
ثمة لحظات في تاريخ المعرفة لا تتناسب مدتها الزمنية إطلاقًا مع حجم ما يترتب عليها من نتائج. فقد تستمر المشكلة سنوات، بل قرونًا، عصيةً على الحل، تتعاقب عليها العقول، وتتراكم حولها الملاحظات والتجارب والمحاولات، ثم تأتي لحظة خاطفة لا تستغرق ربما أكثر من ثوانٍ قليلة، فإذا بما كان مستعصيًا يصبح واضحًا، وما كان مبهمًا ينتظم فجأة في صورة، وما كان مجموعةً من الوقائع المتناثرة يتحول إلى فكرة واحدة قادرة على إعادة ترتيب مجال كامل من مجالات المعرفة. إنها اللحظة التي اصطلحنا على تسميتها، استلهامًا من الحكاية الشهيرة المنسوبة إلى أرخميدس، بـ “لحظة يوريكا”: لقد وجدتها!
لكننا حين نطلق عليها اسمًا لا نكون بالضرورة قد فسرناها، بل لعل الاسم يخفي وراءه واحدًا من أكثر ألغاز الإبداع الإنساني إثارة. فما الذي يحدث، بالضبط، في اللحظة التي يفهم فيها العقل ما ظل عاجزًا عن فهمه قبلها؟
والآن، لنتأمل هذه المفارقة قليلًا. فهناك عقل بعينه، ومشكلة بعينها، ووقائع بعينها، وربما معلومات كانت موجودة كلها قبل لحظة الاكتشاف. ومع ذلك لم يكن الحل موجودًا في وعي صاحبه. ثم تحدث لحظة ما، لا يتغير فيها العالم الخارجي بالضرورة، ولا تظهر أمام الإنسان فجأة حاسة جديدة، ولا يضاف إلى دماغه عضو لم يكن موجودًا من قبل، ومع ذلك يحدث شيء ذو دلالة بالغة؛ حيث تتغير العلاقة بين الأشياء التي كان يعرفها أصلًا.
وهنا يكمن ربما أحد أسرار لحظة يوريكا. فالعبقرية لا تتمثل دائمًا في العثور على معلومة لم يعرفها أحد من قبل، وإنما قد تتمثل في رؤية علاقة لم يرها أحد بين معلومات كان يعرفها كثيرون. فلقد كان الآخرون يرون الأشياء نفسها، ولكنهم لم يروا ما بينها. وكانت الوقائع موجودة، ولكنها لم تكن قد انتظمت بعد في بنية قادرة على إنتاج المعنى الجديد. ومن هنا تصبح لحظة الاكتشاف أقرب إلى إعادة تنظيم مفاجئة للخريطة المعرفية منها إلى مجرد إضافة معلومة جديدة إليها.
غير أن هذا التفسير، على قيمته البالغة، لا يحل المشكلة كلها. فإذا كانت المعلومات موجودة، والعقل موجودًا، والمشكلة مطروحة، فلماذا لم تحدث لحظة الاكتشاف قبل ساعة؟ ولماذا لم تحدث قبل سنة؟ ولماذا لم تحدث لشخص آخر كان يمتلك المعلومات نفسها؟ ولماذا، في التاريخ الأوسع للمعرفة، كان على الإنسانية أحيانًا أن تنتظر مئات أو آلاف السنين حتى ترى علاقة تبدو لنا، بعد اكتشافها، شديدة الوضوح؟ وهذه واحدة من أعجب خصائص المعرفة البشرية: أن الاكتشاف يبدو مستحيلًا قبل حدوثه، ثم يبدو بديهيًا بعد حدوثه! وحين نقرأ تاريخ العلم بأثر رجعي نقع بسهولة في الوهم القائل إن الانتقال من السؤال إلى الجواب كان مسارًا منطقيًا مستقيمًا. فنضع الاكتشافات في الكتب واحدًا بعد الآخر، فتبدو المعرفة وكأنها سلم صعدته الإنسانية درجة بعد أخرى. ولكن التاريخ الحقيقي للفكر أكثر فوضى من ذلك بكثير. فهناك طرق مسدودة، وافتراضات خاطئة، وأفكار ظهرت قبل أوانها، وملاحظات صحيحة أسيء تفسيرها، وأدلة كانت حاضرة أمام الجميع من دون أن يدرك أحد معناها، وأحيانًا اكتشافات اقترب منها أشخاص كثيرون حتى كادوا يلمسونها، ثم جاء شخص آخر فوضع القطعة الأخيرة في موضعها.
فما هي هذه «القطعة الأخيرة»؟ ولماذا يراها عقل ولا يراها آخر؟
لقد أصبح علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب قادرين على تقديم بعض الإجابات الجزئية عن هذه الظاهرة. فنحن نعرف أن التفكير لا يقتصر على العمليات الواعية التي نشعر بها، وأن الدماغ يستطيع مواصلة معالجة العلاقات والمعلومات خارج بؤرة الانتباه المباشر، وأن الابتعاد المؤقت عن المشكلة قد يساعد أحيانًا على إعادة تنظيمها. ولهذا ارتبطت بعض الاكتشافات الشهيرة بالمشي، والاسترخاء، والاستحمام، والاستيقاظ من النوم، أو الانشغال بشيء آخر. وكأن العقل، حين يكف صاحبه عن إجباره على السير في الطريق نفسه، يجد فرصة لتجريب طرق لم يكن التفكير الواعي يسمح بها.
وهنا يظهر مفهوم الاحتضان في دراسات الإبداع: أن تترك المشكلة بعد الانشغال بها مدة، ثم تعود إليها لتجد أن شيئًا ما قد تغير في طريقة تمثلها. ولكن عبارة «المعالجة اللاواعية» نفسها ينبغي ألا تتحول إلى جواب سحري. فأن نقول إن الدماغ واصل معالجة المشكلة في الخلفية يصف جانبًا مما قد يحدث، لكنه لا يجيب بصورة نهائية عن السؤال الأعمق: لماذا انتهت تلك المعالجة إلى هذه الفكرة تحديدًا؟ ولماذا اتصلت هذه المعلومة بتلك؟ ولماذا حدث الاتصال في هذه اللحظة؟ ولماذا استطاع هذا العقل أن ينتقل من ملايين العلاقات الممكنة بين عناصر المشكلة إلى تلك العلاقة القليلة التي صنعت الحل؟ وهنا تبدأ حدود معرفتنا الحالية بالظهور.
وتصبح المسألة أكثر غرابة حين ننتقل من تاريخ الفرد إلى تاريخ الإنسانية. فلماذا احتاج الإنسان إلى قرون طويلة ليكتشف أشياء تبدو، بعد اكتشافها، كأنها كانت تنتظر أمام عينيه؟ ليس من العدل بالطبع أن نعزو ذلك كله إلى قصور أسلافنا. فالاكتشاف يحتاج غالبًا إلى شروط سابقة كأدوات قياس ولغة رياضية ومفاهيم ومشاهدات وتقنيات وتراكم معرفي يجعل السؤال نفسه قابلًا للصياغة بطريقة جديدة.
فثمة أفكار لا يمكن أن تولد إلا بعد أن تولد أفكار أخرى تمهد لها. ومن هذه الزاوية، لا يكون المكتشف فردًا منعزلًا عن التاريخ، وإنما يصبح النقطة التي بلغت عندها شبكة هائلة من التراكمات درجة سمحت بظهور علاقة جديدة بينها. ولكن حتى هذا لا يفسر كل شيء. فقد تتوافر الشروط، وتبقى الفكرة غائبة. وقد يمتلك عشرات الباحثين الأدوات والمعلومات ذاتها تقريبًا، ثم يرى أحدهم ما لم يره الآخرون. وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام تلك المسافة الغامضة بين إمكان الاكتشاف ووقوع الاكتشاف.
ولعل هذا هو «العلم السري» المقصود في عنوان هذه المقالة. ولا نقصد بالسرية هنا علمًا خفيًا أو قوة غيبية نعرف بوجودها، وإنما ذلك الجزء من عملية الإبداع الذي لم ننجح بعد في تحويله إلى وصف كامل قابل للتنبؤ. فنحن نستطيع أن ندرس الظروف التي تساعد على الإبداع، وأن نرصد نشاط الدماغ، وأن نقارن بين أنماط التفكير، وأن ندرس أثر الخبرة والذاكرة والانتباه والراحة والاحتضان وإعادة صياغة المشكلة. ولكن هل نستطيع أن نقول لإنسان: في الساعة العاشرة وسبعة عشر دقيقة من صباح الغد ستظهر في ذهنك الفكرة التي ستحل المشكلة التي عجزت عن حلها طوال السنوات العشر الماضية؟ والجواب كلا. وهذه الـ «كلا» جديرة بالتأمل. لأنها تعني أن قدرتنا على دراسة الإبداع لا تعني أننا أصبحنا قادرين على استحضار لحظة الإبداع متى شئنا. فنحن نعرف شيئًا عن شروطها، لكننا لا نملك مفتاحها الكامل.
وللحظة يوريكا خاصية أخرى شديدة الغرابة: إنها لا تغير المستقبل وحده، وإنما تغير قراءتنا للماضي أيضًا. فما أن يظهر الحل حتى نعود إلى المعلومات السابقة ونقول: كيف لم نر هذا من قبل؟ فلقد كانت العلامات كلها موجودة!
وهنا تكمن المفارقة.
فالعلامات لم تصبح «علامات» إلا بعد ظهور النظرية التي جمعتها. وما يبدو لنا دليلًا واضحًا بعد الاكتشاف ربما لم يكن قبل الاكتشاف إلا واقعة متناثرة بين آلاف الوقائع الأخرى. ولهذا فإن المعرفة الجديدة لا تضيف معلومة فحسب؛ بل تعيد تنظيم الماضي داخل وعينا. فهي تجعلنا نرى بأثر رجعي نظامًا لم نكن قادرين على رؤيته ونحن نعيش داخله. وبذلك تكون لحظة يوريكا أشبه بانقلاب في زاوية الرؤية: الأشياء نفسها باقية، ولكن الصورة تغيرت.
وهنا ربما نصل إلى الجانب الأكثر إثارة في المسألة. فالإنسان ليس مجرد منتج للأفكار، وإنما هو المحل الذي تظهر فيه الفكرة. وهذه العبارة تستحق شيئًا من التوقف. فحين تأتي الفكرة الكبرى، يشعر كثير من المبدعين والعلماء والفنانين بأنهم لم يصنعوها بالكيفية التي يصنع بها الإنسان شيئًا بيديه، وإنما كأنهم عثروا عليها فجأة؛ إذ أنهم يعرفون بالطبع أنهم عملوا طويلًا من أجلها، ولكن اللحظة الحاسمة نفسها كثيرًا ما تحمل طابع المفاجأة. وهذا ما يجعل فعل الإبداع واحدًا من أغرب الأفعال الإنسانية. فسنوات من العمل الإرادي قد تنتهي بلحظة لا يستطيع صاحبها أن يحدد على وجه الدقة كيف استدعاها. وكأن الإنسان يهيئ المسرح، ويرتب المقاعد، ويضيء الأنوار، لكنه لا يعرف تحديدًا متى سيظهر الضيف.
ولكن الأعجب من لحظة يوريكا هو الكائن الذي تحدث في دماغه هذه اللحظة. فهذا الدماغ الذي استطاع أن يكشف قوانين الطبيعة، وأن يخترع الرياضيات المتقدمة، وأن يقرأ تاريخ الكون في ضوء النجوم، وأن يفك الشفرة الوراثية، وأن يصنع آلات توسع حواسه إلى أعماق الذرة وأطراف الكون، هو الدماغ نفسه الذي يستطيع أن يصنع وسائل إفناء نفسه.
فالإنسان الذي يستطيع في لحظة فارقة أن يرى علاقة معرفية لم يرها أحد قبله، يستطيع في لحظة فارقة أخرى أن يضغط زرًا يطلق سلسلة من الأحداث قد تهلك مدنًا بأكملها. والعقل الذي أنتج الدواء أنتج السم. والذي اكتشف الطاقة اكتشف كيف يحولها إلى سلاح. والذي تعلم كيف يعدّل الحياة أصبح مضطرًا إلى التساؤل عما إذا كان سيعرف أين ينبغي له أن يتوقف.
وهكذا لا تعود لحظة يوريكا شهادة على عظمة الإنسان ببساطة، بل تصبح شهادة على غرابة الظاهرة الإنسانية برمتها! فزيادة القدرة لا تستلزم بالضرورة زيادة الحكمة. واتساع المعرفة لا يعني تلقائيًا اتساع القدرة على حسن استخدامها.
ربما لن يكون أعظم سؤال تطرحه لحظة يوريكا هو: كيف يكتشف الإنسان؟ بل: ما هذا الكائن الذي يستطيع أن يكتشف أصلًا؟ وكيف استطاعت “الطبيعة” أن تنتج كائنًا يستطيع، بعد مليارات السنين من تاريخ الكون، أن يجلس في ركن صغير من كوكب صغير ثم يحاول أن يفهم القوانين التي أنتجت النجوم والكواكب والحياة والدماغ الذي يفكر في هذه القوانين؟ ثم كيف يكون هذا الكائن نفسه عاجزًا، في أحيان كثيرة، عن إدارة غضبه، وضبط عدوانه، وتجاوز أوهامه، ومنع نفسه من استخدام أعظم مكتسباته المعرفية ضد أبناء جنسه؟!
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فلحظة يوريكا تكشف وجهًا من أكثر وجوه الإنسان إدهاشًا، ألا وهي قدرته على تجاوز حدود ما كان يعرفه قبل لحظة واحدة. ولكن التاريخ يكشف لنا وجهًا آخر لا يقل إدهاشًا يتمثل في قدرة الانسان على استخدام هذا التجاوز نفسه لكي يقترب من حافة هلاكه!
وبين هاتين اللحظتين يقف الإنسان: كائن يستطيع أن يقضي قرونًا أمام باب مغلق، ثم يعثر فجأة على المفتاح. وحين يعثر عليه، لا يبقى أمامه سؤال كيف عرفتَ أن تفتح الباب؟ بل ماذا ستفعل بما وجدته خلف الباب؟
