
ثمة مفارقة معرفية عجيبة في تاريخ العقل البشري، لعلها تتجلى بأوضح صورها في ذلك المجال الذي اعتدنا النظر إليه بوصفه أكثر المجالات المعرفية انضباطاً ودقة ويقيناً، وأعني به الرياضيات! فهذا العلم الذي طالما تفاخر الإنسان بما أتاحه له من قدرة على فهم العالم الطبيعي، والكشف عن انتظام ظواهره، وصياغة القوانين التي تحكم حركته وتفاعلاته، هو نفسه أحد أكثر المجالات إبداعاً لكيانات وعلاقات وعوالم لا نجد لها بالضرورة نظيراً في الواقع الفيزيائي الذي نعيش فيه.
وليس في الأمر ما يستدعي الاستغراب إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما لفائض التمثّل، بوصفه واحدة من أبرز الخصائص التي تميز العقل البشري، من سلطان معرفي يستطيع بمقتضاه أن يجعل الإنسان يتجاوز حدود ما هو موجود بالفعل، لينشغل بما يستطيع عقله أن يتصوره ويفترضه ويعيد تشكيله، بل وحتى أن يبتكر له من القواعد والقوانين ما يجعله عالماً قائماً بذاته، لا يحتاج، لكي يستمر في الوجود الرياضي، إلى شهادة تصدر عن العالَم الفيزيائي تؤكد وجوده فيه!
ولعل المفارقة الأشد إثارة أن الرياضيات، التي نلجأ إليها حين نريد تخليص تفكيرنا من الأوهام والانطباعات الذاتية، هي نفسها المجال الذي تتجلى فيه قدرة العقل البشري على إنتاج أكثر الكيانات تجريداً، ثم التعامل معها بصرامة منطقية تجعلها تبدو، في نظره، حقائق لا تقل يقيناً عن الحقائق التي تقدمها له حواسه!
ليس المقصود بفائض التمثّل مجرد قدرة العقل على تخيل الأشياء الغائبة عن حواسه، أو استحضار صور ذهنية لما سبق له أن أدركه، وإنما تلك القدرة التي يتجاوز بمقتضاها العقل حدود الموجود والمعطى، ليبدع تمثّلات جديدة لا يشترط أن تكون مستمدة من تجربة حسية سابقة، ولا أن يكون لها مقابل في العالم الخارجي. فالعقل البشري لا يكتفي، والحال هذه، بأن يتمثّل العالم كما هو، وإنما يستطيع أن يتمثّل عوالم أخرى كما يمكن أن تكون، أو كما يريد لها أن تكون، ثم يشرع في استكشاف ما تقتضيه افتراضاته من علاقات ونتائج.
وهنا تتجلى الرياضيات بوصفها أحد أكثر المجالات المعرفية ملاءمة لازدهار هذا الفائض التمثّلي؛ إذ يستطيع الرياضي أن يبدأ بمجموعة من التعريفات والمسلمات، ثم يمضي في بناء منظومة من العلاقات والكيانات التي لا تستمد مشروعيتها من وجودها الفيزيائي، وإنما من اتساقها مع ما جرى افتراضه ابتداءً، ومن سلامة الاستدلالات التي تربط بين مقدماتها ونتائجها.
وهكذا يصبح العقل، في جانب من نشاطه الرياضي، منشئاً للعالَم الذي يتولى دراسته، بعد أن كان، في العلوم الطبيعية، معنياً باستكشاف عالم لم يكن هو الذي أنشأه!
وليس هذا الفارق بالأمر الهين، فهو يضعنا أمام سؤال إبستمولوجي بالغ الدلالة المعرفية: هل يكتشف العقل الرياضي حقائق كانت موجودة باستقلال عنه، أم أنه يبدع أنساقاً من العلاقات ثم يكتشف ما يترتب على بنائها من حقائق؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها؛ ذلك أن تاريخ الرياضيات نفسه يقدم لنا شواهد تدعم كلا التصورين، من دون أن تحسم النزاع الفلسفي بينهما!
ولعلنا نستطيع أن نستحضر هنا الأعمال التي اشتهر بها عالم الرياضيات المجري إندريه سيميريدي، ولا سيما مبرهنته الشهيرة التي أثبت فيها أن كل مجموعة من الأعداد الطبيعية تتمتع بكثافة علوية موجبة لا بد أن تشتمل على متتاليات حسابية مهما بلغ طولها المفترض.
وليس المقصود هنا الخوض في التفاصيل التقنية لهذه المبرهنة، وإنما التوقف عند ما تكشف عنه من قدرة العقل الرياضي على التعامل مع مجموعات عددية غير متناهية، واستخلاص حقائق عامة عنها تتجاوز كل إمكانية عملية لإحصاء عناصرها أو استعراضها واحداً بعد آخر. فحين يخبرنا الرياضي أن بنية عددية معينة تشتمل بالضرورة على متتاليات حسابية من أي طول نختاره، فإنه لا يحدثنا عن متتالية بعينها سبق له أن أحصى عناصرها، ولا عن مجموعة مادية استطاع أن يضعها أمام عينيه، وإنما عن علاقة رياضية يثبت ضرورتها بالاستدلال. فهو يتحدث عن عالَم لا يستطيع الإنسان أن يستنفد عناصره بالملاحظة، ولا أن يحيط به عن طريق التجربة المباشرة، ومع ذلك يستطيع أن يصدر بشأنه أحكاماً عامة صارمة. والأكثر إثارة أن مبرهنة سيميريدي لا تقتصر دلالتها المعرفية على هذا التجريد، وإنما تكشف عن إمكان العثور على انتظام بنيوي عميق داخل مجموعات قد تبدو عناصرها موزعة بصورة شديدة التعقيد. وهنا يبرز فائض التمثّل لا باعتباره قدرة على اختراع كيانات رياضية فحسب، وإنما باعتباره قدرة على تصور علاقات لا يستطيع الإدراك الحسي المباشر أن يكشف عنها.
غير أن علينا أن ننتبه إلى فارق جوهري: فكون هذه العلاقات لا يمكن استنفادها حسياً لا يعني أنها علاقات وهمية، كما أن البرهان على وجودها الرياضي لا يقتضي بالضرورة أن تكون لها صورة فيزيائية مطابقة. وهذا هو موضع المفارقة التي تستحق منا التأمل.
ولعل الفيلسوف اليوناني أفلاطون كان من أوائل من منحوا هذا التمايز بين العالم المحسوس والعالم العقلي صياغة فلسفية متكاملة، حين جعل من الموجودات المحسوسة صوراً ناقصة أو متغيرة قياساً إلى حقائق عقلية ثابتة لا تدركها الحواس. وإذا كانت نظرية المثل الأفلاطونية قد تعرضت لنقد فلسفي متواصل، فإن من المثير أن نجد في فلسفة الرياضيات المعاصرة اتجاهات تعيد، بصيغ مختلفة، طرح السؤال الذي شغل أفلاطون: هل للكيانات الرياضية وجود مستقل عن العقل الذي يتصورها؟ فالأعداد، والمجموعات، والأبعاد الهندسية، والبنى الرياضية، لا تبدو في نظر بعض الفلاسفة مجرد اختراعات بشرية، وإنما هي حقائق يكتشفها العقل الرياضي، كما يكتشف عالم الطبيعة ظاهرة لم يكن يعلم بوجودها.
ولكن ما الذي يخولنا الانتقال من القول إن علاقة رياضية قد ثبتت صحتها داخل نسق محدد، إلى القول إن الكيانات التي تتعلق بها تلك العلاقة موجودة وجوداً مستقلاً عن العقل البشري؟ أليس من الممكن أن يكون هذا الانتقال نفسه أحد تجليات السلطان المعرفي لفائض التمثّل، حين يجعل العقل ينسب إلى نتاج تمثّلاته مرتبة وجودية لا يقتضيها البرهان الرياضي وحده؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بصحة الرياضيات، وإنما بالمعنى الوجودي الذي نضفيه على موضوعاتها. فقد يكون البرهان الرياضي صحيحاً تماماً، بينما يظل السؤال عن طبيعة وجود الكيانات التي يتناولها مفتوحاً على احتمالات فلسفية متعددة.
ولعل تاريخ الهندسة يقدم لنا مثالاً آخر لا يقل إثارة. فلقد ظلت الهندسة الإقليدية، طوال قرون طويلة، تبدو وكأنها الوصف العقلي الضروري للمكان الذي نعيش فيه، حتى جاء رياضيون من أمثال لوباتشيفسكي وبولياي وريمان، ففتحوا الباب أمام هندسات تختلف في مسلماتها وخصائصها عن الهندسة التي ألفها الإنسان. ولم يكن على العقل الرياضي، لكي يبدع هذه الهندسات، أن يعثر أولاً على عوالم فيزيائية تتحقق فيها جميع علاقاتها، وإنما كان يكفيه أن يستكشف النتائج المترتبة على تغيير بعض المسلمات الهندسية. وهكذا وجد الإنسان نفسه أمام إمكانات متعددة لبنية المكان، بعدما كان يميل إلى الاعتقاد بأن ما ألفه من خصائص هندسية إنما هو يمثل الصورة الوحيدة الممكنة له. وما أشد دلالة أن بعض هذه البنى الرياضية التي نشأت في سياقات تجريدية وجدت لاحقاً تطبيقات ذات قيمة بالغة في الفيزياء، ولا سيما في النظرية النسبية العامة! فهل يعني هذا أن فائض التمثّل كان يكشف عن واقع لم يكن الإنسان قد أدركه بعد؟ ربما في بعض الحالات، ولكن ليس بالضرورة في جميعها. ذلك أن نجاح بناء رياضي في وصف جانب من العالم لا يثبت أن كل بناء رياضي آخر لا بد أن يجد، عاجلاً أو آجلاً، عالماً فيزيائياً ينتظر اكتشافه! وهنا ينبغي لنا أن نميز بين الإمكان الرياضي والإمكان الفيزيائي، وبين ما تسمح به المسلمات والتعريفات وما تسمح به قوانين الطبيعة.
إن من أخطر ما يمكن أن يترتب على السلطان المعرفي لفائض التمثّل أن يجد العقل البشري نفسه مأخوذاً بجمال البناء الذي أبدعه، وبما يتسم به من اتساق داخلي وتناظر وأناقة، إلى الحد الذي يجعله يميل إلى الاعتقاد بأن هذا البناء لا بد أن يُعبِّر عن حقيقة قائمة خارج نطاق تمثّلاته. فليس من العسير على العقل الرياضي أن يبدع منظومة تجريدية بالغة التعقيد، ثم يمضي في استكشاف خصائصها وعلاقاتها، حتى يغدو مأخوذاً بما تتيحه له من نتائج مدهشة. ولكن ما الذي يضمن أن الطبيعة ملزمة بأن تستجيب لما استحسنه العقل من جمال رياضي؟ وما الذي يجعل من أناقة المعادلة دليلاً كافياً على وجود ما تصفه؟
إن تاريخ العلم يعلمنا أن بعض أجمل البنى الرياضية قد أسهمت في الكشف عن حقائق فيزيائية عظيمة، ولكنه يعلمنا أيضاً أن الجمال والاتساق لا يغنيان عن الاختبار حين تكون الدعوى متعلقة بالعالم الطبيعي. والمشكلة، إذاً، ليست في أن يبدع العقل الرياضي ما يشاء من كيانات وعلاقات، وإنما في أن يتجاوز الحدود المعرفية الفاصلة بين ما أثبته بالبرهان وما يتعين عليه إثباته بالملاحظة والتجربة. وهذا التجاوز هو ما يمكن أن نسميه “الاستدراج الوجودي للتمثّل”؛ أي انتقال العقل من التسليم بصحة البناء الرياضي إلى التسليم بوجود مقابل موضوعي له، من دون أن يقدم المسوغات المعرفية الكافية لهذا الانتقال.
وليس المقصود من هذه المقاربة الانتقاص من الرياضيات، أو التشكيك في ما حققته من إنجازات جعلت منها لغة لا غنى عنها للعلوم الطبيعية والتقنية. بل لعل العكس هو الصحيح. فإن الرياضيات تقدم لنا واحداً من أعظم الشواهد على ما يستطيع فائض التمثّل أن يحققه حين تقترن قدرته الإبداعية بصرامة الاستدلال المنطقي. فالفائض الذي يستطيع في مجالات أخرى من النشاط البشري أن ينتج الأوهام والتصورات المنفصلة عن الواقع، يستطيع في الرياضيات أن ينتج أنساقاً معرفية تتمتع بدرجات استثنائية من الانضباط الداخلي والاتساق.
وهنا تتجلى ازدواجية فائض التمثّل في أوضح صورها؛ فهو ليس قوة معرفية مبدعة على الدوام، ولا مصدراً للأوهام على الدوام، بل هو قدرة عقلية تتوقف القيمة المعرفية لنتاجها على طبيعة الضوابط التي تحكم نشاطها، وعلى مدى التزام العقل بالتمييز بين ما يتمثّله وما يعرفه، وبين ما يفترضه وما يثبت وجوده.
ولعل أعظم ما تكشف عنه الرياضيات هو أن العقل البشري يستطيع أن ينتج معرفة صحيحة عن موضوعات لا يتعين أن تكون موجودة وجوداً مادياً، وأن هذا اللون من المعرفة لا يحتاج إلى ادعاء المطابقة الفيزيائية لكي يحتفظ بقيمته.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الإنجاز إلى ذريعة للاعتقاد بأن العقل، ما دام قادراً على إنشاء عالم رياضي متسق، فإنه قادر أيضاً على استنباط طبيعة العالم الفيزيائي بمجرد التأمل في ذلك الاتساق!
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الرياضيات تمثل واحدة من أرقى الممالك التي شيدها العقل البشري بفضل فائض التمثّل، مملكة استطاع فيها أن يتجاوز حدود المحسوس، وأن يبتكر من الكيانات والعلاقات ما لم يكن ليخطر له على بال لو أنه ظل أسير الملاحظة المباشرة وحدها. ولكن هذه المملكة، على ما تتسم به من عظمة وجمال وصرامة، لا ينبغي أن تجعل صاحبها ينسى أن العالم الذي يستطيع أن يبرهن على خصائصه ليس بالضرورة هو العالم الذي يعيش فيه.
فبين العالم الرياضي والعالم الفيزيائي علاقة بالغة العمق والتعقيد، ولكنها ليست علاقة تطابق ضروري وشامل. وإذا كان العقل البشري قد استطاع، بفضل فائض التمثّل، أن يبدع عوالم رياضية تتجاوز كل ما تتيحه له حواسه من معطيات، فإن من مقتضيات نضجه المعرفي أن يدرك أن قدرته على تمثّل العالم لا تمنحه، في حد ذاتها، سلطة تقرير ما يجب أن يكون عليه ذلك العالم!
ولعل المفارقة الوجودية والمعرفية الأعمق هنا أن الإنسان، الذي استطاع أن يتحرر بالرياضيات من قيود العالم المحسوس، قد يجد نفسه أسيراً للعوالم التي أبدعها عقله، وذلك حين ينسى أنها لا تكتسب وجوداً فيزيائياً لمجرد أنه استطاع أن يمنحها وجوداً رياضياً.
فليس كل ما يستطيع العقل أن يتمثّله موجوداً، وليس كل ما يستطيع أن يبرهن عليه رياضياً حقيقةً فيزيائية؛ وبين هذين الحدين تتحدد عظمة فائض التمثّل، كما تتحدد حدود سلطانه المعرفي.
