ومن مفارقات الإنسان الوجودية… أنه يعجز عن الإحاطة بعالمه ثم يحكم على ما وراءه!

لعل من أغرب مفارقات الإنسان الوجودية أن هذا الكائن، الذي لم يستطع حتى الآن أن يحيط إحاطة معرفية محكمة بالعالم الذي وُضع فيه، قد امتلك من الجرأة المعرفية ما جعله لا يكتفي بمحاولة تفسير هذا العالم، وإنما يتجاوز حدوده ليصدر أحكامًا على ما يمكن وما لا يمكن أن يوجد وراءه!
فالإنسان لا يزال يعيش داخل كون تزداد أسئلته كلما ازدادت معرفته به. وكلما ظن أنه اقترب من إغلاق باب من أبواب المجهول، انفتحت أمامه أبواب أخرى لم يكن يعرف، قبل ذلك، أنها موجودة أصلًا. وهو لا يزال مختلفًا حول مسائل تتصل بطبيعة الوعي، وبنشأة الحياة، وبالبنية العميقة للكون، وبماهية الزمن، وبحدود القوانين الفيزيائية نفسها، فضلًا عن أسئلة أخرى كثيرة لم يحصل بشأنها على إجابات نهائية جامعة مانعة.
وليس في هذا ما ينتقص من قيمة العقل أو العلم؛ بل لعل عظمة العقل تكمن تحديدًا في قدرته على توسيع دائرة المعلوم باستمرار، وعظمة العلم في أنه لا يحتاج إلى الادعاء بأنه قد بلغ نهاية المعرفة لكي يكون أعظم أدوات الإنسان لفهم العالم. ولكن المفارقة تبدأ حين يتحول هذا التواضع المنهجي، الذي تقوم عليه المعرفة العلمية، إلى شيء آخر تمامًا، وذلك عندما ينتقل الإنسان من سؤال “العالَم المشهود” إلى سؤال الوجود في كليته. فكيف للكائن الذي لم يفرغ بعد من معرفة العالم الواقع داخل مدى أدواته الإدراكية والمعرفية أن ينتقل من قوله: «لا أملك دليلًا تجريبيًا على وجود شيء وراء هذا العالم» إلى قول أشد اتساعًا بكثير: “لا وجود لشيء وراء هذا العالم؟”. فثمة مسافة معرفية هائلة بين العبارتين. فالأولى تقدم لنا تقريراً عن حدود المعرفة المتاحة للإنسان، أما الثانية فهي حكم على الوجود نفسه. والأولى تقول شيئًا عنا وعن أدواتنا، بينما الثانية تزعم قول شيء عن مجموع الواقع، بما فيه ما قد يقع خارج نطاق تلك الأدوات ومدى تغطيتها المعرفية.
وهنا تظهر المفارقة في أوضح صورها. فالإنسان لا يعرف كل ما في العالم الذي يستطيع أن يراه، ولكنه قد يتصرف كما لو كان يعرف ما “يستحيل أن يوجد” في العالم الذي لا يستطيع أن يراه! والأمر يصبح أكثر إثارة للتأمل حين يكون موضوع الحكم هو الله. فالقرآن العظيم لا يقدم الله بوصفه جسمًا من أجسام العالم ينبغي البحث عنه في مكان ما من الكون، ولا بوصفه ظاهرة طبيعية أخرى تنتظر أن ترصدها أداة أكثر تطورًا، وإنما يقدمه باعتباره متعاليًا عن مماثلة الموجودات: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ويقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، ويعرّفه بأنه {الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}.
وبذلك يصبح السؤال أكثر دقة: بأي معنى يستطيع الإنسان أن يستخدم أدوات صُممت معرفيًا للتعامل مع ظواهر هذا العالم لكي يحسم بها، نفيًا أو إثباتًا، مسألة كيان يعرّف نفسه أصلًا بأنه ليس واحدًا من ظواهر هذا العالم ولا مماثلًا لشيء منها؟!
إن المجهر يستطيع أن يخبرنا بأشياء لا تراها العين، والتلسكوب يستطيع أن يرينا ما تعجز العين المجردة عن بلوغه، وأجهزة القياس تستطيع أن تكشف لنا ظواهر لم تكن حواسنا قادرة على اكتشافها مباشرة. ولكن توسيع مدى الأداة لا يغيّر بالضرورة المجال الأنطولوجي الذي تعمل فيه؛ فهي، مهما بلغت دقتها، تظل تبحث في القابل للرصد والقياس والاستدلال من داخل العالم الطبيعي.
ومن هنا فإن عدم العثور على الله بأداة مخصصة لدراسة الطبيعة لا يكون، في ذاته، برهانًا على عدم وجوده؛ مثلما أن عدم إمكان وزن فكرة بميزان لا يشكل برهانًا على عدم وجود الأفكار! فالخلل هنا قد يكون في عدم ملاءمة أداة السؤال لطبيعة موضوعه قبل أن يكون في الجواب الذي حصلنا عليه.
لكن ينبغي، في المقابل، ألا نقع في الخطأ المعاكس. فحدود المعرفة الإنسانية ليست برهانًا تلقائيًا على وجود الله أيضًا. ولا يصح أن نقول: ما دمنا نجهل أشياء كثيرة، فلا بد إذاً من وجود الله. فالجهل لا يثبت الوجود كما أنه لا يثبت العدم.
وهذه النقطة ضرورية، لأنها تنقل المسألة من سجال مبسط بين «الإيمان» و«الإلحاد» إلى سؤال إبستمولوجي أعمق بكثير: ما هي الحدود التي يحق للعقل، ضمنها، أن يحوّل عدم معرفته إلى حكم على الوجود؟
فإذا قال إنسان: «لا أرى في الأدلة المتاحة لي ما يكفي لكي أؤمن بوجود الله»، فإنه يصف موقعه المعرفي، ويمكن مناقشة الأدلة معه. أما إذا انتقل إلى القول إن «وجود الله مستحيل»، فإنه لم يعد يصف معرفته فحسب، وإنما أصدر حكمًا على مجموع الممكن الوجودي. وهنا يصبح من المشروع أن نسأله: من أين جاءت المعرفة التي سمحت لك بإغلاق باب الإمكان؟
ذلك أن نفي شيء نفيًا مطلقًا قد يكون، في بعض المسائل، ادعاء معرفيًا أوسع بكثير من مجرد عدم العثور عليه.
ولعل هذه المفارقة تكشف إحدى أغرب خصائص الإنسان. فالإنسان يستطيع أن يكون شديد الحذر حين يتحدث عن أصغر تفاصيل العالم، ثم يصبح شديد اليقين حين يتحدث عن الوجود كله! فقد يحتاج الباحث إلى سنوات من التجارب قبل أن يسمح لنفسه بإثبات علاقة بين متغيرين محدودين، لكنه قد ينتقل، في حديث فلسفي، إلى إصدار حكم على ما وراء الطبيعة بكلمات قليلة! وكأن اتساع المعرفة، بدلًا من أن يزيد الإنسان تواضعًا، يمنحه شعورًا زائفًا بحرية أكبر في إطلاق الأحكام.
وليس المطلوب من هذه المفارقة تعطيل العقل أمام السؤال الإلهي، بل العكس تمامًا، المطلوب أن نطالبه بأن يكون وفيًا لمعاييره المعرفية حتى النهاية. فإذا كان العقل قد تعلم، خلال تاريخ المعرفة، أن يقول: «لا أعلم» حين لا تكفي الأدلة، فلماذا تصبح هذه العبارة ثقيلة عليه حين يصل إلى أكثر الأسئلة اتساعًا؟! وإذا كان الإنسان يعترف بأن أدوات إدراكه محدودة، وأن معرفته بتاريخ الكون محدودة، وأن فهمه للوعي محدود، وأن النظريات التي يفسر بها الطبيعة قابلة للمراجعة، فمن أين يستمد اليقين الذي يسمح له بأن يرسم حدود الوجود الممكن كله، ثم يقرر ما الذي يجوز أن يوجد داخله وما الذي يستحيل أن يوجد؟
وهنا يمكن قراءة بعض الآيات القرآنية من زاوية معرفية لافتة، ومنها قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}. فالآية، بصرف النظر عن سياقها الخاص، تضع الإنسان أمام حقيقة مركزية في موقعه الوجودي: أن ما يعرفه لا ينبغي أن يُخلط بما هو موجود. فدائرة الوجود ليست بالضرورة مساوية لدائرة المعرفة البشرية به!
وهذا التمييز البسيط قد يكون واحدًا من أهم الفواصل بين التواضع المعرفي والتعالي المعرفي.
فليس كل ما لا نعرفه موجودًا بالضرورة، ولكن ليس كل ما لا نعرفه معدومًا أيضًا. وليس عجزنا عن البرهنة على شيء في لحظة معرفية معينة ترخيصًا بتحويل حدود معرفتنا إلى حدود للوجود نفسه!
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: فالكائن الذي لا يستطيع أن يقول لنا على وجه اليقين كلُّ ما يوجد داخل عالمه، قد يزعم أحيانًا أنه يستطيع أن يقول لنا على وجه اليقين ما “لا يمكن أن يوجد” وراءه!
ولعل المشكلة، في نهاية المطاف، ليست في أن الإنسان يسأل عن الله؛ فالسؤال عن الله هو واحد من أقدم وأعمق أسئلة الإنسان، ومن حق العقل أن يسأل وأن يشك وأن يطلب الدليل وأن يناقش. فالمشكلة تبدأ عندما ينسى العقل الفرق بين أن يسأل الوجود وبين أن ينصّب نفسه مشرّعًا لما يحق للوجود أن يكونه!
فقد تكون أعظم جرأة معرفية مارسها الإنسان يومًا ليست قوله: «أريد أن أعرف»، وإنما قوله “أنا أعرف كل ما يستحيل أن يكون موجودًا”.

أضف تعليق