
ثمة مفارقة معرفية عجيبة في سلوك الإنسان، لعلها من أكثر المفارقات تعبيراً عن تلك الطبيعة الإشكالية للعقل البشري، الذي لا يبدو مستعداً دائماً للاعتراف بحدود ما يعرف، ولا متحمساً للإقرار بما يجهل، بل كثيراً ما يتصرف وكأن مجرد امتلاكه القدرة على التفكير والكلام وإبداء الرأي يمنحه، في الوقت نفسه، الأهلية المعرفية للحكم على كل ما يعرض له من قضايا، بصرف النظر عما إذا كانت له بها معرفة سابقة، أو كانت تقع خارج حدود تخصصه، أو حتى خارج حدود ما يستطيع فهمه واستيعابه!
وليس مستغرباً، والحال هذه، أن نجد إنساناً لم يتلقَّ من التعليم إلا النزر اليسير، ولم يُعرف عنه انشغال جاد بتحصيل المعرفة، يتحدث بثقة عجيبة في مسائل تتصل بالطب والفيزياء والاقتصاد والتاريخ والفلسفة، وكأنه قد أحاط بهذه العلوم جميعاً، وألمَّ بمناهجها، واستوعب ما انتهى إليه المتخصصون فيها من نتائج وما لا يزالون يختلفون بشأنه من مسائل!
غير أن ما يستدعي منا قدراً أعظم من الاستغراب ليس هذا الإنسان الذي قد يجد في جهله بما تعنيه المعرفة والتخصص عذراً يفسر لنا، وإن لم يبرر، اندفاعه إلى إبداء الرأي فيما لا يعلم، وإنما ذلك الإنسان الآخر الذي أمضى شطراً طويلاً من حياته في دراسة علم بعينه، واكتساب الخبرة في أحد ميادين المعرفة، حتى صار متخصصاً فيه، ومدركاً لما يتطلبه التخصص من جهد ومثابرة وتراكم معرفي، ثم لا يلبث أن يتصرف، بمجرد مغادرته حدود تخصصه، على نحو لا يختلف كثيراً عن سلوك ذلك الجاهل الذي لم يتعلم!
فكيف يستقيم أن يكون الإنسان عارفاً بما يعنيه التخصص، ثم يتصرف وكأنه لا يعني شيئاً حين يتعلق الأمر بتخصص الآخرين؟! وكيف لمن أمضى عشرين عاماً في دراسة علم من العلوم أن يستخف، ولو ضمناً، بالعشرين عاماً التي أمضاها غيره في دراسة علم آخر؟!
وهنا تحديداً تتجلى المفارقة التي تستحق منا وقفة معرفية ونفسية متأنية. فالطبيب الذي يدرك أن تشخيص مرض بعينه لا يستقيم من دون معرفة متخصصة، قد لا يجد حرجاً في إصدار أحكام قاطعة بشأن قضية تاريخية معقدة لم يدرس مصادرها. والفيزيائي الذي يعلم أن فهم ظاهرة طبيعية قد يستلزم سنوات من البحث والتجريب، قد يتحدث في الفلسفة أو علم النفس أو الاجتماع بثقة لا تتناسب مع مقدار معرفته الفعلية بهذه الميادين. وكذلك المؤرخ الذي أمضى حياته في تمحيص الوثائق واستقصاء الوقائع، قد يتناول مسألة بيولوجية أو طبية كما لو أن مهاراته في البحث التاريخي تكفي وحدها للفصل فيها.
وليس المقصود بهذه الأمثلة أن المتخصص محكوم عليه بالبقاء أسيراً لتخصصه، أو أن عليه الامتناع عن التفكير في كل ما يقع خارجه. فالمعرفة البشرية لم تتقدم دائماً داخل حدود التخصصات المغلقة، بل إن بعض أهم انعطافاتها نشأ من تفاعل ميادين معرفية مختلفة. وإنما المقصود أن الانتقال من ميدان معرفي إلى آخر لا ينبغي أن يكون انتقالاً تلقائياً للسلطة المعرفية التي اكتسبها المرء في ميدانه الأول. فليس كل من عرف شيئاً قد عرف كل شيء، وليس كل من امتلك أدوات البحث في علم بعينه قد امتلك، بالضرورة، الأدوات الكافية للحكم في العلوم الأخرى.
ومن هنا يمكننا التمييز بين فضول معرفي مشروع يدفع الإنسان إلى استكشاف ما يقع خارج اختصاصه، وبين نزعة وصائية تجعله يتعامل مع أحكامه في تلك الميادين كما لو أنها تتمتع بالقدر نفسه من المشروعية الذي تتمتع به أحكام أصحاب الاختصاص فيها.
والفارق بين الحالتين ليس فارقاً في مقدار الجرأة على التفكير، وإنما في مقدار الوعي بحدود المعرفة. فالإنسان الذي يسعى إلى التعلم خارج تخصصه يبدأ بالسؤال، أما الذي يسعى إلى فرض وصايته المعرفية فيبدأ بالحكم. فالأول ينطلق من إدراكه أن هناك ما لا يعرفه، والثاني ينطلق من افتراض ضمني أن ما لا يعرفه لا يستعصي عليه أن يحكم فيه!
ولعلنا نستطيع أن نفهم جانباً من هذه الظاهرة إذا ما استحضرنا ما لفائض التمثّل من سلطان معرفي على العقل البشري. فالإنسان لا يكتفي بالتعامل مع العالم كما تقدمه إليه معطياته الحسية والمعرفية، وإنما يمتلك قدرة استثنائية على تمثّل العالم في ذهنه، وإعادة صياغة ظواهره، وإنشاء تصورات افتراضية للعلاقات التي تجمع بين مفرداته! وهذه القدرة، التي كانت ولا تزال من أعظم مصادر الإبداع البشري، قد تتحول في ظروف بعينها إلى مصدر من مصادر الوهم المعرفي، وذلك حين يعجز الإنسان عن التمييز بين العالم كما هو، والعالم كما تمثّله في ذهنه.
وهنا تبرز واحدة من أخطر النتائج المحتملة لفائض التمثّل: أن يستطيع العقل البشري إنشاء تصور متماسك ظاهرياً عن مسألة يجهل حقيقتها، ثم يستمد من تماسك هذا التصور شعوراً زائفاً بأنه قد أحاط بها علماً! فالعقل لا يحتاج دائماً إلى معرفة تفصيلية بالظاهرة حتى يتمكن من بناء تصور عنها. وقد يكفيه أن يمتلك بعض المعلومات المتفرقة، وأن يعيد ترتيبها وربط بعضها ببعض، حتى ينتهي إلى بناء تمثّلي يبدو له مقنعاً، بل قد يبدو له أكثر إقناعاً من التفسير الذي يقدمه المتخصصون أنفسهم! وليس عسيراً أن نلاحظ كيف يتضاعف هذا الوهم حين يكون صاحبه متخصصاً في أحد ميادين المعرفة. فالمتخصص لا يمتلك مجرد معلومات، وإنما يمتلك أيضاً خبرة سابقة في التحليل والاستدلال وبناء الحجج، وقدرة على التعبير بلغة علمية أو أكاديمية تضفي على أحكامه مظهراً من مظاهر الرصانة.
وهنا قد يحدث انتقال غير مشروع من الثقة بالكفاءة المكتسبة إلى الثقة بكفاءة مفترضة؛ أي من إدراك المرء أنه قادر على إصدار أحكام علمية معتبرة داخل ميدان اختصاصه، إلى توهمه أن هذه القدرة صفة ملازمة لعقله أينما توجه، وفي أي موضوع انشغل! وبذلك يتحول التخصص، الذي كان ينبغي أن يكون مدرسة لتعلّم التواضع المعرفي، إلى مصدر إضافي من مصادر الغرور المعرفي!
وهذه مفارقة تستحق التأمل حقاً؛ ذلك أن الإنسان كلما ازداد تخصصاً في علم بعينه، كان من المفترض أن يزداد إدراكاً لتعقيد المعرفة، ولحجم ما يجهله حتى داخل حدود اختصاصه. فإذا به، في بعض الأحيان، يجعل من نجاحه في ميدان واحد دليلاً ضمنياً على قدرته على النجاح المعرفي في سائر الميادين! وقد يكتسب هذا الوهم قوة إضافية من المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها المتخصص.
فالمجتمعات البشرية كثيراً ما تنزع إلى التعامل مع صاحب اللقب العلمي أو الأكاديمي بوصفه مرجعاً معرفياً عاماً، لا مجرد صاحب كفاءة محددة في مجال بعينه. وهكذا قد يُستدعى الطبيب للحديث في الاقتصاد، والمهندس للفصل في مسائل التاريخ، والفيزيائي للحكم في قضايا الدين والفلسفة، لا لأن هؤلاء اكتسبوا بالضرورة معرفة كافية بهذه الموضوعات، وإنما لأن مكانتهم العلمية في ميادينهم الأصلية توحي للجمهور بأن لهم سلطة معرفية تتجاوز تلك الميادين! والأخطر من ذلك أن يستجيب المتخصص نفسه لهذا التصور الاجتماعي، فيشرع في التعامل مع احترام الناس لكفاءته العلمية باعتباره تفويضاً مفتوحاً للحكم في كل ما يُسأل عنه! وعندئذ لا تعود المشكلة مقصورة على شخص يجهل حدود معرفته، وإنما تصبح ظاهرة اجتماعية تسهم في إنتاجها وإدامتها العلاقة الملتبسة بين السلطة العلمية والسلطة الاجتماعية.
غير أن علينا ألا نغفل عن جانب آخر من هذه الظاهرة، يتصل بما قد تستشعره النفس البشرية من حرج حين تضطر إلى الاعتراف بالجهل. فالإنسان، على ما يبدو، لا يتعامل دائماً مع عبارة «لا أعلم» بوصفها إقراراً طبيعياً بحدود معرفته، وإنما يتعامل معها كما لو أنها اعتراف بنقص في قدرته العقلية، أو تنازل عن المكانة التي يتصور أنه يحتلها في أعين الآخرين.
ولذلك قد يجد نفسه مدفوعاً إلى إبداء الرأي حتى حين لا يكون لديه ما يكفي من المعرفة التي تسوغ هذا الرأي. وإذا كان هذا الميل مفهوماً، وإن لم يكن مبرراً، لدى الإنسان غير المتخصص، فإنه يصبح أشد إثارة للتساؤل حين يصدر عن صاحب اختصاص يفترض أنه تعلم، من خلال تجربته العلمية، أن الاعتراف بالجهل ليس نقيض المعرفة، وإنما أحد شروط اكتسابها.
فكم من سؤال علمي لا يزال بلا جواب، وكم من مسألة يختلف بشأنها كبار المتخصصين، وكم من نظرية كانت تحظى بقبول واسع ثم اضطر أصحابها إلى مراجعتها أو التخلي عنها! ومع ذلك، قد نجد من يتردد في الجزم داخل تخصصه، ثم لا يتردد لحظة في الجزم خارجه!
ولعل في هذه المفارقة ما يكشف عن أن امتلاك المعرفة لا يستلزم بالضرورة امتلاك الوعي النقدي بكيفية استخدامها، وأن التخصص العلمي لا يضمن وحده تحرر صاحبه من نزعات نفسية ومعرفية قد تدفعه إلى تجاوز الحدود التي يفترض أنه أقدر الناس على إدراكها.
ومن المهم هنا أن نميز بين امتلاك الإنسان حق إبداء الرأي، وبين امتلاكه الأهلية التي تجعل من رأيه حكماً معرفياً معتبراً. فليس من حق أحد أن يحتكر التفكير، ولا ينبغي للتخصص أن يتحول إلى حصانة تحمي أصحابه من النقد والمساءلة. وقد يستطيع غير المتخصص أن يطرح سؤالاً ينطوي على مضامين ذات دلالات بالغة، أو يكشف تناقضاً في حجة، أو يقدم اعتراضاً يستحق أن يؤخذ على محمل الجد. ولكن قيمة هذا الاعتراض لا تنشأ من مجرد الجرأة على إعلانه، وإنما من مقدار استناده إلى المعرفة والحجة والمنهج. فالتخصص لا يمنح صاحبه العصمة، مثلما أن غياب التخصص لا يجعل صاحبه مخطئاً بالضرورة. غير أن هذه الحقيقة لا تبيح لنا إلغاء الفارق بين الرأي المؤسَّس على معرفة منهجية متراكمة، والرأي الذي لا يستند إلا إلى انطباع شخصي أو تصور افتراضي.
ولعل أخطر ما في هوس الوصاية المعرفية أنه لا يكتفي بجعل الإنسان يتحدث فيما لا يعلم، وإنما قد يجعله عاجزاً عن التعلم ممن يعلم! فما إن يستقر في ذهنه أنه يمتلك التصور الصحيح للمسألة، حتى يصبح ما يقدمه الآخرون من معارف وحجج موضوعاً للمقاومة لا للفحص، ويغدو اختلاف المتخصصين معه دليلاً، في تقديره، على قصورهم هم، لا مناسبة لمراجعة ما انتهى إليه هو!
وهنا تبلغ الوصاية المعرفية مرحلة أشد خطورة، وذلك حين لا يعود الجهل مجرد افتقار إلى المعرفة، وإنما يتحول إلى موقف نفسي ومعرفي يحول دون اكتسابها! فالجاهل الذي يعرف أنه جاهل يستطيع أن يتعلم، أما الذي يتوهم أنه يعلم فقد يحتاج، قبل أن يتعلم، إلى أن يتحرر من وهم امتلاك المعرفة! وليس بعيداً عن هذا السياق أن نتساءل عما إذا كان هوس الإنسان بإبداء الرأي في كل شيء يمثل، في جانب منه، تعبيراً عن حاجته إلى تأكيد حضوره الذاتي. فقد لا يكون الحكم الذي يصدره بشأن قضية لا يعرف عنها إلا القليل موجهاً، في حقيقة الأمر، إلى تفسير تلك القضية بقدر ما يكون موجهاً إلى إثبات أنه حاضر، وقادر على الحكم، وأن له من الأهلية ما يجعل الآخرين ملزمين بالإنصات إليه!
وبهذا المعنى قد تتحول المعرفة، أو ما يتوهم الإنسان أنه معرفة، من وسيلة لفهم العالم إلى وسيلة لتأكيد الذات! وإذا صح هذا التصور، ولو في بعض الحالات، فإننا نكون أمام ظاهرة لا يكفي لتفسيرها الاحتكام إلى نقص المعلومات أو ضعف التعليم، لأنها تتصل أيضاً بعلاقة الإنسان بنفسه، وبحاجته إلى الاعتراف الاجتماعي، وبما قد يستشعره من تهديد حين يواجه حدود قدرته على الفهم والحكم.
ولذلك فإن المزيد من التعليم لا يكفي وحده، بالضرورة، لمعالجة هذه الظاهرة؛ إذ قد يزداد الإنسان علماً من دون أن يزداد وعياً بحدود علمه، وقد تتسع دائرة معارفه فيما تزداد معها ثقته غير المبررة بأحكامه خارج تلك الدائرة.
وهكذا نعود إلى المفارقة التي انطلقنا منها. فالإنسان الذي أمضى سنوات طويلة يتعلم كيف يعرف، قد لا يكون قد تعلم بالقدر نفسه كيف يعترف بأنه لا يعرف! والإنسان الذي يدرك أن المعرفة المتخصصة لا تُنال إلا بالصبر والمثابرة والتدريب والبحث، قد يتصرف، حين يتعلق الأمر بمعرفة الآخرين، وكأن هذه الشروط جميعاً يمكن تجاوزها بمجرد امتلاكه عقلاً قادراً على التفكير! وما أشد غرابة أن يطالب المتخصص الآخرين باحترام اختصاصه، ثم لا يتردد في تجاوز اختصاصاتهم، وأن يرفض تدخل غير المؤهلين في ميدانه، ثم يمنح نفسه الحق في التدخل في ميادينهم! فكأن التخصص، في تصوره، شرط واجب على الآخرين، وامتياز يجوز له هو أن يستغني عنه!
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن واحدة من أهم علامات النضج المعرفي لا تتمثل في مقدار ما يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يمتنع عن إصدار الأحكام بشأنه، إدراكاً منه أن ما لديه من معرفة لا يكفي بعد لتسويغ تلك الأحكام! فليست عبارة «لا أعلم» إعلاناً عن هزيمة العقل، وإنما قد تكون واحدة من أصدق لحظات انتصاره على أوهامه. وليس التواضع المعرفي أن يتخلى الإنسان عن حقه في التفكير، وإنما أن يتخلى عن وهم أن كل ما يستطيع التفكير فيه يصبح، بمجرد ذلك، موضوعاً يحق له أن يفرض بشأنه وصايته المعرفية على الآخرين!
وإذا كان للعقل البشري أن يتباهى بقدرته على تجاوز حدود المألوف، واستكشاف المجهول، وإنشاء التصورات التي لم يسبقه إليها أحد، فإن عليه، في المقابل، أن يتعلم فضيلة لا تقل شأناً عن تلك القدرة، وأعني بها التمييز بين قدرته على تمثّل الأشياء، وقدرته على معرفتها.
فليس كل ما نستطيع أن نتصوره نكون قد عرفناه، وليس كل ما نستطيع أن نتحدث عنه نكون قد فهمناه، وليس كل ما نستطيع أن نصدر حكماً بشأنه نكون قد امتلكنا الأهلية المعرفية التي تسوغ لنا إصداره!
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجه به الإنسان نفسه، قبل أن ينصب من ذاته وصياً معرفياً على ما يقع خارج حدود اختصاصه، هو ليس: هل أستطيع أن أبدي رأياً في هذه المسألة؟ وإنما: ما الذي يجعلني أعتقد أن رأيي في هذه المسألة يستحق من الآخرين أن يعاملوه بوصفه معرفة، لا مجرد رأي؟!
