
لعل من أعجب المفارقات المعرفية التي تميز الإنسان أنه الكائن الذي ابتكر اللغة ليكشف بها عن العالم، ثم لم يلبث أن جعل منها واحدة من أكثر أدواته براعة في التستر على حقائق ذلك العالم! فالإنسان لا يكف عن التفاخر بما أتاحته له ملكاته العقلية من قدرة على التمييز والتصنيف والتوصيف، ولكنه، حين يجد نفسه بإزاء حقيقة لا تستقيم مع ما يريد قوله، أو لا يجرؤ على تحمل تبعات التصريح به، يعمد إلى الاحتماء بمصطلحات وعبارات تمنحه فرصة التملص من تسمية الأشياء بمسمياتها.
ولقد بلغ هذا الميل إلى التخفي الاصطلاحي مبلغاً أصبح معه الإنسان قادراً على أن يتحدث عن أبشع الجرائم وأكثر الوقائع التاريخية فظاعة بلسان لا يكاد يختلف عن ذلك الذي يستخدمه حين يتحدث عن اختلاف في وجهات النظر بشأن قضية فلسفية، أو عن تباين في المواقف حيال مسألة سياسية! فيقول عن هذا إنه «شخصية جدلية»، وعن تلك إنها «مسألة فيها نظر»، وعن أمر آخر إنه «موضع اختلاف»، حتى ليبدو أن العالم لم يعد ينطوي على حقائق تستحق أن تُسمّى بأسمائها، وإنما على موضوعات لا تنتهي صلاحيتها للاختلاف والتأويل وإعادة النظر!
وما يزيد هذه المفارقة غرابة أن هذا السلوك اللغوي كثيراً ما يجد لنفسه مشروعية تحت مظلة ما اصطلح على تسميته بـ «الصواب السياسي»؛ ذلك المفهوم الذي يمكن أن يؤدي وظيفة أخلاقية مشروعة حين يحول دون الإهانة والتمييز، ولكنه يتحول إلى نقيض غايته المعلنة حين يُستدعى لتخفيف وطأة الحقائق، أو لتجنيب المتحدث مشقة إصدار حكم واضح على ما لا ينبغي أن يلتبس الحكم عليه.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده طويلاً: هل أصبح الإنسان أكثر تحضراً لأنه تعلم كيف ينتقي ألفاظه، أم أنه أصبح أكثر براعة في إخفاء ما لا يريد مواجهته من حقائق؟!
ليس ثمة ما يعيب الإنسان في أن يكون حذراً في أحكامه، أو متأنياً في توصيفه للأشخاص والوقائع. بل أن الحذر المعرفي فضيلة لا غنى عنها لكل من يبتغي الاقتراب من الحقيقة. ولكن ثمة فرقاً جوهرياً بين أن نتحفظ لأننا لا نعرف، وأن نتحفظ لأننا لا نريد أن نصرّح بما نعرف! ففي الحالة الأولى يكون التحفظ تعبيراً عن النزاهة المعرفية، أما في الثانية فإنه قد يصبح شكلاً من أشكال التنصل من المسؤولية الأخلاقية التي تترتب على المعرفة. وحين نقول عن مسألة لم تُحسم أدلتها إنها «موضع خلاف»، فإننا نستخدم عبارة تؤدي وظيفة معرفية مشروعة. أما حين نستخدم العبارة نفسها في توصيف واقعة تاريخية ثبتت معالمها الأساسية بأدلة متضافرة، فإننا لا نمارس التحفظ المعرفي بقدر ما نمارس ضرباً من ضروب التمويه الاصطلاحي!
وليس أخطر ما في هذا التمويه أنه يغيّر الكلمات التي نصف بها الأشياء، وإنما أنه يغيّر، بالتدريج، طبيعة علاقتنا المعرفية والأخلاقية بتلك الأشياء! فما إن تتحول الجريمة إلى «حدث مثير للجدل»، حتى يصبح ممكناً التعامل معها كما لو أنها قضية تحتمل أن يكون لكل طرف فيها نصيب متكافئ من الصواب!
وهكذا لا يعود السؤال متعلقاً بما وقع فعلاً، وإنما بما إذا كان من المناسب أن نصف ما وقع بأنه جريمة، أو مأساة، أو تجاوز، أو مجرد صفحة مؤسفة من صفحات التاريخ! إنها اللحظة التي يتراجع فيها سلطان الحقيقة أمام سلطان المصطلح.
ولعل من أكثر الأمثلة التاريخية قدرة على كشف هذه المفارقة ما نجده في الطريقة التي يُشار بها أحياناً إلى الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، الذي ارتبط اسمه بواحدة من أفدح الكوارث الإنسانية التي شهدها التاريخ الاستعماري الحديث. ففي أواخر القرن التاسع عشر، تحولت دولة الكونغو الحرة، التي خضعت لسيطرته الشخصية بين عامي 1885 و1908، إلى مسرح لنظام استغلال استعماري بالغ القسوة، ارتبط باستخراج المطاط والعاج والعمل القسري، وبالعقوبات الوحشية واحتجاز الرهائن وعمليات القتل والتشويه والترويع. ولقد وثقت شهادات معاصرة لتلك الحقبة وتحقيقات تاريخية جانباً واسعاً من هذه الفظائع، وإن ظل تقدير الحجم الدقيق للخسائر البشرية موضع نقاش بين المؤرخين، بسبب نقص السجلات وصعوبة الفصل بين آثار العنف والعمل القسري والمجاعات والأوبئة والانهيار السكاني. ولكن هل يعني اختلاف المؤرخين بشأن الأعداد الدقيقة للضحايا أن الطبيعة الإجرامية لنظام الاستغلال الذي أقيم في الكونغو أصبحت هي الأخرى موضع شك؟! وهل يجيز لنا عدم الاتفاق على عدد الذين قضوا أن نتحفظ في توصيف ما تعرض له الأحياء والأموات من فظائع؟!
إن التمييز هنا ذو قيمة معرفية بالغة؛ فثمة مسائل تاريخية مشروعة للاختلاف، تتعلق بتحديد الأعداد وتوزيع المسؤوليات المباشرة وتفسير بعض الوقائع، ولكن ذلك كله لا يجعل الجرائم الموثقة مجرد وجهة نظر! ومع ذلك، لا يزال ممكناً أن نصادف وصفاً لليوبولد الثاني بأنه “شخصية جدلية”! فيا لها من عبارة مريحة! فهذه العبارة لا تتطلب ممن يستخدمها أن يكذب بشأن ما جرى في الكونغو، ولكنها تتيح له، في الوقت نفسه، ألا يقول ما ينبغي قوله عن ذلك الذي أقام سلطانه الاستعماري على نظام ارتبط بكل تلك الفظائع.
إن وصف ليوبولد الثاني بأنه “شخصية جدلية” قد يكون صحيحاً بمعناه الوصفي الضيق، من حيث وجود خلافات حول إرثه التاريخي، ولكنه يصبح مضلِّلاً حين يُقدَّم بديلاً عن تسمية الجرائم الموثقة، أو حين يساوي ضمناً بين الإنجازات التي ينسبها إليه المدافعون عنه وبين معاناة ضحايا حكمه. فليس كل من اختلف الناس بشأنه شخصية ينبغي أن نتوقف عند وصفها بأنها جدلية؛ إذ قد يكون الاختلاف نفسه دليلاً على عجز بعض الناس عن مواجهة ما ثبت من حقائق!
والأشد إثارة للتفكر أن ضحايا تلك الفظائع لم يكونوا بحاجة لأن يتفق المؤرخون والسياسيون على المصطلح المناسب لوصف ما تعرضوا له، لكي يكون ما تعرضوا له حقيقة واقعة! فلقد كانت آلامهم حقيقية قبل أن توجد المصطلحات التي تصفها، وستبقى كذلك مهما تعددت تلك المصطلحات أو تبدلت.
ليس الصواب السياسي، في أصله واستعمالاته كافة، مرادفاً للتهرب من الحقيقة. فقد نشأت وتطورت كثير من ممارسات التحفظ اللغوي استجابة لحاجة أخلاقية مشروعة، تتمثل في تجنب العبارات المهينة أو التمييزية، واحترام كرامة الأفراد والجماعات.
غير أن المفارقة تبدأ حين يتجاوز هذا الحرص حدوده، فيتحول من حماية الإنسان من الأذى اللغوي إلى حماية بعض الوقائع والأشخاص من التوصيف الأخلاقي المستحق! وهنا لا يعود التحفظ فضيلة، وإنما يصبح حياداً زائفاً. فالحياد المعرفي لا يعني الامتناع عن إصدار الأحكام مهما بلغت الأدلة من قوة، كما أن الموضوعية لا تقتضي أن نقف على مسافة واحدة من الحقيقة ونقيضها. بل إن الموضوعية، حين تتوافر الأدلة الكافية، قد تقتضي منا أن نكون حاسمين في أحكامنا، وألا نتظاهر بأن كل توصيف يحتمل المقدار نفسه من الصدق!
فإذا ثبت أن نظاماً سياسياً مارس القتل والترويع والاستغلال المنهجي، فإن وصف هذه الأفعال بما تستحقه ليس خروجاً على الموضوعية، وإنما قد يكون واحداً من مقتضياتها. أما الإصرار على استخدام عبارات تفرغ هذه الأفعال من مضمونها الأخلاقي، فليس دليلاً على الرقي المعرفي، وإنما قد يكون دليلاً على العجز عن تحمل تبعات المعرفة!
وهذا ما يجعلنا نتساءل عما إذا كان الإنسان قد ابتكر، تحت ستار الاعتدال اللغوي، وسيلة جديدة ليمارس بها انحيازه القديم إلى تجنب الحقائق المزعجة!
ومن المثير أن العبارات التي يُلجأ إليها في هذا السياق ليست، في ذاتها، عبارات خاطئة. فعبارة «مسألة فيها نظر» تنطوي على معنى معرفي عميق حين تُستخدم في موضعها الصحيح، وكذلك عبارة “الأمر مختلف عليه”. ولكن الخطأ يبدأ حين تتحول هذه العبارات من أدوات لتحديد درجة معرفتنا بالشيء إلى وسائل لتعليق الحكم عليه إلى ما لا نهاية. فليس كل ما يستطيع الإنسان أن يختلف بشأنه يصبح، بمجرد وقوع الاختلاف، مسألة متكافئة الاحتمالات! فيمكن للناس أن يختلفوا حول كروية الأرض، ولكن اختلافهم لا يجعل شكل الأرض موضع نزاع علمي متكافئ! كما ويمكن للناس أن يختلفوا أيضاً حول وقوع جريمة تاريخية موثقة، ولكن اختلافهم لا يلغي الأدلة التي تثبت وقوعها! فوجود الاختلاف واقعة اجتماعية، أما مشروعية الاختلاف المعرفية فمسألة أخرى تماماً.
وهذه واحدة من أكثر الحقائق التي يبدو أن العقل البشري يميل إلى تجاهلها. فليس كل خلاف دليلاً على غياب الحقيقة، وليس كل تحفظ دليلاً على عمق التفكير! بل قد يكون الإصرار على إبقاء القضية مفتوحة بعد توافر الأدلة ضرباً من ضروب الممانعة النفسية للحقيقة، لا تعبيراً عن الاستعداد الدائم لمراجعتها!
وهنا نصل إلى ما أراه جوهر المفارقة المعرفية التي نحن بصددها. فالإنسان قد لا يكون عاجزاً عن معرفة الحقيقة، ولكنه قد يكون غير مستعد لتحمل ما تفرضه عليه تلك المعرفة من التزامات. وذلك لأن تسمية الأشياء بمسمياتها ليست فعلاً لغوياً بريئاً من التبعات. فحين نسمي الظلم ظلماً، فإننا نُدخل أنفسنا في علاقة أخلاقية معه، ونصبح مطالبين، ولو على مستوى الموقف، بألا نعامله كما لو كان مجرد اختلاف مشروع في وجهات النظر! وحين نسمي الجريمة جريمة، فإننا نغلق الباب أمام بعض محاولات تبريرها، ونضع أنفسنا بإزاء مسؤولية معرفية وأخلاقية قد نفضل تجنبها! أما حين نكتفي بالقول إن الأمر «مثير للجدل»، فإننا نترك لأنفسنا باباً مفتوحاً للانسحاب من هذا الالتزام!
وهكذا يصبح المصطلح بمثابة منطقة عازلة تفصل بين معرفتنا بالحقيقة وبين ما ينبغي أن يترتب على تلك المعرفة من موقف. وليس مستبعداً أن يكون لهذا السلوك صلة بنزعة أعمق في النفس البشرية، تجعل الإنسان ميالاً إلى إعادة تشكيل الواقع لغوياً وتمثلياً، كلما تعذر عليه التوفيق بين ما يعرفه وما يريد أن يعتقده أو يفعله!
ومن هذا المنظور، لا يكون التخفي وراء المصطلحات مجرد حيلة خطابية، وإنما يصبح آلية معرفية ونفسية تتيح للإنسان أن يحتفظ بصورة مريحة عن نفسه، من دون أن يضطر إلى مواجهة ما تنطوي عليه مواقفه من تناقضات! فهو لا ينكر الحقيقة بالضرورة، ولكنه يعيد تسميتها على نحو يقلل من قدرتها على إزعاجه!
ولعل أخطر ما يترتب على هذه النزعة أنها لا تقتصر على تشويه علاقتنا بالحاضر، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل ذاكرتنا عن الماضي. فالتاريخ لا يصل إلى الأجيال اللاحقة بوصفه وقائع مجردة، وإنما يصل إليها من خلال روايات ومفاهيم وتصنيفات وأوصاف. وحين تتعرض تلك الأوصاف لعملية تلطيف مستمرة، فإن الذاكرة التاريخية نفسها تصبح عرضة لفقدان جانب من قدرتها على التمييز الأخلاقي.
وهنا تكمن خطورة أن يتحول المستعمر الذي أقام نظاماً للاستغلال المتوحش إلى مجرد «حاكم مثير للجدل»، وأن تتحول الفظائع إلى «تجاوزات»، وأن يصبح إخضاع الشعوب ونهب مواردها “سياسة استعمارية مختلفاً على تقييمها”! فمثل هذه الصياغات، حين تُستخدم للتستر لا للتفسير، فإنها لا تغيّر الماضي فحسب، ولكنها تغيّر الطريقة التي يتعلم بها اللاحقون النظر إليه! وقد ينتهي الأمر إلى أن يرث جيل جديد ذاكرة مشوشة، لا يعود فيها قادراً على التمييز بين الخلاف المشروع حول تفسير التاريخ وبين التهرب من الاعتراف بجرائمه!
ولذلك فإن تسمية الجرائم التاريخية بمسمياتها ليست مجرد ممارسة بلاغية، وإنما هي جزء من المسؤولية التي تترتب على حفظ الذاكرة الإنسانية من التشويه. ولا يعني ذلك إغلاق باب البحث التاريخي، أو منع مراجعة الأحكام السابقة، وإنما يعني أن تكون المراجعة محكومة بالأدلة، لا بالرغبة في تخفيف الأوصاف أو إرضاء الحساسيات السياسية. فالحقيقة التاريخية لا ينبغي أن تكون رهينة لما يفضله الأحياء من مصطلحات حين يتحدثون عن آلام الموتى.
ولعلنا أصبحنا بحاجة إلى إعادة النظر في ذلك الافتراض الذي يجعل من التحفظ اللغوي فضيلة معرفية في جميع الأحوال!
فليس كل من تجنب الأوصاف الحاسمة هو أكثر موضوعية ممن استخدمها، وليس كل من احتمى بعبارة «الأمر مختلف عليه» هو أكثر نزاهة ممن قال إن الأدلة كافية لحسمه.
إن النضج المعرفي لا يتمثل في أن نمتنع دائماً عن إصدار الأحكام، وإنما في أن نعرف متى يكون الامتناع واجباً، ومتى يصبح الامتناع نفسه إخلالاً بواجب المعرفة. فحين تكون الأدلة ناقصة، يكون التحفظ فضيلة. وحين تكون الأدلة متعارضة، يكون التريث ضرورة. أما حين تتضافر الأدلة على إثبات واقعة بعينها، فإن الإصرار على التعامل معها كما لو أنها لم تُحسم بعد قد يصبح ضرباً من ضروب التضليل، حتى إن جاء في أكثر العبارات تهذيباً واتزاناً.
وما أحوجنا، ونحن نتحدث عن الصواب السياسي، إلى ألا ننسى أن الصواب المعرفي والأخلاقي ينبغي ألا يكونا أقل شأناً من الصواب الاصطلاحي! فاللغة التي نخشى أن نجرح بها مشاعر الأحياء لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة نمحو بها آلام الضحايا، أو نخفف بها من مسؤولية من تسببوا في تلك الآلام. وليس المطلوب أن نتخلى عن الدقة أو التحفظ أو اللياقة، وإنما أن نرفض تحويلها إلى ذرائع تحجب ما ثبت من حقائق.
ولعل المفارقة الأشد إيلاماً أن الإنسان الذي لا يكف عن المطالبة بالحقيقة قد يصبح أول من يفر منها، لا لأنه يجهلها، بل لأنه يدرك جيداً ما يترتب على الاعتراف بها!
وهكذا ينتهي بنا الأمر إلى سؤال لا يتعلق باللغة وحدها، وإنما يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه مفاده: هل نحن نختار الكلمات التي تعيننا على رؤية العالم كما هو، أم نختار منها ما يعيننا على ألا نرى فيه إلا ما نطيق رؤيته؟!
