
لعل واحدة من أغرب مفارقات الإنسان المعرفية أنه الكائن الذي استطاع أن يطور من الأدوات والمناهج ما يمكّنه من اكتشاف أخطاء الآخرين، لكنه لا يزال يجد صعوبة بالغة في استخدام الأدوات والمناهج نفسها لاكتشاف أخطائه هو! فهو يستطيع أن يتتبع التناقضات في حجج خصومه، وأن يفند افتراضاتهم، وأن يكشف مواطن الضعف في استدلالاتهم، لكنه قد يعجز عن ممارسة القدر نفسه من الصرامة حين يتعلق الأمر بقناعاته الخاصة. وكأن العقل البشري قد تطور ليكون أداة بارعة في محاكمة العالم، من دون أن يصبح بالقدر نفسه أداة لمحاكمة ذاته.
غير أن الانعطافة التطورية الثانية، بما تتيحه من شراكة معرفية جديدة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، قد تضعنا أمام ضرورة إعادة النظر في واحدة من أكثر المسلّمات رسوخاً في ثقافتنا المعرفية والتي تتمثل في أن الخطأ نقيصة ينبغي تجنبها، وأن الاعتراف به هزيمة ينبغي اتقاؤها، وأن التراجع عن الرأي دليل على ضعف صاحبه، لا على قدرته على التعلم.
فماذا لو أصبحت القدرة على الاعتراف بالخطأ واحدة من أهم المهارات التي ينبغي لإنسان المستقبل أن يتقنها؟ وماذا لو لم يعد التميز المعرفي يُقاس بعدد المرات التي كان فيها الإنسان على صواب، وإنما بقدرته على اكتشاف أخطائه وتصحيحها قبل أن تتحول إلى قناعات يصعب التخلي عنها؟
ولعل الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي منا أن نبدأ بسؤال أكثر جذرية: لماذا يجد الإنسان صعوبة في الاعتراف بالخطأ أصلاً؟ فالخطأ، من حيث هو خطأ، لا ينبغي أن يمثل مشكلة وجودية للإنسان. فهو نتيجة متوقعة لكائن محدود المعرفة، محدود القدرة على الإحاطة بالوقائع، ومضطر إلى إصدار أحكامه استناداً إلى معلومات لا تكون مكتملة في معظم الأحيان! وإذا كانت هذه هي حال الإنسان، فإن وقوعه في الخطأ لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستغراب، بل أن المستغرب حقاً هو أن يتوقع من نفسه ألا يخطئ!
لكن المشكلة تبدأ حين لا يعود الرأي مجرد حكم على واقعة، وإنما يتحول إلى جزء من الصورة التي كوّنها الإنسان عن نفسه.
فالإنسان لا يقول دائماً: هذه فكرتي، بل قد يتعامل معها كما لو كانت امتداداً لذاته. ولا يرى في الاعتراض عليها اعتراضاً على مضمونها وحده، بل قد يستقبله باعتباره اعتراضاً على شخصه، وعلى كفاءته، وعلى مكانته بين الآخرين. وعندئذ يصبح الدفاع عن الفكرة دفاعاً عن الذات، ويصبح الاعتراف بخطئها أشبه بالتنازل عن جزء من الهوية.
وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه مدخلاً تفسيرياً يستحق النظر. فالإنسان، وفقاً للمقاربة التي نقترحها في الميتابايولوجيا، لا يكتفي بإدراك الوقائع والتعامل معها، وإنما يضيف إليها من تمثلاته ما يجعلها تتجاوز حدودها الواقعية. وقد لا يقتصر هذا الفائض على تصوره للعالم الخارجي، بل يمتد إلى تصوره لذاته، فيصنع لنفسه صورة معرفية مثالية، ثم يصبح أسيراً لها! فهو لا يريد أن يكون مصيباً فحسب، وإنما يريد أن يكون الإنسان الذي لا يخطئ! ولا يكتفي بأن يمتلك معرفة، وإنما يريد أن يكون جديراً بالمكانة التي يمنحها لنفسه بسبب امتلاكه إياها! ومن هنا قد يتحول الاعتراف بالخطأ من عملية معرفية بسيطة إلى مواجهة نفسية مع الصورة التي صنعها الإنسان عن ذاته.
ولعل هذه المواجهة هي ما يجعل كثيراً من البشر يفضلون الاستمرار في الدفاع عن فكرة ثبت ضعفها على الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين بشأنها! لكن ماذا يحدث عندما يدخل الذكاء الاصطناعي طرفاً في هذه المعادلة؟
فالإنسان كان، طوال تاريخه، يستطيع أن يحتمي إلى حد بعيد بمحدودية المعرفة المتاحة له. فقد لا يجد من يعارضه، أو قد لا تتوافر الأدلة التي تفند موقفه، أو قد يعجز خصومه عن صياغة اعتراضاتهم بصورة محكمة. وكان بوسعه، في كثير من الأحيان، أن يستمر في الاعتقاد بصحة رأيه لأن الظروف لم تضعه أمام اختبار جدي له.
أما اليوم، فقد أصبح في مقدوره أن يتحاور مع منظومة تستطيع أن تعرض عليه اعتراضات متعددة، وأن تقارن بين حججه وحجج مخالفيه، وأن تساعده على اكتشاف التناقضات التي لم ينتبه إليها، وأن تستحضر، متى توافرت لها المصادر المناسبة، معارف قد لا يكون قد اطلع عليها من قبل.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يمتلك الحقيقة، أو أن اعتراضاته صحيحة بالضرورة، وإنما يعني أن الإنسان قد أصبح يمتلك أداة جديدة تجعل إخضاع أفكاره للاختبار أكثر يسراً مما كان عليه في الماضي.
وهنا قد تبدأ واحدة من أهم التحولات المعرفية التي تتيحها الانعطافة التطورية الثانية. فبدلاً من أن يكون الهدف من الحوار مع الذكاء الاصطناعي الحصول على تأييد جديد لقناعاتي، يمكن أن يصبح الهدف اكتشاف ما إذا كانت هذه القناعات تستحق الاستمرار أصلاً! وبدلاً من أن أطلب منه صياغة المزيد من الحجج دفاعاً عن موقفي، يمكن أن أطلب منه البحث عن أقوى الحجج التي قد تدفعني إلى التخلي عنه.
ولكن هذا التحول لن يكون ممكناً ما لم أتعلم أولاً أن أفصل بين ذاتي وأفكاري. فأنا لست الفكرة التي أعتقد بصحتها اليوم، كما أنني لست الخطأ الذي ارتكبته بالأمس! وما أعتقده الآن ليس بالضرورة ما ينبغي أن أعتقده غداً، إذا ظهرت معطيات جديدة تستوجب إعادة النظر فيه.
ولعل هذه القدرة على الفصل بين الذات ومعتقداتها ستكون من أهم متطلبات الارتقاء إلى “أناي المستقبلية”. فالذات التي لا تستطيع التخلي عن أخطائها ستظل، مهما ازدادت معارفها، محكومة بتاريخها المعرفي السابق. أما الذات التي تستطيع الاعتراف بالخطأ، فإنها تمتلك إمكانية التحرر المستمر من القيود التي فرضتها على نفسها.
غير أن ثمة فرقاً ينبغي ألا نغفل عنه بين الاعتراف بالخطأ والتسرع في التخلي عن القناعات. فالإنسان الذي يغير رأيه كلما واجه اعتراضاً جديداً ليس بالضرورة أكثر نضجاً ممن يتمسك برأيه! وقد تكون مقاومة الاعتراض مبررة إذا كانت الأدلة التي يستند إليها أضعف من الأدلة المؤيدة للموقف الأصلي. كما أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يقدم اعتراضات خاطئة، أو يستند إلى معلومات ناقصة، أو يسيء فهم السياق الذي تشكلت فيه الفكرة.
ولذلك فإن المهارة المستقبلية التي نتحدث عنها هي ليست الاستعداد الدائم للاعتراف بالخطأ، وإنما القدرة على التمييز بين الخطأ الذي ينبغي الاعتراف به، والرأي الذي يستحق الدفاع عنه، والمسألة التي لم تتوافر بعد أدلة كافية لحسمها. وهذه القدرة تتطلب شيئاً أكثر عمقاً من مجرد التواضع المعرفي؛ إذ أنها تتطلب أن يتعلم الإنسان كيف يجعل من تصحيح الخطأ جزءاً طبيعياً من عملية التفكير نفسها. فبدلاً من أن تكون المراجعة حدثاً استثنائياً لا يلجأ إليه إلا بعد أن تتراكم الأدلة ضده، يمكن أن تصبح ممارسة منهجية تلازم تكوين الرأي منذ بدايته.
ولنتخيل، مثلاً، إنساناً يشرع في بناء نظرية جديدة، أو كتابة مقالة فلسفية، أو صياغة موقف من قضية اجتماعية. ففي النموذج التقليدي، قد يبدأ بجمع الأدلة المؤيدة لفكرته، ثم ينظمها في بناء استدلالي متماسك، ويبحث بعد ذلك عن أفضل الوسائل للدفاع عنها.
أما في النموذج الذي تتيحه الشراكة المعرفية مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يسير في اتجاه مختلف. فما إن يصوغ فرضيته الأولى حتى يطلب إخضاعها للاختبار، والبحث عن الحالات التي تعجز عن تفسيرها، والكشف عن الافتراضات التي لم يقدم برهاناً عليها، ومقارنتها بتفسيرات بديلة قد تكون أكثر اتساقاً مع الوقائع. وعندئذ لن يعود اكتشاف الخطأ حدثاً يأتي بعد اكتمال العمل، بل سيصبح جزءاً من عملية إنتاجه.
وقد تكون هذه إحدى أهم الإضافات التي تقدمها الانعطافة التطورية الثانية إلى منهج الإنسان في التفكير، وذلك بأن تساعده على الانتقال من ثقافة الدفاع عن النتائج إلى ثقافة الاختبار المستمر للمقدمات! لكن ثمة بعداً آخر لهذه المسألة لا يقل قيمة معرفية.
فالاعتراف بالخطأ لا يقتصر أثره على تصحيح المعرفة، وإنما يمتد إلى العلاقة بين الإنسان والآخرين. ذلك أن كثيراً من خلافاتنا لا تستمر بسبب تعذر الوصول إلى الحقيقة وحده، بل لأن أطرافها أصبحوا عاجزين عن التراجع من دون أن يشعروا بأنهم خسروا شيئاً من مكانتهم “المتخيَّلة”.
وقد يتحول الخلاف، عندئذ، من محاولة مشتركة لفهم مسألة إلى صراع يتعين فيه على كل طرف أن ينتصر، حتى لو اقتضى انتصاره الاستمرار في الدفاع عن موقف لم يعد مقتنعاً به تماماً. فماذا لو أصبح الاعتراف بالخطأ علامة على النضج المعرفي، وليس سبباً لفقدان المكانة الاجتماعية؟ وماذا لو تعلمنا أن نحترم الإنسان الذي يراجع موقفه استناداً إلى برهان جديد، بدلاً من أن نطالبه بالثبات على موقفه السابق لمجرد أنه سبق أن تبناه؟!
إن تحقق مثل هذا التحول لن يكون نتيجة تلقائية لانتشار الذكاء الاصطناعي. فالآلة تستطيع أن تساعدنا على اكتشاف الخطأ، لكنها لا تستطيع أن تضمن استعدادنا النفسي للاعتراف به. بل قد نستخدمها على النقيض من ذلك تماماً، فنطلب منها إنتاج المزيد من المبررات التي تمكننا من الاستمرار في الدفاع عن أخطائنا!
وهنا تظهر المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عنا: فقد يمنحنا الذكاء الاصطناعي قدرة غير مسبوقة على اكتشاف أخطائنا، كما قد يمنحنا، في الوقت نفسه، قدرة غير مسبوقة على تبريرها!
والفارق بين النتيجتين لا يكمن في التقنية وحدها، وإنما في نوع العلاقة التي نختار إقامتها معها. فإذا أردناها أداة لتأكيد صورتنا عن أنفسنا، فقد تتحول إلى امتداد رقمي لفائض التمثّل. أما إذا أردناها شريكاً في اختبار أفكارنا، فقد تصبح إحدى الوسائل التي تساعدنا على مقاومة هذا الفائض، وعلى تقليص المسافة بين ما نعتقده وما تسنده الوقائع بالفعل.
ولعلنا هنا نصل إلى معنى جديد للارتقاء إلى “أناي المستقبلية”. فأناي المستقبلية ليست بالضرورة أكثر ذكاءً مني، ولا أكثر اطلاعاً على المعارف وحدها، وإنما هي الذات التي أصبحت أقل حاجة إلى الدفاع عن أخطائها، وأكثر قدرة على مراجعة قناعاتها، وأشد استعداداً للاعتراف بحدود معرفتها؛ فهي الذات التي لا ترى في عبارة «كنت مخطئاً» اعترافاً بالهزيمة، بل دليلاً على أنها استطاعت أن تتجاوز مرحلة معرفية سابقة.
وقد يكون هذا التحول أكثر قيمة وجودية مما يبدو للوهلة الأولى. فالإنسان الذي لا يعترف بالخطأ قد يستطيع أن يراكم المعارف، لكنه سيجد صعوبة في إعادة بناء منظومته المعرفية. أما الإنسان الذي يجعل الاعتراف بالخطأ ممارسة طبيعية، فإنه يستطيع أن يعيد تنظيم هذه المنظومة كلما استدعت الأدلة ذلك.
وهنا تتكامل المقالات التي سبقت هذه المقالة في سلسلتنا المعنونة “كيف يساعدني الذكاء الاصطناعي على الارتقاء بأناي؟”. فالذكاء الاصطناعي الذي يختلف معي، ويريني نفسي، ويحفظ تاريخ تطوري الفكري، ويدرب عقلي، ويساعدني على أن أصبح مشروعاً مفتوحاً للتحديث، لن يؤدي أياً من هذه الوظائف على النحو المنشود إذا لم أمتلك الاستعداد للاعتراف بما يكشفه لي من أخطاء.
فما قيمة المرآة إذا كنت أرفض الصورة التي تعكسها كلما خالفت صورتي المتخيلة عن نفسي؟! وما قيمة الذاكرة الممتدة إذا كنت أستخدمها لانتقاء ما يؤيدني من ماضيّ؟! وما قيمة المدرب المعرفي إذا كنت لا أقبل منه إلا ما يعزز ثقتي بما أعرفه مسبقاً؟! إن هذه الأسئلة تجعل الاعتراف بالخطأ شرطاً ضرورياً للانتفاع بكثير من الإمكانات التي تتيحها الانعطافة التطورية الثانية، وليس مجرد فضيلة إضافية يمكن للإنسان أن يتحلى بها أو يستغني عنها.
ولعلنا، بعد تاريخ طويل من الاحتفاء بالإنسان الذي يمتلك الإجابات، نقف اليوم أمام إمكانية الاحتفاء بنموذج مختلف يتمثل في إنسان يستطيع أن يراجع إجاباته، وأن يتخلى عما ثبت خطؤه منها، وأن يعيد بناء معرفته من دون أن يشعر بأن هويته أصبحت مهددة.
وعندئذ قد لا يكون السؤال الأهم الذي سيطرحه إنسان المستقبل على نفسه: كم مرة كنت على صواب؟ بل سؤالاً آخر أكثر دلالة على مقدار ارتقائه المعرفي: كم مرة استطعت أن أكتشف أنني كنت مخطئاً، وأن أتحرر من خطئي قبل أن أجعله جزءاً من الإنسان الذي أُصر على أن أكونه؟
وربما تكون هذه إحدى أهم المفارقات التي ستكشفها الانعطافة التطورية الثانية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي ننتظر منه أن يزيد قدرتنا على امتلاك الإجابات الصحيحة، قد تكون أعظم مساهماته في ارتقائنا المعرفي أنه يساعدنا على امتلاك الشجاعة اللازمة للتخلي عن الإجابات الخاطئة. فليس الارتقاء المعرفي أن أُصبح إنساناً لا يخطئ، وإنما أن أصبح إنساناً لا يحتاج إلى الاستمرار في الخطأ لكي يحافظ على صورته عن نفسه.
