ومن مفارقات الإنسان الوجودية… أنه يرفض أن يكون صنيعة ظروفه، ثم يتركها تصنعه!

ثمة مفارقات لا تكمن غرابتها في أنها نادرة، وإنما في أننا نعيشها كل يوم من غير أن ننتبه إلى مقدار التناقض الذي تنطوي عليه. ولعل من أكثر هذه المفارقات إثارة أن الإنسان يرفض، في الغالب، أن يُقال له إنه مجرد صنيعة لجيناته وبيئته وتربيته وظروفه وتاريخه الشخصي، لكنه قد يقضي حياته كلها متصرفًا بالكيفية التي تجعل من هذا القول وصفًا دقيقًا لحاله!
فما الذي يعنيه أن يرفض الإنسان أن يكون صنيعة ظروفه إذا كان لا يريد أن يفعل شيئًا لمقاومة ما تصنعه به هذه الظروف؟ وما معنى أن يتمسك بحريته إذا كان لا يريد أن يدفع الثمن الوجودي لهذه الحرية؟
فنحن نأتي إلى العالم من غير أن نختار شيئًا تقريبًا من نقطة البداية؛ فنحن لا نختار جيناتنا، ولا آباءنا، ولا أجسامنا، ولا أوطاننا، ولا لغاتنا، ولا الطبقات الاجتماعية التي نولد فيها، ولا الأزمنة التاريخية التي نستقبل بها الحياة، ولا العقائد والأفكار والقيم التي يبدأ الآخرون بزرعها في وعينا قبل أن نمتلك القدرة على فحصها.
فنحن، بهذا المعنى، نبدأ حياتنا داخل عالم سبقنا إلى تشكيل شروط وجودنا. بل أن جانبًا كبيرًا من شخصياتنا يتكون في سنوات لا نكون فيها قادرين حتى على إدراك ما يحدث لنا. فنحن نتعلم الخوف قبل أن نفهمه، ونكتسب طرائق في الحب والغضب والدفاع عن النفس قبل أن نعرف أسماءها، ونرث تصورات عن النجاح والفشل والخير والشر والمرأة والرجل والمجتمع والله والعالم قبل أن نمتلك الأدوات العقلية اللازمة لكي نسأل: هل هذه التصورات صحيحة؟
ولهذا فإن القول بأن الإنسان متأثر بجيناته وبيئته وتربيته ليس إهانة له، وإنما هو وصف لنقطة البداية التي ينطلق منها. ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول نقطة البداية إلى حكم نهائي. فهناك فرق هائل بين أن أقول: “لقد صنعت هذه الأشياء جزءًا كبيرًا مما أنا عليه الآن”، وبين أن أقول: “ولذلك سأبقى على ما جعلتني عليه إلى الأبد”.
ففي المسافة الفاصلة بين العبارتين ربما تكمن واحدة من أعظم معارك الوجود الإنساني. فالإنسان لا يختار “أوراق اللعب” التي وُزعت عليه، لكنه يستطيع، ضمن الحدود المتاحة له، أن يقرر كيف يلعب بها. ولا يختار الأرض التي يقف عليها أول مرة، لكنه يستطيع أن يبدأ منها رحلة لا يعرف أحد، وربما لا يعرف هو نفسه، إلى أين يمكن أن تنتهي.
وهنا تظهر المفارقة. فالإنسان الذي يغضب إذا قيل له إن شخصيته ليست سوى حصيلة تربيته قد يقضي حياته يكرر أنماط التربية نفسها التي يشكو منها! والذي يرفض القول إنه أسير جيناته قد يتعامل مع استعداداته الوراثية كما لو كانت قدرًا نهائيًا! والذي يرفض أن يكون ابن طبقته الاجتماعية قد يجعل حدود طبقته حدودًا لطموحه! والذي يشكو الظروف صباح مساء قد لا يحاول مرة واحدة أن يختبر أين تنتهي سلطة الظروف وأين تبدأ قدرته هو! ثم يقول في النهاية: هكذا أنا.
ولعل «هكذا أنا» هي من أخطر العبارات التي يمكن للإنسان أن يقولها عن نفسه، لأنها قد تبدو اعترافًا بالذات بينما هي، في حقيقتها، إعلان استسلام لها!
فأي «أنا» يقصد؟ هل يقصد الإنسان الذي اختار أن يكونه، أم الإنسان الذي صنعته آلاف المؤثرات قبل أن يصبح قادرًا على الاختيار؟ فحين يقول الغضوب: هكذا أنا، والخائف: هكذا أنا، والكسول: هكذا أنا، والمتردد: هكذا أنا، فإنه قد لا يكون في الحقيقة يصف ذاته، وإنما يصف الحالة التي انتهت إليها ذاته حتى هذه اللحظة. والفارق بين الأمرين جوهري، وذلك لأن الحالة قابلة للمراجعة، أما الهوية، حين نعاملها بوصفها قدرًا، فإنها تتحول إلى سجن.
وليس المقصود هنا الوقوع في الطرف المقابل من الوهم، فنزعم أن الإرادة البشرية قوة سحرية تستطيع إلغاء الجينات والمرض والفقر والصدمات والظروف الاجتماعية والتاريخية بضربة واحدة! فالإنسان ليس قادرًا على كل شيء، وليست الفرص موزعة بالتساوي، وليست القيود التي تحاصر البشر متشابهة في شدتها. ولكن الاعتراف بالحدود شيء، وتحويل الحدود إلى أعذار دائمة شيء آخر. والسؤال الحقيقي هو ليس: هل أنا حر حرية مطلقة؟ فالإنسان لم يكن حرًا بهذه الصورة في أي وقت، بل السؤال الأهم هو: ما مقدار الحرية الذي أملكه داخل ما لم أختره؟ وماذا فعلت بهذا المقدار؟
وهنا يتغير السؤال من سؤال فلسفي مجرد عن وجود الإرادة الحرة إلى سؤال وجودي شخصي أشد إزعاجًا: ماذا فعلت أنا بما كان متاحًا لي من إرادة؟ فحتى لو كانت مساحة الحرية ضيقة، فإن عدم استعمالها يجعلها مساوية، من الناحية العملية، لعدم وجودها! وقد تكون هذه إحدى المفارقات التي لا ننتبه إليها حين نخوض النقاشات الطويلة حول الحرية والحتمية. فالإنسان قد يقضي ساعات يدافع عن وجود إرادته الحرة، ثم يعود إلى حياته ليتصرف كما لو أنه لا يملك منها شيئًا! فيدافع نظريًا عن حريته، ويعيش عمليًا ككائن محكوم. ويقول إنه ليس صنيعة بيئته، ثم يخاف الخروج على ما لقنته إياه بيئته. ويقول إنه ليس أسير ماضيه، ثم يسمح لماضيه أن يكتب مستقبله. ويقول إن شخصيته تخصه، ثم لا يسأل نفسه كم من هذه الشخصية اختاره هو، وكم منها تسلل إليه من الآخرين!
وهنا ربما ينبغي قلب السؤال كله: لماذا نخشى القول إن الإنسان صنيعة ظروفه، إذا كان الإنسان نفسه لا يريد أن يشارك في صناعة ذاته؟! فالظروف لا تحتاج إلى إذننا لكي تعمل فينا. والجينات لا تنتظر موافقتنا. والتربية تبدأ قبل قدرتنا على الاعتراض. والمجتمع يضع قوالبه أمامنا منذ الطفولة. والخوف والعادة والكسل والامتثال تعمل جميعًا بصورة شبه تلقائية.
أما إعادة صناعة الذات فتحتاج إلى فعل وتحتاج إلى يقظة وإلى مراجعة وإلى رفض وإلى قدرة على احتمال الألم الذي يصاحب مغادرة المألوف. وربما إلى ثورة صغيرة يخوضها الإنسان كل يوم ضد شيء في داخله لم يختر وجوده، لكنه أصبح مسؤولًا، منذ اللحظة التي وعاه فيها، عن موقفه منه!
ومن هنا يمكن أن نفهم الإرادة الحرة بكيفية مختلفة. فربما لا تكون الحرية أن أوجد بلا أسباب، ولا أن أتحرر من كل ما صنعني، وإنما أن أصبح قادرًا على الدخول طرفًا في عملية صناعة نفسي. فلقد صنعتني أشياء كثيرة لم أخترها، حسنًا،
ولكن منذ اللحظة التي أصبحت قادرًا فيها على رؤيتها، لم تعد المسألة تتعلق فقط بما فعلته بي، بل بما سأفعله أنا بما فعلته بي!
وهنا تحديدًا تبدأ المسؤولية. فالطفل لا يختار الجرح الذي أصابه، لكن الإنسان البالغ يستطيع أن يقرر، بقدر ما تسمح به إمكاناته وظروفه، هل سيجعل ذلك الجرح تعريفًا أبديًا لذاته أم موضوعًا للفهم والتجاوز. والإنسان لا يختار دائمًا سقوطه الأول، لكنه قد يصبح مسؤولًا عن قراره بالبقاء حيث سقط حين تكون لديه قدرة واقعية على النهوض. وهكذا تتحول الإرادة من شعار فلسفي إلى ممارسة وجودية.
فالحرية هي ليست أن تقول: “أنا حر”، وإنما أن تستطيع، في لحظة ما، أن تقول لشيء صنع جزءًا منك: لن أسمح لك أن تصنع البقية! وهذه العبارة، على بساطتها، ربما تكون واحدة من أكثر العبارات الإنسانية ثورية. لأن الثورة الأعظم قد لا تكون دائمًا ثورة الإنسان على سلطة خارجية، وإنما ثورته على تلك السلطات التي استوطنت داخله حتى أصبح يخلط بينها وبين ذاته. أن يثور على خوف ورثه. وعلى اعتقاد لُقّنه. وعلى عادة استسلم لها. وعلى ضعف أقنع نفسه بأنه طبع. وعلى فشل حوّله إلى هوية. وعلى ماضٍ منحه سلطة لا يستحقها على المستقبل. وعندئذ فقط يستطيع الإنسان أن يقول، بشيء من المعنى الحقيقي، إنه ليس مجرد صنيعة ماضيه القريب والبعيد. لأنه بدأ هو يصنع.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: قد يشكو الإنسان طوال حياته من الدهر والناس والوراثة والأسرة والمجتمع والحظ والفرص الضائعة، ثم يموت وهو مقتنع بأن هذه الأشياء هي التي حددت مصيره، من غير أن يسأل السؤال الذي ربما كان ينبغي أن يطارده منذ البداية: وأين كنتُ أنا من كل هذا؟ فربما لم يكن في مقدوره أن يصبح كل ما أراد. وربما كانت بعض الأبواب مغلقة فعلًا. وربما كانت بعض القيود أقوى من أن يكسرها فرد واحد. ولكن بين وهم القدرة على كل شيء ووهم العجز عن كل شيء مساحة هائلة اسمها الفعل الإنساني الممكن. وفي هذه المساحة تُكتب قصة مختلفة تمامًا. فمن يستسلم لكل ما صاغته فيه الظروف سينتهي، في جانب كبير منه، صنيعةً لها، ثم يقف متذمرًا من المصير الذي شارك في تثبيته بصمته واستسلامه.
أما من يقرر أن يجعل من وعيه بذاته بدايةً لمراجعتها، ومن ضعفه مادةً للعمل، ومن ماضيه شيئًا يُفهم لا قدرًا يُعبد، فإنه يدخل للمرة الأولى شريكًا في صناعة الإنسان الذي سيكونه.
ولعل المأساة ليست في أن يولد الإنسان محكومًا بأشياء لم يخترها؛ فتلك نقطة البداية المشتركة بيننا كلنا جميعاً بدرجات متفاوتة. إنما المأساة الحقيقية أن يكتشف أنه يستطيع أن يقاوم بعضها، ثم يختار ألا يفعل. وأن يملك شيئًا من الإرادة، ثم يقضي عمره يشكو القوى التي لم يشأ أن يختبر إرادته في مواجهتها!
فالإنسان قد لا يستطيع أن يختار البداية التي بدأ منها، لكنه يستطيع أحيانًا أن يجعل المسافة بين بدايته ونهايته شهادة على أنه لم يكن مجرد حاصل جمع الظروف التي صنعته. وعندها فقط قد ينتقل من إنسان يشكو عصره إلى إنسان يصنع، في حدود ما يستطيع، عصره الخاص.
ومن يدري؟
لعل ذلك الذي كان مقدرًا له، وفق حسابات الظروف والجينات والتربية والماضي، أن يكون مجرد فرد آخر يردد: «ماذا أفعل؟ هكذا صنعتني الحياة»، كان يستطيع، لو أنه فعّل ذلك القدر المتاح له من الإرادة، أن يصبح شيئًا آخر تمامًا: لا صنيعة عصره فحسب، بل سلطان عصره.

أضف تعليق