
فأصبح الإنسان يستطيع أن يسأل: من أنا؟ وكيف يراني الآخرون؟ وهل أنا جيد بما يكفي؟ وماذا كان ينبغي أن أكون؟ وماذا لو اتخذت طريقًا آخر؟ ولماذا فعلت ذلك؟ وماذا سيبقى مني بعد الموت؟
وهذه أسئلة عظيمة؛ منها نشأت مساحات واسعة من الفلسفة والأخلاق والفن. ولكنها كشفت كذلك عن شيء غير مسبوق: قدرة الكائن على أن يصبح مشكلة بالنسبة إلى نفسه. فلم يعد الصراع بين الكائن والبيئة فقط، بل أصبح الصراع ممكنًا داخل الكائن ذاته. فالذات الفعلية تقف أمام الذات المتخيلة، والواقع أمام الممكن، والحاضر أمام الماضي، وما نحن عليه أمام ما نظن أنه كان ينبغي أن نكونه. وهنا ربما نجد واحدًا من الجذور العميقة لذلك الطيف الهائل من القلق والندم والحسد والخجل والشعور بالنقص والخوف الوجودي الذي يميز جانبًا كبيرًا من التجربة الإنسانية. ليس لأنها جميعًا ظاهرة واحدة، ولا لأن لها سببًا نفسيًا وحيدًا، وإنما لأن الوعي الذي يستطيع تمثل ذاته قد أصبح قادرًا على إنتاج مسافة بين الإنسان ونفسه. وهكذا اكتملت الغربة في دوائرها الثلاث: غربة عن الطبيعة، وغربة عن الآخر، وغربة عن الذات.
قد يكون من الخطأ، مع ذلك، أن نقرأ الانعطافة التطورية الأولى باعتبارها كارثة تطورية بسيطة. فما صنع الغربة هو نفسه ما صنع الكثير مما نسميه إنسانيًا.
فمن فائض القدرة على التمثّل جاءت إمكانية تخيل شيء قبل صنعه. ومنها جاءت القدرة على بناء المستقبل في الذهن قبل تحويله إلى واقع. ومنها الفن، والحكاية، والرمز، والتجريد، والرياضيات، والفلسفة، والعلم. ولولا قدرتنا على مغادرة الموجود تمثليًا، لما استطعنا تصور ما ليس موجودًا ثم السعي إلى إيجاده. فالمشكلة هي ليست في التمثّل نفسه، بل المشكلة تبدأ عندما يتحول التمثّل من أداة تساعد الإنسان على التعامل مع الواقع إلى سلطة تنافس الواقع نفسه!
وهنا يصبح الفائض هو القضية. فنحن لا نتألم مما يحدث فقط، وإنما مما نتصور أنه قد يحدث. ولا نخاصم الآخرين بسبب ما فعلوه فقط، وإنما بسبب ما افترضنا أنهم قصدوه. ولا نكره ذواتنا بسبب ما نحن عليه فقط، وإنما بسبب الصورة التي صنعناها عما ينبغي أن نكون عليه. وقد نقاتل ونقتل ونموت دفاعًا عن كيانات تمثلية لا وجود ماديًا لها بالطريقة التي توجد بها الأنهار والأشجار، لكنها تصبح في وعينا أكثر واقعية من الواقع نفسه! وهنا يبلغ فائض التمثّل ذروة سلطانه.
لعل هذه العبارة تختصر الانعطافة التطورية الأولى: لقد خرج الإنسان من الطبيعة دون أن يغادرها. فالإنسان خرج من الطبيعة تمثليًا، وبقي فيها بيولوجياً!
ومن هذه المفارقة ربما بدأ جانب كبير من المأزق الإنساني. فجسمه ما يزال يطالبه بأن يكون كائنًا طبيعيًا، بينما يستطيع وعيه أن يبني عوالم تتجاوز الطبيعة وتعارضها وتعيد تفسيرها.
فالإنسان ينتمي إلى نظام الحياة، لكنه يستطيع تخيل نفسه سيدًا عليه. وينتمي إلى نوع واحد، لكنه يستطيع تقسيم هذا النوع إلى “نحن” و “هم”. فهو ذات واحدة، لكنه يستطيع بناء صورة عن ذاته ثم قضاء عمره كاملًا محاولًا مطابقتها أو الهرب منها! وربما لهذا لا ينبغي أن نفهم الغربة الإنسانية بوصفها مجرد مشكلة اجتماعية حديثة، ولا أثرًا جانبيًا للمدينة أو التكنولوجيا أو الرأسمالية أو انهيار الروابط التقليدية، على ما لهذه العوامل جميعاً من قيمة بالغة في تشكيل صورها المعاصرة. فقد تكون جذورها أقدم بكثير. وربما بدأت يوم أصبح الإنسان قادرًا على الوقوف، في وعيه، خارج ما هو موجود فيه بالفعل.
فإذا صح هذا التصور، فإن السؤال التطوري الأهم لا يعود: كيف حصل الإنسان على هذه القدرة؟ بل يصبح أيضًا: ماذا فعلت هذه القدرة بالإنسان بعد حصوله عليها؟ وهنا ربما تكون البيولوجيا التطورية قد شرحت لنا جانبًا بالغ الدلالة المعرفية من الطريق، لكنها لا تعفينا من دراسة ما ترتب على الوصول. فالتحول الذي منح الإنسان فائض التمثّل لم يمنحه العلم والفن والتخطيط وحدها، وإنما فتح كذلك الباب أمام ذلك الكائن الغريب الذي يستطيع أن يجلس وسط الطبيعة فيشعر بأنه ليس منها، ثم يعود إلى بني جنسه فيشعر بأنه ليس منهم، ثم يخلو إلى نفسه فلا يكون واثقًا حتى من انسجامه معها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق للغربة الإنسانية. فهي ليست مجرد فقدان مكان، بل هي فقدان التطابق؛ فقدان التطابق بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والآخر، وبين الإنسان وذاته.
ومن هنا ربما ينبغي ألا ننظر إلى الانعطافة التطورية الأولى باعتبارها اللحظة التي أصبح فيها الإنسان أذكى فحسب، وإنما باعتبارها اللحظة التي اكتسب فيها شيئًا أكثر خطورة: القدرة على أن يكون هنا، ويتخيل نفسه في مكان آخر. وأن يكون ما هو عليه، ويعاني مما يتصور أنه ينبغي أن يكونه. وأن ينتمي إلى الطبيعة، ويراها كأنها ليست هو. وأن ينتمي إلى البشر، ثم يقسمهم في وعيه إلى عوالم لا يكاد بعضها يلتقي ببعض. ربما كانت تلك بداية العبقرية الإنسانية. وربما كانت، في اللحظة نفسها، بداية التغريبة الإنسانية.
