
ثمة سؤال لم يحظَ، في تقديري، بما يستحقه من اهتمام في محاولات الإنسان فهم الحكمة الكامنة وراء الأوامر الإلهية التي خاطبه بها القرآن الكريم. وهو سؤال لا يتعلق بما تأمرنا هذه الأوامر بفعله، ولا بما تنهانا عن اقترافه، بل بما قد تكشفه لنا عن طبيعة الإنسان نفسه، وعن العلل العميقة التي جعلته محتاجاً إلى هذه الأوامر أصلاً!
فحين يأمر الله الإنسان بالصبر، فإننا ندرك أن الصبر فضيلة ينبغي التحلي بها. وحين يأمره بالعدل، فإننا نعلم أن العدل قيمة ينبغي إقامتها. وحين يدعوه إلى كظم الغيظ، أو ينهاه عن الكبر والبغي والعدوان، فإننا نفهم أن هذه الأوامر والنواهي تستهدف تقويم سلوكه والارتقاء بمنظومته الأخلاقية.
ولكن ماذا لو لم تكن هذه سوى واحدة من طبقات الدلالة التي تنطوي عليها الأوامر الإلهية؟ وماذا لو كان في هذه الأوامر ما يعيننا على معرفة شيء من طبيعة الاختلالات التي استقرت في صلب البنية السلوكية للإنسان، حتى أصبح محتاجاً إلى منظومة إصلاحية لا تكتفي بإرشاده إلى ما ينبغي فعله، بل تدعوه إلى المواظبة على ممارسة ما يقاوم سلطان تلك الاختلالات؟ ثم ماذا لو كانت هذه الاختلالات، على تعدد صورها وتباين مظاهرها، تعود إلى علة أعمق، ذات صلة بماضينا التطوري الذي لم نكتشف بعد جميع أسراره؟
هنا تحديداً تتقدم الميتابايولوجيا بفرضيتها المتعلقة بالانعطافة التطورية الأولى، لتفتح أمامنا أفقاً جديداً للتفكر في العلاقة بين ما يخبرنا القرآن به عن الإنسان، وما يأمره بفعله، وما يمكن أن يكون قد طرأ على مسيرته التطورية من تحولات تركت آثارها في بنية سلوكه.
إن الأطروحة التي تسعى هذه المقالة إلى استقصائها لا تقوم على أن القرآن يقدم نظرية بيولوجية عن نشوء الإنسان، وإنما على احتمال أن يكون لبعض أوامره التعبدية والأخلاقية، إلى جانب مقاصدها الدينية المعلومة، دور إصلاحي عميق يستهدف نزعات سلوكية يمكن أن نبحث في جذورها من منظور ميتابايولوجي.
ومن هنا نقترح النظر إلى هذه الأوامر بوصفها عناصر محتملة في منظومة إصلاحية تقوم على مبدأ فعل الضد.
ولعل من أعجب المفارقات التي تميز الإنسان أنه الكائن الذي يستطيع أن يدرك قبح بعض أفعاله، وأن يتوقع ما قد تجره عليه من عواقب، ثم لا يحول ذلك دون إقدامه عليها! فهو يعرف أن العجلة قد تفسد ما لا يصلحه إلا التأني، ولكنه يتعجل. ويعرف أن الغضب قد يسلبه القدرة على تقدير الأمور، ولكنه يستسلم له. ويعرف أن الكبر قد يعميه عن رؤية الحقيقة، ولكنه يظل مأخوذاً بتعظيم ذاته. ويعرف أن الظلم قد يفضي إلى خراب العلاقات الإنسانية، ولكنه لا يتردد في ممارسته حين يجد فيه ما يحقق مصلحة أو يشبع رغبة.
إن هذه المفارقة تجعلنا أمام سؤال يتجاوز حدود التربية الأخلاقية المعتادة. فلماذا لا تكفي معرفة الإنسان بما هو صواب لكي تجعله قادراً على فعله؟ فقد يقال إن الأمر يتعلق بضعف الإرادة، أو غلبة الشهوة، أو تأثير البيئة والتنشئة الاجتماعية. وهي تفسيرات لا ينبغي إغفالها، ولكنها لا تمنعنا من التساؤل عما إذا كانت وراء هذه المظاهر المتعددة بنية أعمق، تجعل الإنسان ميالاً إلى تقديم إشباع دوافعه الآنية على ما يدركه من مقتضيات المصلحة والحكمة والعدل.
إن المعرفة البشرية تستطيع أن تحدد للإنسان ما ينبغي أن يكون عليه سلوكه، ولكنها لا تضمن أن تكون هذه المعرفة هي المتحكمة في سلوكه!
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعرفة وامتلاك القدرة على العمل بمقتضاها. فالإنسان قد يعرف العدل، ولكنه لا يعدل. وقد يعرف الصبر، ولكنه لا يصبر. وقد يعرف فضيلة التواضع، ولكنه لا يكف عن تعظيم ذاته. ومن هنا يمكن أن نبدأ البحث عن دلالة تلك الأوامر الإلهية التي لا تكتفي بإخبار الإنسان بما هو حسن، بل تطالبه بأن يمارسه، وأن يواظب عليه، وأن يقاوم ما يدفعه إلى مخالفته.
تقوم إحدى الفرضيات المركزية للميتابايولوجيا على أن المسيرة التطورية للإنسان قد شهدت انعطافة أولى ترتبت عليها آثار عميقة، لم تقتصر على إحداث تحولات في قدراته المعرفية، بل امتدت إلى البنية التي تنتظم دوافعه واستجاباته السلوكية.
وبحسب هذه الفرضية، فإن الانعطافة المذكورة لم تكن مجرد مرحلة أخرى في سلسلة التحولات التطورية، وإنما مثلت اختلالاً ذا عواقب واسعة النطاق، يمكن النظر إليه بوصفه اعتلالاً تطورياً عاماً، أو ما تصفه الميتابايولوجيا، في إطارها الاصطلاحي الخاص، بالوباء التطوري. ولا يُقصد بالوباء هنا مرض معدٍ بالمعنى الطبي، بل حالة افتراضية من الاختلال البنيوي الذي تتعدد مظاهره، وتتغلغل آثاره في جوانب مختلفة من الظاهرة الإنسانية. فالعجلة، والجزع، والعدوان، والكبر، والجشع، والاستئثار، والإفراط في تعظيم الذات، قد تبدو للوهلة الأولى نزعات مستقلة، لا يجمع بينها سوى كونها خصائص سلوكية غير مرغوبة.
ولكن ماذا لو كانت هذه النزعات تمثل تجليات مختلفة لاختلال واحد أصاب العلاقة بين القدرات المعرفية للإنسان وبين المنظومة التي تنظم دوافعه وانفعالاته؟ وماذا لو كان ما نسميه فائض التمثل، وفائض العدوان، وفائض الجنس، في الإطار الميتابايولوجي، تعبيراً عن اختلالات متشابكة لا يمكن فهم آثارها السلوكية بمعزل بعضها عن بعض؟
إن الإنسان لا يكتفي بأن يرغب في شيء، بل يستطيع أن يتخيل امتلاكه قبل أن يمتلكه، وأن يضفي عليه قيمة قد تتجاوز قيمته الواقعية، وأن يجعل حرمانه منه مصدراً للغضب أو الجزع أو العدوان. وهو لا يكتفي بالدفاع عن نفسه حين يتعرض للخطر، بل يستطيع أن يتمثل عدواً حيث لا يوجد عدو، وأن يتخيل تهديداً حيث لا يوجد تهديد، وأن يجعل من صورته المتخيلة عن ذاته سبباً للاعتداء على الآخرين. وهو لا يكتفي بامتلاك معرفة محدودة عن العالم، بل قد يحول هذه المعرفة إلى مبرر لادعاء امتلاك الحقيقة كلها، فيغدو اعتراض الآخرين عليه اعتداءً متخيلاً على مكانته المعرفية!
وهكذا تتداخل النزعات، ويصبح ما يبدو سلوكاً واحداً نتيجة لتفاعل دوافع متعددة. غير أن رد هذه المظاهر جميعاً إلى انعطافة تطورية واحدة يظل فرضية تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يكفي لتأييدها مجرد إمكان الجمع بينها في إطار تفسيري واحد. فالعلوم النفسية والتطورية تقدم تفسيرات متعددة لهذه السلوكيات، من بينها التكيفات المتوارثة والتعلم الاجتماعي وآليات تنظيم الانفعال.
ولكن قيمة الفرضية الميتابايولوجية تكمن في السؤال الذي تطرحه، والذي مفاده هل يمكن أن يكون وراء هذا التعدد السلوكي اختلال بنيوي مشترك لم ننجح بعد في تحديده؟
وإذا افترضنا أن بعض النزعات التي تستبد بالسلوك الإنساني تعود إلى اختلالات عميقة في بنيته، فإن إصلاحها لا يمكن أن يقتصر على تعريف الإنسان بقبح نتائجها. فالإنسان لا يتحرر من الكبر بمجرد أن يعرف أن التواضع فضيلة، ولا يتحرر من العدوان بمجرد أن يدرك أن الظلم مذموم، ولا يصبح صبوراً بمجرد أن يقتنع بأن العجلة قد تفضي إلى الندم. فما يحتاج إليه هو أن يتعلم كيف يمارس سلوكاً مخالفاً لما تدفعه إليه نزعاته، وأن يواظب على هذه الممارسة حتى تصبح لديه قدرة أكبر على تنظيم استجاباته.
ومن هنا نقترح صياغة ما نسميه المبدأ الإصلاحي لفعل الضد. ومفاده أن إصلاح النزعة السلوكية المختلة قد يقتضي ممارسة فعل مضاد لها، بصورة واعية ومتكررة، بما يحد من سلطانها ويعيد تنظيم العلاقة بين الدافع والإرادة والسلوك. فالصبر يقاوم الجزع. والتأني يقاوم العجلة. والتواضع يقاوم الكبر. والعدل يقاوم الهوى والتحيز. وكظم الغيظ يقاوم الاندفاع العدواني. والإنفاق يقاوم الشح والاستئثار. غير أن هذا المبدأ لا يقوم على افتراض أن كل دافع إنساني مذموم، أو أن كل إصلاح يتحقق بمجرد فعل النقيض بصورة آلية. فالخوف قد يكون ضرورياً، والغضب قد يكون استجابة مفهومة للظلم، والرغبة في التملك قد ترتبط بحاجات مشروعة. وإنما يكون فعل الضد إصلاحياً حين يستهدف الإفراط والاختلال، لا حين يعمل على إلغاء الوظيفة الطبيعية للدافع.
وهنا تتجلى أهمية الأوامر الإلهية؛ لأنها لا تدعو الإنسان إلى إلغاء طبيعته، بل إلى تقويم سلوكه وضبط نزعاته ضمن منظومة قيمية تجعل العدل والإحسان والتقوى حاكمة على ما يصدر عنه من أفعال.
يقول تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: 11). ويقول: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ (المعارج: 19–20). ثم يأمر المؤمنين بقوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (آل عمران: 200). فالعلاقة بين هذه الآيات تتيح لنا أن نتأمل الصبر بوصفه ممارسة تعيد تنظيم استجابة الإنسان للزمن والمشقة وتأخر النتائج. فالإنسان العجول يريد أن تتحقق رغباته فوراً، والجزوع يريد أن تزول عنه المشقة قبل أن يستنفد ما تتطلبه مواجهتها من احتمال. أما الصبر فيقتضي ألا يجعل الإنسان من الرغبة العاجلة أو الانفعال المؤقت حاكماً على قراره. ولكن ماذا عن الغضب؟ يقول تعالى في وصف المحسنين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134). فكظم الغيظ لا يعني بالضرورة غياب الغضب، وإنما يعني أن الغضب لا ينبغي أن يمتلك السلطة المطلقة على السلوك. فالإنسان قد يغضب، ولكنه يستطيع أن يمتنع عن تحويل غضبه إلى عدوان. وقد يشعر بالإساءة، ولكنه يستطيع أن يختار العفو حين يكون العفو أصلح.
ومن هنا فإن الصبر وكظم الغيظ يلتقيان في وظيفة إصلاحية مشتركة: تحرير القرار من الخضوع التلقائي للدافع. فإذا كان فائض العدوان، بحسب التصور الميتابايولوجي، أحد المظاهر المفترضة للاختلال التطوري، فإن كظم الغيظ يمثل نموذجاً واضحاً لممارسة السلوك المضاد للاندفاع العدواني. ولا يعني ذلك أن مجرد كظم الغضب يزيل جذوره، أو أن كبت الانفعال دائماً هو الطريق الأفضل لمعالجته؛ إذ قد يتطلب الإصلاح أيضاً فهم أسبابه والتعبير عنه بصورة سليمة ومعالجة الظلم الذي أثاره. ولكن الآية تفتح أمامنا باباً للتفكر في قدرة الإنسان على الفصل بين ما يشعر به وما يختار أن يفعله.
ومن أكثر النزعات التي تستحق الدراسة في ضوء الميتابايولوجيا ميل الإنسان إلى تعظيم ذاته، حتى يغدو ما يملكه من معرفة أو قدرة أو مكانة سبباً لاعتقاده بأنه أرفع من غيره، أو أنه أحق منهم بأن يُسمع له ويُطاع
ولعل هذه النزعة تتجلى بأوضح صورها حين تتحول المعرفة من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة لإثبات التفوق على الآخرين.
فالإنسان قد يصبح أسيراً لصورة متخيلة عن نفسه، ثم ينشغل بالدفاع عن هذه الصورة أكثر من انشغاله بمراجعة ما يعرفه. وهنا يمكن أن نلمح صلة محتملة بين فائض التمثل وبين تضخم الذات؛ إذ يستطيع الإنسان أن يتمثل لنفسه مكانة معرفية أو أخلاقية أو اجتماعية تتجاوز ما يسوغ له الواقع ادعاءه. فيقول تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (الإسراء: 37). ويقول: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان: 18). فاللافت في هذه الآيات أنها لا تكتفي بالنهي عن التكبر، بل تلفت الإنسان إلى محدوديته الواقعية. فهو مهما عظم شأنه لن يخرق الأرض، ولن يبلغ الجبال طولاً. وكأن في هذه الإشارة دعوة إلى تصحيح الصورة التي يتمثلها الإنسان عن ذاته، وإعادتها إلى حدود الواقع. وهنا يصبح التواضع أكثر من فضيلة اجتماعية؛ إذ يمكن النظر إليه بوصفه ممارسة معرفية أيضاً، تقاوم ما قد يترتب على تضخم التمثل الذاتي من أوهام التفوق واليقين المطلق. فالإنسان المتواضع ليس من ينكر ما يمتلكه من قدرات، بل من لا يجعل هذه القدرات مبرراً لإلغاء الآخرين أو الاستعلاء عليهم؛ فهو الإنسان الذي يستطيع أن يرى نفسه في حدودها الواقعية، لا في الصورة التي يشتهي أن تكون عليها.
فإذا كان الصبر يستهدف مقاومة الجزع، والتواضع يقاوم الكبر، فإن العدل يضع الإنسان أمام اختبار قد يكون أشد تعقيداً. فهو لا يطالبه بمجرد الامتناع عن ظلم الآخرين، بل يطالبه بألا يجعل من مصالحه وانحيازاته وعلاقاته الشخصية معياراً للحكم على الحق والباطل. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135). ويقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). إن ما يلفت النظر في هاتين الآيتين أن الأمر بالعدل يتوجه إلى الإنسان في المواضع التي يكون فيها أكثر عرضة للانحياز. فقد ينحاز إلى نفسه، أو إلى والديه وأقاربه، أو يحمل بغضه لقوم على أن يجور عليهم. وهكذا لا يكون العدل مجرد معرفة بمبدأ أخلاقي، بل ممارسة تقتضي مقاومة دوافع قد تبدو للإنسان طبيعية ومفهومة، بل ومبررة أحياناً. ومن هنا يمكن أن نفهم العدل، في ضوء المبدأ الإصلاحي لفعل الضد، بوصفه تدريباً على ألا تكون المصلحة الذاتية أو العاطفة أو الانتماء هي المرجع النهائي للحكم.
ولعل هذا من أكثر المواضع التي تتجلى فيها الصلة بين الإصلاح الأخلاقي والإصلاح المعرفي. فالانحياز لا يفسد السلوك وحده، بل قد يفسد إدراك الإنسان للوقائع، ويجعله يرى من الأدلة ما يؤيد موقفه، ويتغافل عما ينقضه. وهكذا يصبح العدل ممارسة تستهدف تصحيح العلاقة بين الإنسان والحقيقة، لا العلاقة بينه وبين الآخرين فحسب.
يقول تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9). فالتعبير القرآني عن شح النفس يستحق التأمل؛ إذ يجعل الشح نزعة ينبغي للإنسان أن يتوقى سلطانها. فالرغبة في الاحتفاظ بما نملك قد تكون مفهومة من منظور الحاجة إلى الأمان، ولكنها قد تتجاوز حدودها لتصبح استئثاراً وحرصاً لا ينتهيان. وقد يمتلك الإنسان ما يكفيه، ثم يظل يشعر بأن ما يمتلكه لا يكفي.
وقد يعرف حاجة غيره، ولكنه يجد صعوبة في أن يتخلى عن جزء مما يملك، حتى حين لا يترتب على عطائه ضرر حقيقي.
وهنا يمكن أن نرى في الإنفاق والإيثار ممارسة مضادة للشح، لا تقتصر على نقل المال أو المنفعة من شخص إلى آخر، بل تستهدف أيضاً إعادة تنظيم علاقة الإنسان بالتملك. إنها ممارسة يتعلم الإنسان من خلالها أن امتلاك الشيء لا يعني بالضرورة وجوب الاحتفاظ به، وأن مصلحته لا تنفصل دائماً عن مصالح الآخرين.
وإذا كانت الميتابايولوجيا تبحث في ما قد يكون قد طرأ على منظومة الدوافع الإنسانية من إفراط واختلال، فإن الشح والاستئثار يمثلان مجالاً جديراً بالدراسة، ولا سيما في علاقتهما بالخوف من الفقد، والرغبة في السيطرة، وتعظيم قيمة ما تمتلكه الذات.
حتى الآن تناولنا مجموعة من الأوامر التي يمكن فهم علاقتها بالسلوك المضاد لنزعات بعينها. ولكن ماذا عن العبادات التي تتطلب المواظبة والانتظام، وفي مقدمتها الصلاة والصيام؟ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45). ويقول في شأن الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فما يلفت النظر هنا أن الأمر لا يتعلق بمجرد الامتناع عن فعل مذموم، بل بممارسات تعبدية تتكرر، وتتطلب من الإنسان أن ينظم أفعاله ورغباته وفق التزام يتجاوز الدافع الآني. فالصلاة تستدعي المواظبة والانضباط، والصيام يقتضي الامتناع المؤقت عن إشباع حاجات مشروعة في ذاتها. وليس المقصود من ذلك أن الطعام أو الشراب أو الرغبات الطبيعية تمثل اختلالات ينبغي التخلص منها، وإنما أن الإنسان يستطيع أن يتعلم ألا تكون الرغبة، لمجرد حضورها، سبباً كافياً للاستجابة الفورية لها.
وهنا يبرز سؤال جدير بالبحث: هل تسهم الممارسة التعبدية المنتظمة في تنمية قدرة الإنسان على تنظيم استجاباته، بما يتجاوز المجال المباشر الذي تمارس فيه العبادة؟ إن الإجابة العلمية عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى التأمل الفلسفي وحده، بل تتطلب دراسات تبحث في أثر هذه الممارسات، مع مراعاة اختلاف الأشخاص والظروف والدوافع. ولكن مجرد طرحه يكشف عن إمكان توسيع النظر إلى العبادات، بحيث لا تُختزل في آثارها السلوكية، ولا تُجرد في الوقت نفسه من مقاصدها الإيمانية والروحية.
هنا نصل إلى المسألة الأكثر قيمة وجودية في هذه المقالة. ففي مجالات متعددة من المعرفة، قد تعيننا دراسة الوسيلة الإصلاحية على فهم طبيعة الخلل الذي تستهدف معالجته. ولكن هل يمكن تطبيق هذا المنطق على الأوامر الإلهية؟ وهل نستطيع، مثلاً، أن نستدل من تكرار الأمر بالصبر على عمق حضور العجلة والجزع في البنية الإنسانية؟ وهل يمكن أن نرى في النهي عن الكبر مؤشراً إلى أن تضخم الذات ليس مجرد عيب عارض؟ وهل يشير التشديد على العدل، حتى مع النفس والأقربين والأعداء، إلى أن الانحياز يمثل تحدياً متكرراً في طبيعة الحكم البشري؟
إن هذه الاستدلالات ممكنة بوصفها أسئلة تفسيرية، ولكن ينبغي الحذر من تحويلها إلى براهين قاطعة. فوجود علاج لسلوك معين لا يثبت وحده أن لذلك السلوك منشأً تطورياً محدداً، كما أن الأمر الأخلاقي قد تكون له مقاصد متعددة لا تختزل في معالجة اختلال نفسي أو بيولوجي. ومع ذلك، فإن التأمل في مجموع الأوامر والنواهي، لا في كل أمر بمعزل عن غيره، قد يتيح لنا تصوراً أوسع عن طبيعة التحديات التي تواجه الإنسان في تنظيم سلوكه.
وهنا يمكن أن نقترح تمييزاً بين ثلاثة مستويات من الإصلاح:
المستوى الأول: الإصلاح السلوكي. ويستهدف تغيير الفعل الظاهر، كأن يمتنع الإنسان عن العدوان أو الظلم.
المستوى الثاني: الإصلاح النفسي والمعرفي. ويستهدف مراجعة الدوافع والانحيازات والتصورات التي تسهم في إنتاج ذلك الفعل.
المستوى الثالث: الإصلاح البنيوي المفترض. وهو المستوى الذي تهتم به الميتابايولوجيا، ويتعلق بإمكان أن تؤدي الممارسة المتكررة إلى تعديل أنماط الاستجابة الراسخة، بما يقلل من سلطان النزعات المختلة على السلوك.
ولا يعني الإصلاح البنيوي هنا تغيير الموروث الجيني للإنسان أو محو تاريخه التطوري، بل إعادة تنظيم بعض الاستعدادات والأنماط السلوكية القابلة للتعلم والتعديل. إن التمييز بين هذه المستويات يمنعنا من الخلط بين تغيير السلوك في موقف معين وبين التحرر الدائم من النزعة التي كانت وراءه. فقد يمتنع الإنسان عن العدوان خوفاً من العقوبة، من دون أن تتغير دوافعه العدوانية. وقد يتظاهر بالتواضع طلباً للمديح، بينما يظل الكبر متحكماً في نظرته إلى نفسه. وقد يؤدي فعلاً من أفعال الإنفاق رغبة في اكتساب المكانة الاجتماعية، من دون أن يكون قد تحرر من الشح أو الاستئثار.
وهكذا يصبح السؤال عن الدافع، لا عن الفعل الظاهر وحده، ضرورياً لفهم مدى تحقق الإصلاح.
والآن، إذا ما جمعنا ما تقدم، أمكننا أن نلاحظ أن الأوامر الإلهية التي تناولناها، على اختلاف مجالاتها، تشترك في مطالبة الإنسان بألا يجعل من نزعاته ودوافعه المرجع النهائي لسلوكه. فالصبر يطالبه بألا يستسلم للجزع. وكظم الغيظ يطالبه بألا يحول الغضب إلى عدوان. والتواضع يطالبه بألا يجعل صورته المتخيلة عن ذاته مبرراً للاستعلاء. والعدل يطالبه بألا يخضع أحكامه لهواه وانحيازاته. والإنفاق يطالبه بألا يجعل التملك والاستئثار غاية لا تتجاوزها مصالحه. والعبادات المنتظمة تتيح له مجالاً متكرراً لممارسة الانضباط والالتزام. فالجامع بين هذه الأوامر ليس أنها تلغي دوافع الإنسان، بل أنها تضع هذه الدوافع في موضعها الصحيح، فلا تعود هي الحاكمة على منظومته القيمية والمعرفية.
وهنا يمكن أن نطرح فرضية أكثر تحديداً قوامها: لعل إحدى الوظائف الإصلاحية المشتركة لهذه الأوامر تتمثل في تقليص الفجوة بين ما يستطيع الإنسان أن يدركه من قيم وحقائق، وبين ما يستطيع أن يلتزم به فعلياً في سلوكه. فهي الفجوة التي تجعل الإنسان يعرف الخير ولا يفعله، ويدرك العدل ثم يجور، ويمتدح الصبر ثم يجزع، ويقر بالتواضع ثم يستعلي.
وإذا كانت الميتابايولوجيا تفترض أن الانعطافة التطورية الأولى قد عمقت الاختلال بين قدرات الإنسان المعرفية ومنظومة دوافعه، فإن هذه الفجوة قد تمثل أحد المجالات التي تستحق الدراسة في ضوء تلك الفرضية. غير أن القول بوحدة الوظيفة الإصلاحية لا يثبت وحدة المنشأ التطوري للاختلالات. فقد تتقارب وسائل الإصلاح على الرغم من اختلاف الأسباب التي أوجبتها. ولهذا ينبغي أن تبقى وحدة العلة التطورية فرضية مستقلة، لا نتيجة مفروغاً منها.
ولعل من أكثر النتائج إثارة للتفكر أن النظر إلى الأوامر التعبدية من هذه الزاوية لا ينتقص من قيمتها الدينية، بل يفتح مجالاً للتأمل في جانب إضافي من حكمتها. فالإنسان لا يُطالب بالصبر لأنه قادر دائماً على الصبر من دون مشقة، ولا يُطالب بالعدل لأنه منزّه عن الانحياز، ولا يُطالب بكظم الغيظ لأنه لا يغضب. فهذه الأوامر تخاطب إنساناً يعرف الضعف والتناقض، ولكنه يمتلك أيضاً إمكانات للتعلم والمراجعة والارتقاء.
ومن هنا يمكن أن نفهم التكليف بوصفه دعوة مستمرة إلى تجاوز ما يستبد بالإنسان من نزعات، لا مجرد التزام بمجموعة من الأفعال المنفصلة. فكلما قاوم الإنسان جزعه بالصبر، أو كبرياءه بالتواضع، أو عدوانه بكظم الغيظ، أو انحيازه بالعدل، فإنه يمارس شكلاً من أشكال الارتقاء السلوكي. وهذا الارتقاء لا يعني أن الإنسان قد تخلص نهائياً من دوافعه، بل أنه أصبح أكثر قدرة على ألا يكون أسيراً لها. إنها عملية مفتوحة، لا تتحقق دفعة واحدة، ولا يمكن اختزالها في موقف عابر.
وهنا تتجلى القيمة الوجودية للمواظبة، لأن ما استقر في السلوك عبر سنوات طويلة قد لا يتغير بمجرد قرار واحد، مهما بلغت قوة القناعة التي تقف وراءه.
ومن هذا المنظور، تصبح الممارسة التعبدية والأخلاقية مجالاً لتربية الإرادة، وإعادة تنظيم الاستجابة، وتقويم العلاقة بين المعرفة والفعل.
والآن، هل تكشف لنا الأوامر الإلهية ما الذي ينبغي إصلاحه في تاريخنا التطوري؟
لقد اعتاد الإنسان أن يتساءل عما يريده الله منه حين يأمره بالصبر أو العدل أو التواضع أو كظم الغيظ. ولكن ربما آن الأوان لأن نضيف إلى هذا السؤال سؤالاً آخر مفاده: ما الذي تكشفه لنا هذه الأوامر عن طبيعة الإنسان الذي احتاج إلى أن يُؤمر بها؟
إن السؤال الأول يتعلق بما ينبغي علينا فعله، أما الثاني فيتعلق بما نحن عليه، وبما قد يكون قد جعلنا على هذه الحال.
وهنا تتجلى الإمكانية المعرفية التي تفتحها الميتابايولوجيا، حين تدعونا إلى النظر في احتمال أن تكون بعض النزعات السلوكية التي يعاني منها الإنسان آثاراً لاختلال تطوري عميق، وأن تكون الأوامر الإلهية، في جانب من جوانب حكمتها، وسائل إصلاحية تعينه على مقاومة هذه الآثار.
ولعل أكثر ما يميز هذه المقاربة أنها لا تجعل الإنسان محكوماً إلى الأبد بما يفترض أنه ورثه من ماضيه التطوري. فالماضي، مهما بلغ أثره في تشكيل الاستعدادات، لا يستنفد جميع إمكانات المستقبل. والنزعة، مهما ترسخت، لا ينبغي أن تتحول إلى حجة تبرر الاستسلام لها. بل إن قدرة الإنسان على ممارسة فعل الضد، وعلى مراجعة دوافعه، وعلى تنظيم سلوكه وفق قيم تتجاوز رغباته الآنية، تمثل في ذاتها إحدى أهم الإمكانات التي ينبغي لأي نظرية عن طبيعته أن تأخذها في الحسبان. فالمبدأ الإصلاحي لفعل الضد، كما تقترحه هذه المقالة، لا يدعي أنه كشف بالفعل عن العلة التطورية الأولى، ولا أنه أثبت أن جميع الأوامر التعبدية تستهدف علاج اختلال واحد. ولكنه يقترح طريقاً جديداً للتفكر والبحث، يبدأ من العلاقة بين الوصف القرآني للإنسان والأوامر الموجهة إليه، ثم ينتقل إلى دراسة ما يمكن أن تكشفه هذه العلاقة عن بنية الدوافع الإنسانية وإمكانات إصلاحها.
ولعل المفارقة التي تستحق أن نختم بها هي أن الإنسان، الذي طالما تفاخر بقدرته على تغيير العالم من حوله، لا يزال يواجه صعوبة بالغة في تغيير ما استقر في داخله!
فهو يستطيع أن يطوع الطبيعة لأغراضه، وأن يبتكر الوسائل التي تختصر المسافات والأزمنة، ولكنه قد يعجز عن احتمال تأخر نتيجة صغيرة، أو عن كظم غضب عابر، أو عن الاعتراف بخطأ كشفه له غيره.
وهكذا قد يكون من أعظم وجوه الارتقاء الإنساني ألا يكتفي الإنسان بتوسيع سلطانه على العالم، بل أن يتعلم كيف يحد من سلطان نزعاته على نفسه. فإذا كان ماضينا التطوري قد أسهم في جعلنا على ما نحن عليه، فإن السؤال الأهم ليس فقط كيف أصبحنا كذلك، بل كيف نستطيع ألا نظل كذلك!
ولعل في الأوامر الإلهية التي تدعونا إلى الصبر والعدل والتواضع وكظم الغيظ ما يستحق أن نعيد قراءته على ضوء هذا السؤال؛ لا بحثاً عن تطابق متعجل بين النص الديني ونظرية تطورية، بل سعياً إلى فهم أعمق للإنسان، ولما يستطيع أن يصبح عليه حين يجعل من إصلاح نفسه مشروعاً لا يقل قيمة وجودية عن مشروعه في معرفة العالم.
