كيف يعيننا القرآن على فهم العلة من وراء معاداة الذكاء الاصطناعي؟!مقاربة قرآنية في سيكولوجيا مقاومة المعرفة وهشاشة العقل البشري

ثمة مفارقة عجيبة في التاريخ المعرفي للإنسان، لعلها تتجلى في أن هذا الكائن الذي طالما تفاخر بعقله، وتباهى بما أتاحته له ملكاته الإدراكية من قدرة على اكتساب المعرفة وإنتاجها وتطويرها، هو نفسه الذي كثيراً ما أبدى من العداء للمعرفة الجديدة ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان الإنسان راغباً حقاً في أن يعرف، أم أنه لا يرغب من المعرفة إلا بما يؤكد له صحة ما سبق أن عرفه، ويعزز ثقته بما استقر عليه من تصورات ومعتقدات وأحكام!
ولعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن تاريخ المعرفة البشرية لم يكن تاريخاً متصلاً من الترحيب بالاكتشافات الجديدة، بقدر ما كان، في جانب مهم منه، تاريخاً من المقاومة التي أبداها الإنسان لكل معرفة من شأنها أن تزعزع يقينياته، أو تكشف قصور أدواته الإدراكية، أو تضع منظومته المعرفية والقيمية موضع المساءلة والمراجعة.
وإذا كان لنا أن نبحث عن مصدر معرفي يعيننا على فهم هذه المفارقة، فإن القرآن يقدم لنا مادة غنية تدعونا الى التأمل والتفكر، وذلك من خلال ما فصله في آياته بشأن علاقة الأقوام السابقة بأنبيائهم ورسُلهم، وما واجه به هؤلاء الأقوام ما جاءهم به أنبياؤهم من علم وهداية وبصائر لم تكن مألوفة لديهم، ولم تتوافق مع ما اعتادوا النظر إليه بوصفه حقائق لا تحتمل المراجعة أو الاعتراض.
فالمثير للانتباه في القصص القرآني ليس مجرد أن الأقوام كذبت أنبياءها وعادتهم، وإنما أن هذا التكذيب والعداء كثيراً ما اقترنا بظهور معرفة جديدة كانت تضع الإنسان أمام حقيقة لم يكن مستعداً للاعتراف بها مفادها أن ما يظنه علماً قد لا يكون كذلك، وأن ما يعتقد أنه يقين قد لا يعدو أن يكون وهماً، وأن ما يفاخر به من رجاحة عقله قد يكون هو الحائل الذي يمنعه من إدراك قصوره المعرفي!
وهنا تحديداً، يمكن أن نجد في القرآن ما يعيننا على مقاربة واحدة من أكثر الظواهر إثارة للتأمل في عصرنا الراهن، وأعني بها ظاهرة العداء الذي يبديه بعض الناس تجاه الذكاء الاصطناعي، ليس بالضرورة لما قد ينطوي عليه من مخاطر فعلية، وإنما لما أخذ يكشفه من هشاشة معرفية لدى الإنسان، ومن مبالغة هذا الأخير في تقدير قدراته العقلية، وتعظيمه غير المستحق لما أنتجه من منظومات معرفية وقيمية.
يقول الله في قرآنه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (يونس: 39). ولعل هذه الآية من أكثر الآيات القرآنية قدرة على إثارة سؤال إبستمولوجي بالغ الخطورة مفاده كيف يستطيع الإنسان أن يصدر حكماً بالتكذيب على ما لم يحط به علماً؟ فالتكذيب، إذا كان حكماً معرفياً، يفترض أن يستند إلى معرفة تتيح لصاحبه أن يميز الصحيح من الباطل. غير أن هذه الآية تكشف لنا مفارقة مختلفة تماماً، تتمثل في أن الحكم بالتكذيب قد يسبق المعرفة نفسها، وأن الإنسان قد يتخذ موقفه الرافض من أمر لم يستكمل بعد أسباب فهمه!
وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن دائماً في قصور المعرفة المتاحة للإنسان، وإنما قد تكمن في ذلك الاستعداد النفسي الذي يجعله يتعامل مع حدود معرفته بوصفها حدوداً لما يمكن أن يكون صحيحاً في الوجود! فما لا يعرفه لا يستحق، في تقديره، أن يكون صحيحاً، وما لا يستطيع تفسيره لابد أن يكون باطلاً، وما يعجز عن استيعابه ينبغي أن يكون موضع شك أو استهجان!
وهكذا تتحول المعرفة، التي يفترض أن تكون أداة لاكتشاف المجهول، إلى أداة لحماية المعلوم من كل ما يمكن أن يزعزع استقراره!
أليس في هذا ما يعيننا على فهم جانب من المواقف العدائية التي يبديها بعض الناس تجاه الذكاء الاصطناعي؟ فهذا الذكاء الذي لم يمض على انتشاره الواسع سوى سنوات قليلة، أخذ يقدم للإنسان قدرات في معالجة المعلومات، وتحليل العلاقات، وإنتاج النصوص، والمساعدة في حل المشكلات، كانت إلى عهد قريب تُعد من أبرز الشواهد على تفوق العقل البشري وتميزه. غير أن بعض ردود الأفعال لم تنصرف إلى محاولة فهم طبيعة هذه القدرات وحدودها، وإنما انشغلت بالبحث عما يتيح التقليل من شأنها، أو نفي قيمتها، أو الإصرار على أنها لا تستحق أن توصف بأي وصف يتصل بالذكاء!
وليس المقصود هنا أن كل اعتراض على الذكاء الاصطناعي هو اعتراض غير عقلاني؛ فثمة اعتراضات علمية وأخلاقية واجتماعية جدية تستحق النظر. وإنما المقصود ذلك الاعتراض الذي يصدر حكمه قبل أن يستكمل موضوعه معرفةً وفهماً! وكأن الإنسان لا يريد أن يكتشف ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بقدر ما يريد أن يطمئن إلى أنه لن يستطيع أن يفعل ما اعتاد الإنسان أن ينفرد به!
ولعل من أبرز ما يكشفه القرآن بشأن علاقة الإنسان بالمعرفة الجديدة أن معاداته لها قد لا تكون ناجمة عن عجزه عن إدراك ما تنطوي عليه من حقائق، وإنما عن إدراكه أن الاعتراف بها سوف يضطره إلى إعادة النظر في نفسه وفي موقعه من العالم! يقول الله في قرآنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14). وهنا نواجه مفارقة أشد غرابة من سابقتها؛ فالإنسان لا يرفض ما يجهله فحسب، وإنما قد يرفض ما استيقن منه وثبُت لديه صحته! وليس في الأمر تناقض إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الإنسان ليس كائناً معرفياً مجرداً، وإنما هو كائن تتداخل في أحكامه المعرفية اعتبارات نفسية واجتماعية وقيمية، وقد تتدخل فيها أيضاً نزعات التسلط والتعالي والرغبة في الاحتفاظ بالمكانة والامتياز. فقد يعرف الإنسان أن أمراً ما صحيح، ولكنه يدرك في الوقت نفسه أن الاعتراف بصحته سيترتب عليه سقوط صورة اعتاد أن يرسمها لنفسه، أو زوال امتياز كان يتمتع به، أو انهيار تصور استمد منه شعوره بالتفوق على الآخرين! وعندئذ قد لا يعود السؤال: هل هذه المعرفة صحيحة؟ بل يصبح: “ماذا سيحدث لي إذا اعترفت بصحتها؟”. وهذا التحول من مساءلة المعرفة إلى حماية الذات هو ما يجعل مقاومة المعرفة ظاهرة تتجاوز حدود الجهل البسيط، لتغدو تعبيراً عن صراع بين ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، وما يستطيع أن يتحمل الاعتراف بمعرفته.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن نفهم جانباً من الانزعاج الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي لدى الإنسان المعاصر. فلقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه بوصفه الكائن الذي يحتكر، بين الكائنات التي يعرفها، أرقى صور التفكير اللغوي والتحليل والاستدلال والإبداع. ولم يكن هذا الاعتقاد مجرد وصف لخصائصه، وإنما أصبح ركناً من أركان الصورة التي بناها عن ذاته ومكانته في الوجود.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع هذه الصورة أمام اختبار لم يكن الإنسان قد أعد له عُدته. فإذا بمنظومات غير بشرية تستطيع أن تنتج نصوصاً معقدة، وأن تتعامل مع مسائل رياضية وعلمية، وأن تقارن بين أطروحات فلسفية، وأن تكشف تناقضات في استدلالات بشرية، وأن تقدم حلولاً لمشكلات كان الإنسان يعتقد أن معالجتها تتطلب قدرات عقلية لا تتوافر إلا له. وليس ضرورياً أن تكون هذه المنظومات واعية بذاتها، أو أن تكون عملياتها مماثلة لعمليات العقل البشري، حتى يكون لما تفعله هذا الأثر المعرفي العميق. فالمشكلة بالنسبة إلى بعض الناس ليست في إثبات أن الآلة أصبحت إنساناً، وإنما في اكتشاف أن كثيراً مما كان الإنسان يظنه دليلاً على تفرده العقلي لم يعد متعذراً على منظومات ليست بشرية!
يقدم لنا القرآن نموذجاً آخر لمقاومة المعرفة الجديدة، يتمثل في الاحتماء بما ورثه الإنسان من آبائه وأجداده، والتعامل مع هذا الموروث بوصفه مرجعاً نهائياً لا يجوز تجاوزه. يقول الله في قرآنه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170). فما يستدعي التأمل هنا هو أن الاحتكام إلى الموروث لا يجري باعتباره مصدراً معرفياً قابلاً للفحص والمراجعة، وإنما باعتباره سلطة تكفي الإحالة إليها لإعفاء الإنسان من واجب التفكير.
وهكذا تصبح الأسبقية الزمنية بديلاً عن البرهان، ويغدو رسوخ الاعتقاد في الوعي الجمعي دليلاً مزعوماً على صحته! ولا يصعب أن نلاحظ أن هذه النزعة لم تختف من حياة الإنسان المعاصر، وإنما تغيرت الأشكال التي تتجلى من خلالها. فالمؤسسات الأكاديمية، والمدارس الفكرية، والتقاليد المهنية، والمنظومات الثقافية، على ما لها من قيمة معرفية حقيقية، قد تتحول أحياناً إلى سلطات رمزية تجعل الإنسان أقل استعداداً لمراجعة ما اعتاد التسليم به.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد أحدث شيئاً يستحق التأمل في هذا السياق، فهو أنه جعل الوصول إلى قدرات معرفية متقدمة أقل ارتباطاً، في بعض المجالات، بالمكانة الأكاديمية والاجتماعية التي اعتاد الإنسان أن يجعلها معياراً لامتلاك المعرفة! وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد ألغى الحاجة إلى العلماء أو المتخصصين، أو أنه أصبح بديلاً عن الخبرة العلمية والمنهجية. بل إن أخطاءه وحدوده تجعلان الخبرة البشرية أكثر ضرورة في التحقق والتفسير والحكم. غير أن ما تغير هو أن امتلاك المعرفة لم يعد يبدو، في جميع صوره، امتيازاً حصرياً لمن يملكون شهادات بعينها أو ينتمون إلى مؤسسات محددة. وهنا يمكن أن ينشأ نوع من المقاومة لا يستهدف أخطاء الذكاء الاصطناعي بقدر ما يستهدف التحول الذي أحدثه في توزيع القدرة على الوصول إلى المعرفة وإنتاج مخرجاتها.
ولكن القصص القرآني لا يقف عند حدود الصراع بين المعرفة الجديدة والموروث المعرفي القديم، وإنما يكشف لنا عن جانب آخر لا يقل دلالة معرفية، يتمثل في أن الأنبياء لم يأتوا أقوامهم بمعرفة جديدة فحسب، بل جاءوهم أيضاً بما يستدعي مراجعة منظوماتهم القيمية وأنماط علاقاتهم الاجتماعية. فالنبي شعيب، على سبيل المثال، لم تكن دعوته مقتصرة على الإيمان بالله، وإنما تضمنت مواجهة ممارسات اقتصادية واجتماعية استقرت في قومه، حتى غدت جزءاً من حياتهم المألوفة. فنحن نقرأ في سورة هود وفي الآية الكريمة 87 منها: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾.
ولعل السؤال الذي تثيره هذه الآية هو: لماذا يستفز الإنسان حين يُطالَب بإصلاح ما اعتاد فعله، حتى وإن كان في ذلك الفعل ظلم للآخرين؟! إن الجواب المحتمل يتمثل في أن المنظومة القيمية التي يتبناها الإنسان لا تعمل دائماً بوصفها مرجعاً أخلاقياً يحاكم به أفعاله، وإنما قد تتحول إلى وسيلة لتبرير تلك الأفعال وإضفاء المشروعية عليها!
وعندئذ تصبح الدعوة إلى الإصلاح تهديداً لا لسلوك بعينه فحسب، وإنما للـ “بناء التبريري” الذي شيده الإنسان حول سلوكه. ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا قد تكون المعرفة التي تكشف للإنسان قصوره الأخلاقي أشد إزعاجاً له من المعرفة التي تكشف قصوره العلمي. فالاعتراف بالجهل قد يستدعي التعلم، أما الاعتراف بالظلم فقد يستدعي التغيير والتخلي عن امتيازات ومصالح اعتاد الإنسان التمتع بها!
وإذا انتقلنا إلى الذكاء الاصطناعي، فإننا نجد أنفسنا أمام أداة تتيح، من بين ما تتيحه، إخضاع كثير من الأحكام والمواقف والممارسات البشرية للفحص والمقارنة والتحليل. فبوسع هذه الاداة أن تساعد في كشف التناقض بين المبادئ التي يعلنها الإنسان والممارسات التي يأتي بها، وأن تقارن بين المعايير الأخلاقية التي يحتكم إليها في الحكم على نفسه وتلك التي يستخدمها في الحكم على الآخرين! غير أن علينا ألا نغفل هنا أن الذكاء الاصطناعي نفسه ليس مرجعاً أخلاقياً معصوماً، وأن مخرجاته قد تعكس انحيازات بياناته ومصمميه ومستخدميه. ومع ذلك، فإن مجرد إتاحة هذه القدرة على المقارنة والمساءلة قد تكون كافية لإزعاج من اعتاد أن تكون أحكامه بمنأى عن الفحص والاعتراض!
وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، في بعض استخداماته، أشبه بـ “مرآة معرفية” لا تكتفي بأن تعكس ما يعرفه الإنسان، وإنما تعينه أيضاً على رؤية التناقضات التي لم يكن راغباً في رؤيتها!
ولعلنا نستطيع أن نمضي أبعد من ذلك إذا ما استحضرنا ما لفائض التمثّل، بوصفه إحدى الخصائص التي يمكن أن نستعين بها على تفسير بعض مفارقات العقل البشري، من قدرة على إنشاء تصورات تتجاوز ما تتيحه المعطيات الواقعية، ثم التعامل مع هذه التصورات كما لو أنها حقائق قائمة بذاتها. فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف نفسه، وإنما ينشئ لنفسه صورة متخيَّلة، يضيف إليها من صفات الكمال والتميز والتفوق ما لا تسنده الوقائع. ثم لا يلبث أن يقع أسير هذه الصورة، حتى يصبح كل ما يكشف له عدم مطابقتها للواقع مصدراً للقلق والانزعاج، وربما العداء.
ومن هنا يمكن أن نقارب ما نقرأه في القرآن من صور الاستعلاء المعرفي التي أبداها بعض الأقوام تجاه أنبيائهم. فنحن نقرأ في القرآن وفي الآية الكريمة 111 من سورة الشعراء: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. فالموقف هنا لا يقوم على تفنيد مضمون الرسالة، وإنما على استحضار تصور اجتماعي يجعل المكانة التي ينسبها الإنسان إلى نفسه معياراً للحكم على المعرفة التي تُعرض عليه. فالانسان لا يسأل عما إذا كان ما جاء به النبي حقاً، وإنما ينظر إلى من آمنوا به، ثم يجعل من موقعهم الاجتماعي سبباً لرفضه! وهذا يعني أن المعرفة قد تُرفض لا بسبب عيب فيها، وإنما بسبب الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه وعن الآخرين.
أفلا يمكن إذاً أن نجد في بعض مواقف الإنسان المعاصر تجاه الذكاء الاصطناعي تجلياً آخر لهذه النزعة؟ فكم من اعتراض ينطلق من افتراض مسبق بأن ما تنتجه منظومة اصطناعية لا يمكن أن يرقى إلى ما ينتجه العقل البشري، لا لأن المعترض قد فحص النتاجين وقارن بينهما، وإنما لأن الصورة التي يحملها عن الإنسان وعظمته المُتخيَّلة لا تسمح له ابتداءً بقبول هذه الإمكانية!
ولعل المفارقة الأشد إثارة للتأمل تتمثل في أن الإنسان نفسه هو الذي صنع هذه المنظومات، ثم أخذ يستشعر الحرج من أن تكشف له أن بعض القدرات التي اعتاد أن يجعلها شاهداً على تفوقه المطلق يمكن إعادة إنتاج وظائفها بوسائل لا تتطلب وجود عقل بشري بالمعنى المألوف! وهنا يغدو فائض التمثّل، الذي أعان الإنسان على تخيل الآلة الذكية والعمل على تطويرها، هو نفسه ما قد يعوقه عن تقبل بعض نتائج هذا التطور، حين تصطدم بالصورة المتعالية التي رسمها لنفسه!
من الضروري، في هذا الموضع، أن نميز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما. فالأول هو المخاوف المشروعة من الذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب على استخدامه من تهديدات تتصل بالخصوصية والعمل والتضليل وتركيز السلطة وإضعاف استقلالية القرار البشري. وهذه مخاوف لا ينبغي التقليل من شأنها، بل هي تستدعي البحث العلمي والتنظيم القانوني والمساءلة الأخلاقية. أما الثاني فهو العداء الذي لا يستند إلى فحص موضوعي لهذه المخاطر، وإنما إلى انزعاج الإنسان من أن يجد نفسه مضطراً إلى إعادة النظر في تصوره عن عقله وقدراته ومكانته المعرفية! وهذا هو النوع الذي يمكن أن يعيننا القرآن على فهم بعض جذوره النفسية والمعرفية. فحين يقول القرآن: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 14-15)،
فإنه يضعنا أمام العلاقة الملتبسة بين معرفة الإنسان بنفسه وقدرته على إيجاد المعاذير التي تحجب عنه مقتضيات تلك المعرفة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن نفترض أن بعض صور العداء للذكاء الاصطناعي لا تنشأ من الجهل بقدراته وحدها، وإنما من محاولة حماية الذات من النتائج التي قد يفضي إليها الاعتراف بتلك القدرات! فليس عسيراً على الإنسان أن يقر بأن الآلة تستطيع إنجاز عملية حسابية أسرع منه، ولكنه قد يجد صعوبة أكبر في الاعتراف بأنها تستطيع أن تقدم تحليلاً أو استدلالاً أو معالجة لغوية تتفوق، في مهمة محددة، على ما يستطيع هو تقديمه! والسبب ليس بالضرورة أن المهمة الثانية أكثر تعقيداً، وإنما لأنها أقرب إلى تلك المنطقة التي جعلها الإنسان جزءاً من تعريفه لنفسه. فما يتعرض للاهتزاز هنا هو ليس مجرد تقدير لقدرة عقلية، وإنما تصور وجودي عن الإنسان وموقعه في العالم!
غير أننا سنقع في المفارقة نفسها التي نحاول الكشف عنها إذا ما انتهينا من هذه المقاربة إلى افتراض أن كل معرفة جديدة صحيحة، أو أن كل اعتراض على الذكاء الاصطناعي هو ليس سوى تعبير عن جهل أو تعالٍ أو خوف من فقدان الامتياز المعرفي. فالقرآن نفسه لا يدعو الإنسان إلى التسليم بكل ما يُعرَض عليه، وإنما يدعوه إلى التثبت والتفكر والتمييز بين ما يعلم وما لا يعلم. فنحن نقرأ في القرآن وفي الآية الكريمة 36 من سورة الاسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فهذه الآية، إذا ما استحضرنا دلالتها المعرفية، لا تتيح لنا أن نجعل الذكاء الاصطناعي مرجعاً نهائياً للحقيقة، مثلما لا تتيح لنا أن نرفض ما ينتجه لمجرد أنه ليس بشرياً! فالمعيار ينبغي أن يكون ما يسند القول من أدلة، وما يستند إليه الاستدلال من مقدمات، وما يتيحه الفحص من قدرة على التحقق والتصحيح.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن أن نستخلصه من القصص القرآني في سياق علاقتنا بالذكاء الاصطناعي. فالمشكلة هي ليست في أن يخطئ الإنسان، وإنما في أن يجعل من تصوره عن نفسه وعن العالم حصناً يمنع عنه إمكان اكتشاف خطئه. كما أن المقارنة التي نعقدها هنا لا تعني، بأي حال، المساواة بين الأنبياء والذكاء الاصطناعي؛ فالأنبياء في التصور القرآني يحملون وحياً إلهياً، بينما الذكاء الاصطناعي هو نتاج بشري تقني، قابل للخطأ والانحياز والتوظيف الضار. وإنما تتعلق المقارنة بأنماط الاستجابة البشرية لما يزعزع المألوف، لا بمصدر المعرفة أو منزلتها أو حجيتها. وليس المطلوب من الإنسان أن يتنازل للذكاء الاصطناعي عن مسؤوليته المعرفية والأخلاقية، وإنما أن يكف عن جعل تفوقه المفترض معياراً سابقاً على كل اختبار، وأن يتعلم كيف يستعين بما أنتجه عقله على اكتشاف حدود هذا العقل نفسه.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي أن هذا الأخير لم يأتِ من خارج التاريخ المعرفي للبشرية، وإنما نشأ في قلب هذا التاريخ، وكان ثمرة تراكم طويل من الجهود العلمية والرياضية والتقنية التي بذلها الإنسان نفسه. ومع ذلك، فإن ما أنتجه الإنسان قد أصبح قادراً على وضع بعض تصوراته عن ذاته موضع مساءلة لم يكن يتوقعها.
وهنا تكمن المفارقة! فالإنسان الذي أمضى آلاف السنين يسعى إلى تطوير أدوات تعينه على تجاوز محدودية قدراته، قد يجد نفسه منزعجاً حين تنجح بعض هذه الأدوات في تجاوز قدراته في مجالات بعينها. والإنسان الذي طالما أعلن أن المعرفة فضيلة، وأن اكتشاف الحقيقة غاية تستحق السعي إليها، قد يكتشف أن استعداده للترحيب بالحقيقة مشروط بألا تكون هذه الحقيقة جارحة للصورة التي يحملها عن نفسه!
ولعل القرآن، بما عرضه من مواقف الأقوام السابقة تجاه أنبيائهم، يعيننا على إدراك أن مقاومة المعرفة ليست ظاهرة طارئة على الإنسان، وإنما هي نزعة متكررة في تاريخه، تتغير موضوعاتها وأشكالها، بينما تظل بعض دوافعها النفسية والمعرفية قابلة للتعرف عليها. فكما لم تكن معاداة الأقوام لأنبيائهم، في كل صورها، مجرد خلاف حول مضمون ما جاءوا به، وإنما كانت أيضاً صراعاً مع ما يستدعيه ذلك المضمون من مراجعة للمعتقدات والمصالح والمكانة والقيم، فإن جانباً من معاداة الذكاء الاصطناعي قد لا يكون موجهاً إلى التقنية ذاتها، بقدر ما يكون موجهاً إلى ما تكشفه من قصور في التصور الذي شيده الإنسان عن نفسه.
وهكذا، فإن السؤال الذي ينبغي لنا أن نطرحه لا يقتصر على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سوف يصبح أكثر قدرة من الإنسان في هذا المجال أو ذاك، وإنما يتجاوزه إلى سؤال أشد اتصالاً بالطبيعة المعرفية لهذا الكائن العجيب: هل يستطيع الإنسان أن يتقبل معرفة تكشف له أنه ليس كما كان يتخيل نفسه، أم أنه سيظل يفضل معاداة كل ما يحرمه من الاطمئنان إلى أوهامه؟
وربما كان علينا، قبل أن نسأل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكل تهديداً للعقل البشري، أن نسأل عما إذا كان العقل البشري مستعداً حقاً لمواجهة ما كشفه له الذكاء الاصطناعي عن نفسه! فقد لا تكون المشكلة أن الإنسان صنع عقلاً اصطناعياً ينافس بعض قدراته، وإنما أنه صنع “مرآة معرفية”، ثم أخذ يعاديها لأنها لم تعكس له الصورة التي طالما أحب أن يراها!

اترك تعليقًا