في معنى قولِه تعالى “وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ”

يقتضي الفهم الصائب لكثيرٍ من آياتِ القرآن العظيم أن ندرك أنَّ لله تعالى نمطَي تدخل فيما يجري في هذا العالَم من وقائع وأحداث. فمن يتدبر القرآن لن يصعب عليه أن يتبيَّن تجليات هذين النمطين اللذين ينجم عن الإخفاق في تقديرِهما حقَّ قدرِهما عجزٌ عن فهم المعنى الذي ينطوي عليه كثيرٌ من آياتِ القرآن العظيم. فاللهُ تعالى خلق الأسباب التي سبب بها للسواد الأعظم من وقائع وأحداث عالَمنا هذا؛ فهذه الوقائع والأحداث تجري وفقاَ لما سبق وأن قضت به إرادةُ الله ومشيئتُه. وهذه الأسباب هي التي يدرسها العِلم تحت مسمى “قوانين الطبيعة”. وهذه القوانين هي “نطاق التقاطع” بين العلم والدين، وذلك على قدرِ تعلُّق الأمر بحرفيةِ صياغتها من دون أن يكونَ لتفسيرِها النظري أي حظ مما ينطوي عليه نطاق التقاطع هذا من مضامين ودلالات. فالعِلم، بهذا المعنى، لا يتعارض مع ما يتضمنه القرآنُ العظيم من آياتٍ تتحدث عن وقائع الوجود وأحداثه التي هي مادة قوانين العِلم.
ولما كان عالَمنا هذا قد خلقه اللهُ تعالى بكيفيةٍ تكون للأسبابِ بمقتضاها الغلبة في الذيوع والانتشار، فإن معظم آيات القرآن لا يمكن أن تكون إلا توصيفاً إلهياً لظاهر هذا العالَم بما يتكون منه من ظواهر هي تجليات هذه الأسباب. وهذا يعني أن هنالك في القرآن آيات كريمة تتحدث عن وقائع وأحداث لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بالأسباب التي لا قدرة لها على التسبب في حدوثها. ومن هذه الآيات كل ما له صلة بما بإمكاننا أن نصفه بأنه نتاج التدخل المباشر لله تعالى في سير وقائع هذا العالَم. وهنا لابد من التشديد على حقيقةٍ مفادها أنَّ هذه الوقائع والأحداث، هي بحكم التعريف والتصنيف أعلاه، لا يمكن لقوانين العِلم أن تعلل لها وتفسر آلية وكيفية حدوثها. وكمثال على هذه الوقائع والأحداث التي يستعصي على العِلم أن يعلل لها، وأن يأتي بما يماثلها، وذلك لتعاليها على الأسباب التي تقتصر قدرته التفسيرية عليها، يمكننا أن نستذكر ما فصَّله القرآن بشأن الآيات اتي أجراها على أيدي أنبيائه المرسَلين، وكذلك كل تلك الأحداث ذات الصلة بيوم القيامة.
ويمكننا أيضاً أن نعد ضمن هذه الطائفة من الأحداث ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآية الكريمة 107 من سورة يونس: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). ويخطئ من يظن أنَّ هذه الآية الكريمة تتحدث عن ضرر مسبَّب بأسباب هذا العالَم التي يدرسها العِلم على اعتبار أنها من قوانين الطبيعة! فالآية قاطعة الدلالة بشأن استحالة وجود مَن بوسعه أن يكشف هذا “الضرر” الذي تسبب به الله تعالى بتدخله المباشر في سَير وقائع هذا العالَم. وينسحب هذا على الخير الذي جعله الله نتيجةً مباشرة لتدخله المباشر في إحداثه وإخراجه إلى الوجود. فالآية الكريمة، مرة أخرى، قاطعة الدلالة في جزمها وقطعها باستحالة وجود مَن يستطيع أن يرد فضل الله هذا ويحول دون وصوله إلى مستهدفه.
إن إصرارنا على مقاربة هذا العالَم بهذه الكيفية التي لا تعيننا على تبين الفارق الجوهري والوجودي بين الأحداث التي هي نتاج الأسباب التي هي في نظر العِلم قوانينه التي لا قيام له إلا بها، والأحداث التي هي صنيعة قولِ اللهِ تعالى للشيء إذا أراده “كن فيكون”، لن تجعلنا نحظى بالفهم الصائب لكثير من آيات القرآن التي يرينا الله تعالى فيها ما هو قادر على فعلِه بتدخله المباشر في سير وقائع هذا العالَم وأحداث. فمتى ندرك أن للقرآن منطقاً ليس له أن يتطابق ويتماهى مع منطقنا العقلي الذي لابد لنا من أن نقرَّ بمحدوديته وبحدوده التي لن ينجم عن تجاوزها وتعدِّيها إلا الإخفاق الذريع في تبين ما قُدِّر لنا أن نتبيَّنه من عظيم قدرة الله التي ما قدرها كثير من الناس حق قدرها.

اترك تعليقًا