
ثمة مفارقة عجيبة في تاريخ المعرفة البشرية لعلها تتجلى بأوضح صورها حين ينكب الإنسان على دراسة نفسه محاولاً أن يفهم ما تنطوي عليه طبيعته من تناقضات، وما تتميز به منظومته النفسية والمعرفية والسلوكية من خصائص يصعب عليه أن يجد لها تفسيراً متجانساً مع ما استقر في ذهنه من تصورات بشأن نشوء الكائنات الحية وارتقائها. فالإنسان، هذا الكائن الذي لا يكاد يتوقف عن التفاخر بما بلغه من ارتقاء عقلي ومعرفي، هو نفسه الذي لا يكاد يتوقف عن الإتيان بما يناقض مقتضيات هذا الارتقاء! وهو الذي استطاع أن يكشف عن كثير من القوانين التي تحكم العالم الطبيعي، لكنه لا يزال عاجزاً، في كثير من الأحيان، عن أن يجعل من معرفته بهذه القوانين معيناً له على تنظيم علاقته بنفسه وبأخيه الإنسان وبالعالم الذي يعيش فيه! والأعجب من ذلك أن الإنسان لا يكتفي بممارسة هذه التناقضات، بل يجعل منها أحياناً موضوعاً للتبرير والتقديس، حتى ليبدو وكأن منظومته النفسية والمعرفية قد أُعدّت، على نحو عجيب، لتمنحه القدرة على الجمع بين الشيء ونقيضه، دون أن يستشعر في ذلك ما يستوجب المراجعة أو التصحيح!
فكيف لنا أن نفهم هذه الظاهرة؟ وهل تكفي المقاربة التي تقدمها البيولوجيا التطورية السائدة لتفسيرها؟ أم أن الوقت قد حان للإنصات بجدية إلى فرضية أخرى، تنطلق من احتمال أن المسيرة التطورية التي أفضت إلى ظهور “الإنسان كما نعرفه” لم تكن مسيرة متصلة على النحو الذي اعتدنا تصوره، وإنما اعترتها انعطافة استثنائية، ترتبت عليها تحولات نوعية جعلت من الإنسان كائناً لا يشبه، في بعض أبرز خصائصه النفسية والسلوكية، ما كان ينبغي توقعه من المسار التطوري الذي انحدر منه؟
لقد اعتادت المقاربة التطورية أن تبحث في الخصائص التي تتميز بها الكائنات الحية من خلال استحضار ما يمكن أن تكون قد أدته هذه الخصائص من وظائف في سياق البقاء والتناسل والتكيف مع البيئة. وليس في هذا المنهج ما يستدعي الاعتراض من حيث المبدأ؛ إذ أنه أتاح لنا فهماً متعدد الدلالات المعرفية لجوانب عديدة من تاريخ الحياة، وللكيفية التي نشأت بها خصائص الكائنات الحية وتطورت عبر أزمنة موغلة في القدم. غير أن الصعوبة تبدأ حين نحاول أن نجعل من هذا المنهج مفتاحاً تفسيرياً وحيداً لكل ما تتميز به الظاهرة البشرية من تعقيدات وتناقضات. فكيف نفسر، مثلاً، ذلك الميل الذي يدفع الإنسان إلى تدمير الشروط التي يتوقف عليها بقاؤه؟ وكيف نفهم استعداده للتضحية بحياته، بل وبحياة أعداد هائلة من أبناء جنسه، دفاعاً عن تصورات ذهنية قد لا يكون لها من وجود خارج عالم تمثلاته؟ وكيف نفسر أن يكون الكائن الذي بلغ من القدرة على التعاون والتنظيم الاجتماعي ما لم يبلغه غيره من الكائنات، هو نفسه الذي استطاع أن يجعل من هذا التعاون وسيلة لتنظيم أكثر أشكال العدوان الجماعي اتساعاً وتدميراً؟ بل كيف نفهم أن تكون القدرة العقلية التي أتاحت للإنسان أن يكشف عن أسباب الظواهر، وأن يتوقع نتائج أفعاله، هي نفسها التي يستخدمها أحياناً لتبرير سلوك يعلم مسبقاً أنه سيقوده إلى الهلاك؟
قد تقدم البيولوجيا التطورية وعلم النفس التطوري تفسيرات جزئية لكثير من هذه الظواهر، من خلال مفاهيم التكيف، والانتقاء القرابي، والتنافس بين الجماعات، والتنازع بين المصالح القريبة والبعيدة، والخصائص التي كانت نافعة في بيئات سابقة ثم أصبحت مكلفة في بيئات لاحقة.
ولكن وجود تفسيرات محتملة لهذه الظاهرة أو تلك لا يعفينا من التساؤل عما إذا كانت هناك علة أعمق تجمع هذه التناقضات في إطار واحد، وتعيننا على فهم السبب الذي جعلها تبلغ لدى الإنسان هذا المستوى الاستثنائي من التعقيد.
وهنا تحديداً تبرز الدلالة المعرفية لإعادة النظر في المسار التطوري للإنسان، لا بقصد إنكار انتمائه إلى التاريخ الطبيعي للحياة، وإنما بقصد البحث عما إذا كان هذا التاريخ قد شهد انعطافة نوعية لم نمنحها بعد ما تستحقه من اهتمام.
لعل أول ما ينبغي لنا أن نعيد النظر فيه هو ذلك التصور الذي يجعل من الارتقاء التطوري مسيرة تصاعدية تتجه، بصورة أو بأخرى، نحو مزيد من الكفاءة والانسجام والتكامل! فالتطور البيولوجي، في حقيقته، لا يتعهد للكائن الحي بأن يجعله أفضل بالمعنى الأخلاقي أو العقلي، ولا يضمن له أن تكون الخصائص التي اكتسبها متجانسة بعضها مع بعض، أو خالية من التكاليف والتناقضات.
ومن هنا، فإن الحديث عن «وباء تطوري» لا ينبغي أن يُفهم بوصفه اعتراضاً على حقيقة التطور، وإنما بوصفه اقتراحاً لمفهوم تفسيري يتناول احتمال وقوع تحول واسع الأثر في منظومة الخصائص البشرية، ترتبت عليه نتائج تجاوزت حدود الوظائف التي كان يمكن أن تؤديها تلك الخصائص في سياقها التطوري السابق. فالوباء، وفق هذا التصور، لا يعني بالضرورة عدوى مرضية انتقلت من كائن إلى آخر، وإنما يعني تحولاً تطورياً اختل بمقتضاه التناسب بين القدرات التي اكتسبها الكائن وبين المنظومة التي كان ينبغي أن تضبط عمل هذه القدرات وتكاملها. إن الوباء هنا، وبتعبير آخر، هو احتمالٌ يقوم على افتراض مؤداه أن تكون الطبيعة قد أفضت، عبر مسارها التطوري غير المقصود، إلى نشوء كائن يمتلك قدرات تتجاوز كثيراً ما تستطيع منظومته النفسية والسلوكية أن تستوعبه أو تنظم آثاره.
وعندئذ لن يعود مستغرباً أن نجد في الإنسان ذلك الاجتماع العجيب بين القدرة على الإبداع والقدرة على التدمير، وبين الاستعداد للتعاطف والاستعداد للقسوة، وبين السعي إلى الحقيقة والإصرار على الأوهام! ولن يكون الأمر مجرد اجتماع لخصائص متعارضة، وإنما تجلياً لاحتمال أن تكون هذه الخصائص قد خرجت عن الحدود التي كان يمكن أن تحفظ بينها قدراً من “التناسب الوظيفي”.
والآن، إذا كان لنا أن نبحث عن أبرز المظاهر التي يمكن الاستدلال بها على هذه الانعطافة التطورية المفترضة، فلعل فائض التمثّل يحتل مكانة متقدمة بينها. فالقدرة على التمثّل الذهني ليست، في ذاتها، خاصية بشرية خالصة؛ إذ نجد لدى كائنات أخرى صوراً متفاوتة من تمثل الأشياء والأحداث والعلاقات، ومن توقع ما لم يقع بعد.
غير أن ما يتميز به الإنسان هو تلك القدرة الاستثنائية على توسيع عالم التمثلات، وتوليد المزيد منها، وإقامة علاقات بينها، حتى يصبح بمقدوره أن ينشئ عوالم ذهنية متكاملة لا يُشترَط في وجودها أن يكون لها نظير في الواقع الخارجي. وليس في ذلك ما يستوجب الاعتراض، ما دامت هذه القدرة قد أتاحت للإنسان أن يبدع في العلوم والفنون والفلسفة والرياضيات، وأن يتجاوز حدود الخبرة المباشرة إلى آفاق لم يكن له أن يبلغها لولا امتلاكه إياها.
ولكن المفارقة تبدأ حين يتحول التمثّل من أداة لفهم الواقع إلى سلطة معرفية تنازعه مكانته، بل قد تتغلب عليه! فالإنسان لا يكتفي بأن يتصور الأشياء كما يمكن أن تكون، وإنما قد يصر على أن تكون الأشياء كما تصورها هو، حتى لو استدعى ذلك منه أن ينكر ما تكشفه الملاحظة، أو أن يُقصي ما يتعارض مع تصوراته من معطيات الواقع! وهنا يغدو فائض التمثّل مصدراً لواحدة من أخطر المفارقات المعرفية البشرية، والتي مفادها أن القدرة التي أعانت الإنسان على تجاوز قصوره المعرفي هي نفسها التي قد تجعله أسيراً لأوهام لا يستطيع التحرر منها!
وإذا كان هذا الفائض قد أتاح نشوء الحضارات، فإنه أتاح أيضاً نشوء منظومات من المعتقدات والتصورات التي استطاعت أن تستعبد الإنسان، وأن تدفعه إلى معاداة أخيه الإنسان، بل وإلى التضحية بحياته دفاعاً عنها! فهل نحن، والحال هذه، بإزاء قدرة تطورية بلغت ذروة كفاءتها، أم بإزاء قدرة تجاوز نموها حدود التوازن الذي كان ينبغي أن يحكم علاقتها ببقية مكونات النفس البشرية؟
وإضافة الى فائض التمثل هذا، فإن هذه الانعطافة التطورية المفترضة قد نجم عنها فائضاً آخر لا يقل عن فائض التمثل قدرة على إحداث تغيراً جوهرياً يطال طبيعة علاقة الإنسان بأخيه الانسان. وهذا الفائض هو ما اصطلحنا على تسميته في العديد من المقالات السابقة ذات الصلة بالمقاربة الجديدة المقترحة لتطور الجنس البشري، بفائض العدوان.
فالعدوان، في سياقه البيولوجي العام، ليس بالضرورة سلوكاً شاذاً أو مناقضاً لمقتضيات الحياة. إذ يمكن أن يؤدي وظائف تتصل بالدفاع عن النفس، وحماية الموارد، والتنافس على فرص التناسل، وتنظيم العلاقات داخل الجماعات. ولكن الإنسان استطاع أن يجعل من العدوان ظاهرة تتجاوز، في كثير من تجلياتها، هذه الوظائف جميعاً. فهو قد يعتدي من دون أن يكون مُهدَّداً، وقد يدمر دون أن تكون هناك منفعة ظاهرة من التدمير، وقد يواصل ممارسة العنف حتى بعد زوال الأسباب التي استدعته ابتداءً. بل إنه قد يجعل من العدوان موضوعاً للمتعة، أو مصدراً للاعتزاز، أو وسيلة لإثبات التفوق، أو طقساً جماعياً يكتسب من خلاله شعوراً بالانتماء والهوية.
والأكثر إثارة للتأمل أن الإنسان استطاع، بفضل قدراته العقلية والتنظيمية، أن يحول العدوان من استجابة سلوكية محدودة إلى مشروع مخطط له، يمتد عبر سنوات وأجيال، وتُسخَّر لخدمته العلوم والتقنيات والمؤسسات.
وهنا تتجلى مفارقة أخرى مفادها أن العقل الذي كان يُفترض أن يعين الإنسان على إدراك التكاليف المترتبة على العدوان، أصبح قادراً على ابتكار الوسائل التي تضاعف قدرته على ممارسته. ولا يعني ذلك أن كل عدوان بشري يفتقر إلى تفسير تطوري، وإنما يعني أن ما يستحق الدراسة هو احتمال أن تكون القدرة العدوانية قد اكتسبت، في سياق الانعطافة المفترضة، استقلالاً نسبياً عن وظائفها الأصلية، حتى غدا الإنسان قادراً على ممارسة العدوان بوصفه غاية قائمة بذاتها.
أما المظهر الثالث الذي يستحق الاستحضار في هذا السياق، فهو ما يمكن أن نطلق عليه فائض الجنس. فالسلوك الجنسي، من منظور تطوري، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتناسل، وإن كانت وظائفه لدى الإنسان وبعض الكائنات الأخرى لا تقتصر على الإنجاب، بل تمتد إلى توثيق الروابط الاجتماعية وتنظيم العلاقات. غير أن ما يستوقفنا في الظاهرة البشرية هو تلك القدرة على تحويل الرغبة الجنسية إلى عالم بالغ التعقيد من التمثلات والرموز والتوقعات والانفعالات، حتى تصبح هذه الرغبة، في بعض صورها، مستقلة إلى حد بعيد عن وظيفتها الإنجابية. وقد لا يكون هذا الاستقلال، في ذاته، دليلاً على اختلال تطوري؛ إذ إن تعدد وظائف السلوك الجنسي ظاهرة معروفة في الطبيعة.
ولكن السؤال الذي تثيره فرضية الوباء التطوري يتعلق بما إذا كان فائض الجنس، حين يتفاعل مع فائض التمثّل وفائض العدوان، يستطيع أن ينتج أنماطاً من السلوك تتجاوز مجرد إشباع الرغبة إلى أشكال من الهيمنة والاستحواذ والتنافس والتدمير.
فالرغبة التي كان يمكن أن تكون عاملاً في التقارب بين الأفراد قد تتحول، في بعض الظروف، إلى سبب للعدوان، أو إلى وسيلة للإذلال، أو إلى موضوع لهوس يستنزف صاحبه ويقوض علاقته بنفسه وبالآخرين.
وهنا أيضاً يبرز السؤال ذاته: هل نحن بإزاء مجرد تنوع طبيعي في السلوك، أم أن بعض هذه المظاهر يمكن أن يكون شاهداً على اختلال أعمق في العلاقة بين الدوافع والقدرات التي تشكل المنظومة النفسية البشرية؟
لعل ما يمنح فرضية الوباء التطوري قيمتها المعرفية هو ليس وجود فائض التمثّل أو فائض العدوان أو فائض الجنس، كل على حدة، وإنما ما ينشأ عن تفاعل هذه الفوائض الثلاث بعضها مع بعض. فالإنسان لا يمارس العدوان بمعزل عن تمثلاته، ولا يعيش رغباته الجنسية خارج عالمه المعرفي والوجداني، ولا ينتج تمثلاته الذهنية في فراغ منفصل عن دوافعه وغرائزه وانفعالاته. إنها منظومة تتداخل فيها هذه الفوائض بصورة تجعل من الصعوبة بمكان أن نفصل بين ما هو معرفي وما هو انفعالي وما هو سلوكي.
ففائض التمثّل يستطيع أن يمنح فائض العدوان المبررات التي يحتاجها، وأن يصوغ له الأهداف التي يتوهم مشروعيتها. وفائض العدوان يستطيع، بدوره، أن يجعل من التمثلات الذهنية موضوعاً للصراع، حتى لو كانت هذه التمثلات لا تتعلق بشيء له وجود مادي يمكن التنازع عليه. أما فائض الجنس، فإنه يستطيع أن يدخل في هذا التفاعل المعقد، فيمنح التنافس والهيمنة والاستحواذ أبعاداً نفسية واجتماعية لا يمكن ردها ببساطة إلى الوظيفة الإنجابية.
وهكذا تغدو النفس البشرية ساحة لتفاعلات متشابكة بين قدرات ودوافع قد تتكامل حيناً، وقد تتنازع حيناً آخر، وقد ينتهي تنازعها إلى نتائج تناقض المصالح التي يُفترض أنها نشأت في سياق خدمتها.
ومن هنا يمكن لنا أن نفهم لماذا لا يكون الإنسان كائناً متناقضاً في سلوكه فحسب، وإنما كائناً قادراً على إنتاج المبررات المعرفية والأخلاقية لتناقضاته، وعلى تحويلها إلى منظومات فكرية واجتماعية يتوارثها أبناؤه جيلاً بعد جيل.
إننا، وفق هذا التصور، لا نواجه مجرد مجموعة من الخصائص النفسية المتعارضة، وإنما نواجه منظومة أصبحت قادرة على إعادة إنتاج تناقضاتها، وعلى إضفاء المشروعية عليها، بل وعلى توسيع نطاق آثارها كلما ازدادت قدراتها المعرفية والتقنية.
وهذا ما يجعل النفس البشرية، في إطار الفرضية التي نتناولها، مثالاً نموذجياً لما نعنيه بالوباء التطوري.
قد يتساءل المرء، وهو محق في تساؤله: لماذا نلجأ إلى وصف هذه الانعطافة بالوباء؟ أليس في ذلك تحميل للمفهوم التطوري ما لا يحتمله؟ والجواب أن اختيار هذا الوصف لا يستهدف إضفاء طابع مرضي على الإنسان، ولا الإيحاء بأن التطور قد ارتكب خطأً وفق معيار مسبق للصواب والخطأ. فليس للطبيعة مشروع أخلاقي نحاكم نتائجها على أساسه، وليس للتطور غاية نهائية نستطيع أن نزعم أن الإنسان قد انحرف عنها. وإنما يستمد وصف الوباء دلالته، في هذا السياق، من احتمال أن تكون الانعطافة التطورية المفترضة قد أفضت إلى نشوء خصائص تجاوزت آثارها حدود الأفراد الذين يحملونها، وأصبحت قادرة على الانتشار والتراكم وإعادة إنتاج نفسها عبر التفاعل الاجتماعي والثقافي. فالإنسان لا يكتفي بأن يكون أسيراً لأوهامه، وإنما يستطيع أن ينقل هذه الأوهام إلى غيره! ولا يكتفي بأن يمارس العدوان، وإنما يستطيع أن ينشئ المؤسسات التي تتولى تنظيمه وتوريث مبرراته! ولا يكتفي بأن يعاني تناقضاته النفسية، وإنما يستطيع أن يجعل منها أنماطاً ثقافية واجتماعية يكتسبها الآخرون، حتى يغدو ما كان تناقضاً فردياً ظاهرة جماعية واسعة الانتشار!
وهنا تتضح الدلالة المجازية لمفهوم الوباء التطوري: فنحن لا نتحدث عن عدوى بيولوجية بالمعنى الطبي، وإنما عن “تحول تطوري” مفترض أفضى إلى منظومة نفسية وسلوكية تستطيع آثارها أن تتعدد اجتماعياً وثقافياً، وأن تتجاوز حدود منشئها الفردي.
وبهذا المعنى، فإن الوباء لا يتمثل في وجود الإنسان ذاته، وإنما في احتمال أن تكون بعض أبرز خصائصه قد اكتسبت دينامية تجعلها قادرة على تقويض شروط التوازن الذي يتوقف عليه استمرار حياته الجماعية.
وهنا، لابد من التذكير بأنه ليس من الإنصاف العلمي القول، وبناءً على ما تقدم تبيانه وتفصيله بشأن ما فات البايولوجيا التطورية ان تتبينه وتفصله، إن هذه البايولوجيا قد أخفقت في تفسير الظاهرة البشرية إخفاقاً كاملاً! فما قدمته هذه البيولوجيا من تفسيرات بشأن نشوء التعاون والتنافس والقرابة والانتقاء الجنسي وتطور الإدراك والسلوك الاجتماعي يمثل إنجازاً معرفياً لا يجوز تجاهله.
كما أن كثيراً من التناقضات التي تبدو لنا غير منطقية يمكن أن تُفهم في ضوء اختلاف مستويات الانتقاء، أو التعارض بين المصالح الآنية والبعيدة، أو عدم التوافق بين خصائص نشأت في بيئات قديمة والظروف التي يعيش فيها الإنسان المعاصر.
غير أن الاعتراف بهذه الإنجازات لا ينبغي أن يتحول إلى “وصاية معرفية” تمنعنا من مساءلة حدودها التفسيرية. فليس السؤال عما إذا كانت البيولوجيا التطورية تستطيع تقديم تفسير لهذا السلوك البشري أو ذاك، وإنما عما إذا كانت التفسيرات المتفرقة قادرة على الكشف عن العلة الجامعة وراء الاستثنائية التي تتميز بها النفس البشرية.
وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين: أن تكون فرضية الوباء التطوري قادرة على تقديم تصور فلسفي متماسك، وأن تكون قادرة على تقديم تفسير علمي يمكن اختباره. فالتماسك الفلسفي، على ما له من قيمة معرفية، لا يكفي وحده لإثبات وقوع انعطافة تطورية بعينها. وإذا أردنا لهذه الفرضية أن تتجاوز حدود التأمل الفلسفي، فلا بد من البحث عن شواهد مستقلة يمكن أن تدعمها، وعن نتائج محددة تتوقعها وتختلف عن النتائج التي تتوقعها النماذج التطورية الأخرى.
ولا بد أيضاً من تحديد ما الذي نعنيه بالفائض، وكيف يمكن قياسه، وما المعايير التي تتيح لنا التمييز بين القدرة التي اتسعت وظائفها بصورة طبيعية، والقدرة التي بلغ اتساعها مستوى الاختلال الذي نفترضه.
إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الفرضية، وإنما تمثل الطريق الذي ينبغي أن تسلكه إذا أرادت أن تتحول إلى مشروع بحثي قابل للفحص والنقد.
لعل المفارقة الأشد إثارة للتأمل في هذا كله أن الإنسان هو الكائن الذي استطاع أن يجعل من نفسه موضوعاً للدراسة، وأن يبحث في أصوله التطورية، وأن يتساءل عن العلل التي جعلته كما هو.
ومع ذلك، فإن الأدوات المعرفية التي يستخدمها في هذه الدراسة ليست مستقلة عن المنظومة النفسية التي يسعى إلى فهمها. فهو يحاول أن يفهم فائض التمثّل بواسطة عقل يتأثر بهذا الفائض، وأن يفسر العدوان بواسطة منظومة معرفية قد تكون بعض أحكامها مشروطة بانحيازات عدوانية، وأن يدرس رغباته ودوافعه من خلال وعي ليس بمنأى عن سلطان هذه الرغبات والدوافع.
وهنا نكون بإزاء مفارقة إبستمولوجية بالغة الدلالة المعرفية مفادها أن الكائن الذي نحاول فهمه هو نفسه الذي يتولى إنتاج المعرفة المتعلقة به! ولذلك فقد لا يكون من المستغرب أن يجد الإنسان صعوبة بالغة في الاعتراف بأن بعض الخصائص التي طالما عدّها شواهد على تفوقه التطوري يمكن أن تكون، في الوقت ذاته، مصادر لاختلالاته وتناقضاته. فما الذي يمنع أن تكون القدرة الاستثنائية على التمثّل قد منحت الإنسان أعظم إنجازاته المعرفية، بينما جعلته أكثر استعداداً من غيره للاستسلام للأوهام؟ وما الذي يمنع أن تكون قدرته على التنظيم والتعاون قد جعلته أكثر كفاءة في بناء الحضارات، بينما جعلته أيضاً أكثر قدرة على تنظيم الحروب والإبادات؟ وما الذي يمنع أن يكون ما نطلق عليه ارتقاء النفس البشرية قد انطوى، في بعض جوانبه، على نشوء منظومة من الفوائض التي لم يواكب اتساعها نشوء ضوابط كافية لتنظيم تفاعلاتها؟ ليس في هذه الأسئلة ما يوجب علينا أن نسارع إلى الإجابة بالإيجاب، ولكن ليس فيها أيضاً ما يبرر استبعادها لمجرد أنها تخالف التصورات التي ألفناها عن المسار التطوري للإنسان.
لعل الوقت قد حان لأن نتحرر من ذلك الميل الذي يجعلنا ننظر إلى كل ما يتميز به الإنسان من خصائص بوصفه شاهداً على ارتقائه، وأن نمنح أنفسنا فرصة للتساؤل عما إذا كانت بعض هذه الخصائص قد نشأت في سياق انعطافة تطورية أفضت إلى نتائج لم تكن لتبدو متوقعة لو أننا اكتفينا باستقراء المسار السابق لنشوء الكائنات الحية وارتقائها. فالإنسان ليس مجرد كائن يمتلك عقلاً متقدماً، أو قدرة استثنائية على التمثّل، أو منظومة معقدة من الدوافع والانفعالات. فالإنسان كائن يستطيع أن يعرف ما ينفعه ثم يعمل على تقويضه، وأن يدرك ما يهدد بقاءه ثم يواصل إنتاج أسبابه، وأن يتباهى بعقلانيته بينما يسخر أعظم قدراته العقلية للدفاع عن أوهامه!
وإذا كانت هذه التناقضات قابلة للتفسير، كل على حدة، من خلال آليات تطورية معروفة، فإن اجتماعها وتفاعلها وتراكم آثارها في منظومة نفسية واحدة يظل جديراً بأن يكون موضوعاً لمقاربة أوسع.
ومن هنا تنشأ أهمية فرضية الوباء التطوري، لا بوصفها حكماً نهائياً على الطبيعة البشرية، وإنما بوصفها دعوة إلى إعادة مساءلة المسار الذي أفضى إلى ظهور هذه الطبيعة، وإلى البحث عما إذا كانت انعطافة استثنائية قد جعلت من الإنسان كائناً تتجاوز قدراته أحياناً حدود ما يستطيع ضبطه من آثارها.
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نختم به هو ليس: لماذا يتميز الإنسان بكل هذه التناقضات؟ بل: ماذا لو كانت تناقضات النفس البشرية هي ليست مجرد عوارض رافقت ارتقاء الإنسان، وإنما كانت من أبرز الآثار التي خلفتها الانعطافة التطورية التي جعلت منه ما هو عليه اليوم؟
وعندئذ قد لا يعود الإنسان مجرد شاهد على تاريخ التطور، بل يصبح، في ضوء هذه الفرضية، الشاهد الأكثر إثارة للتأمل على احتمال أن يكون التطور قد أفضى، في إحدى انعطافاته، إلى كائن يمتلك من القدرة على تجاوز حدود الطبيعة ما يجعله قادراً أيضاً على تهديد الشروط الطبيعية التي أتاحت له الوجود!
