إذا كان الإنسان قد استطاع أن يضبط فوضى الهالوين في الماضي، فلماذا يعجز عن ضبطها اليوم؟

ليس من اليسير على مَن يتأمل ما أصبح عليه الاحتفال بعيد الهالوين في زماننا هذا أن يتجنب التساؤل عما حدث لهذا العيد، حتى صار بعض ما يرافقه من مظاهر احتفالية يبعث على التساؤل عما إذا كنا قد تجاوزنا، في فهمنا للحرية، الحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها، لا سيما حين يتعلق الأمر بأطفالنا وما يتوجب علينا أن نحرص عليه في تنشئتهم وتربيتهم.
وليس المقصود بهذا التساؤل الاعتراض على ما يطرأ على التقاليد الاجتماعية من تغيرات، أو الدعوة إلى العودة الحرفية إلى ما كان عليه الاحتفال بالهالوين في الماضي. فما من تقليد اجتماعي استطاع أن يحتفظ بكل مفرداته الأولى على مر العصور وتعاقب الدهور. ولكن ثمة فرقاً لا ينبغي أن يغيب عن بالنا بين أن يتطور التقليد الاجتماعي بما يثري التجربة الإنسانية، وأن يتعرض لما يجعله يفقد الضوابط التي تكفل له ألا يتحول إلى مناسبة يتذرع فيها البعض بحريته الشخصية للتنصل مما يترتب عليه من مسؤولية تجاه الآخرين.
ولنا في التاريخ الاجتماعي للاحتفال بالهالوين مثال يستحق التأمل والتدبر. فمن يرجع إلى ما وثقته الكتب والصحف واليوميات من تفاصيل الاحتفال بهذا العيد، ولا سيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، يجد نفسه بإزاء تاريخ حافل بالتحولات التي طرأت على ما كان يشتمل عليه الاحتفال من أزياء تنكرية، وألعاب جماعية، وزيارات منزلية، وطقوس وممارسات اجتماعية. ولقد بلغت عناية بعض المصادر بتوثيق هذه التفاصيل حداً جعلها لا تكتفي بوصف ما كان يجري خلال الاحتفال، بل تتطرق كذلك إلى ما كان يُنصح الأطفال والكبار بارتدائه من أزياء، وما ينبغي أن تتضمنه الحفلات المنزلية من ألعاب وفقرات ترفيهية.
غير أن ما يستوقفنا في هذا التاريخ ليس ما تكشف عنه تلك المصادر من اختلاف بين مظاهر الاحتفال قديماً وحديثاً، وإنما ما تحدثنا به عن مراحل شهد فيها الهالوين ممارسات اتصفت بالفوضى والعبث، بل وحتى التخريب وإلحاق الضرر بممتلكات الآخرين.
ولقد اضطرت بعض المجتمعات، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الأول من القرن العشرين، إلى العمل على إعادة تنظيم الاحتفال، وتشجيع الأنشطة الجماعية والحفلات الموجهة إلى الأطفال، سعياً إلى الحد من تلك الممارسات التي لم يعد بالإمكان التغاضي عما يترتب عليها من أضرار.
وهنا تبرز أمامنا مفارقة لا أرى أن من الصواب أن نمر عليها مرور الكرام. فإذا كان المجتمع قد استطاع في الماضي أن يتبين ما انطوت عليه بعض مظاهر الاحتفال بالهالوين من خلل، وأن يتخذ من الإجراءات ما يكفل الحد من هذا الخلل، فما الذي يحول بينه وبين أن يعيد النظر اليوم في بعض المظاهر الاحتفالية التي تستوجب المراجعة؟ وهل تكمن المشكلة في طبيعة الاحتفال ذاته، أم في طبيعة التصور الذي أصبحنا نحمله عن الحرية، وما ينبغي أن يترتب عليها من مسؤولية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا أن نتجاوز حدود النظر إلى الهالوين بوصفه مناسبة اجتماعية، لننظر إليه بوصفه مثالاً على مشكلة أعمق، تتعلق بالكيفية التي أصبح الإنسان المعاصر يتعامل بموجبها مع العلاقة بين ما يحق له أن يفعله، وما ينبغي له أن يمتنع عن فعله، احتراماً لما يترتب عليه من مسؤولية تجاه نفسه والآخرين. فليس كل ما يستطيع الإنسان أن يفعله ينبغي له أن يفعله، كما أن مجرد قدرته على التعبير عن رغباته وميوله لا يجعل من هذا التعبير حقاً مطلقاً لا يجوز إخضاعه للمراجعة والمساءلة.
ولعل من أعظم ما يميز الإنسان أنه كائن لا يكتفي بأن يفعل ما يرغب فيه، بل يمتلك القدرة على أن يتساءل عما إذا كان ينبغي له أن يفعل ما يرغب فيه أصلاً. وهذه القدرة على إخضاع الرغبة للمراجعة العقلية والقيمية هي ما ينبغي أن تقوم عليه التربية، وهي ذاتها ما نخشى أن يتعرض للإضعاف حين نخلط بين منح الطفل مساحة مشروعة من الحرية، وتركه يتصرف وكأن هذه الحرية تعفيه من مراعاة ما يترتب على أفعاله من تبعات. وليس من الصواب أن نفترض أن كل ما أصبح يرافق الاحتفال المعاصر بالهالوين من أزياء غريبة، أو صور مخيفة، أو ممارسات خارجة على المألوف، يمثل بالضرورة انحرافاً تربوياً أو اجتماعياً. فالخيال الإنساني لا يتقيد دائماً بما هو مألوف، كما أن محاكاة الشخصيات المخيفة أو الغريبة قد تكون جزءاً من لعب رمزي لا يترتب عليه أي ضرر.
ولكن الأمر يختلف حين تتحول بعض المظاهر الاحتفالية إلى وسائل للسخرية من الآخرين، أو الإساءة إلى خصوصياتهم الثقافية والدينية والعرقية، أو تعمد إخافتهم وإزعاجهم، أو إظهار العنف والقسوة على نحو يتجاهل الفروق العُمُرية والنفسية بين الأطفال. فما الذي يجعلنا نعد هذه الممارسات تعبيراً مشروعاً عن الحرية لمجرد أنها تجري في إطار احتفال اجتماعي؟ وهل يصبح ما لا نقبله في حياتنا اليومية مقبولاً لمجرد أنه اقترن بمناسبة احتفالية؟
إن من حق الطفل أن يطلق العنان لخياله، وأن يرتدي ما يشاء من أزياء تنكرية ملائمة لعُمُره، وأن يشارك أقرانه ما يبتكرونه من ألعاب وممارسات ترفيهية. ولكن هذا الحق لا ينبغي أن ينتهي بنا إلى التغاضي عن حق الآخرين في ألا يكونوا موضوعاً للسخرية أو الإهانة أو التخويف غير المرغوب فيه.
وهنا يتوجب علينا أن نتبين الفرق بين الخيال الذي يحرر الطفل من ضيق الواقع، والخيال الذي نسمح له بأن يتحول إلى ذريعة للتحلل من الضوابط التي ينبغي أن تحكم علاقته بهذا الواقع. فالخيال ليس نقيضاً للمسؤولية، كما أن المسؤولية ليست نقيضاً للخيال. وإنما يتجلى حسن التربية في قدرتها على أن تجعل الطفل يجمع بينهما، فلا يضطر إلى التضحية بحريته حتى يكون مسؤولاً، ولا إلى التنصل من مسؤوليته حتى يكون حراً.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو: هل نحن حقاً نربي أطفالنا على ممارسة الحرية، أم أننا نكتفي بإتاحة الفرصة لهم لممارسة رغباتهم، متوهمين أن الأمرين سواء؟
إن الحرية ليست مجرد غياب للقيود، وإلا لما كان ثمة فرق بين إنسان يختار فعله بعد أن يتدبر عواقبه، وآخر يندفع إلى الفعل استجابة لرغبة عابرة لم يكلف نفسه عناء مراجعتها. فالحرية التي تستحق أن نربي أطفالنا عليها هي تلك التي تقترن بالقدرة على الاختيار الواعي، لا تلك التي تجعل من الرغبة وحدها معياراً لما يجوز وما لا يجوز. وليس الطفل مطالباً بأن يمتلك من النضج المعرفي والقيمي ما يؤهله لأن يتبين بنفسه، وفي كل الأحوال، الحدود الفاصلة بين ما ينبغي له أن يفعله وما ينبغي له أن يمتنع عنه. فهذه القدرة لا تولد مكتملة، وإنما تتشكل وتتطور بفعل التربية والتجربة والتوجيه.
ومن هنا فإن مسؤولية الكبار لا تتمثل في أن يفرضوا على الأطفال تصوراتهم فرضاً، ولا في أن يتركوهم وشأنهم بحجة احترام حرياتهم، وإنما في أن يعينوهم على اكتساب القدرة التي تجعلهم، مع مرور الزمن، قادرين على أن يحددوا بأنفسهم ما ينبغي أن يحكم أفعالهم من ضوابط. وهذا ما يجعلني أرى أن المشكلة التي تكشف عنها بعض مظاهر الاحتفال المعاصر بالهالوين ليست مشكلة احتفال خرج على تقاليده الأولى فحسب، وإنما هي مشكلة تصور تربوي قد ينتهي بنا، إذا ما بالغنا في الأخذ به، إلى إعفاء أنفسنا من مسؤولية توجيه أطفالنا، تحت شعار احترام حريتهم. وليس من المستبعد أن يكون للتحول التجاري الذي طرأ على الهالوين نصيب في تعميق هذه المشكلة.
فحين تتحول المناسبة الاجتماعية إلى سوق واسعة تتنافس فيها الشركات على اجتذاب المستهلكين، يصبح من اليسير أن تتقدم معايير الإثارة والغرابة والقدرة على لفت الانتباه على ما ينبغي أن يحكم الاحتفال من اعتبارات تربوية واجتماعية.
وهنا نجد أنفسنا بإزاء مفارقة أخرى لا تقل إثارة للتساؤل.
فالمناسبة التي يُفترض أن تتيح للطفل فرصة لإطلاق العنان لخياله، قد تتحول إلى مناسبة تتولى فيها الأسواق تحديد ما ينبغي لهذا الخيال أن ينشغل به!
وما أشد الفرق بين طفل يبتكر زيه التنكري، ويشارك أقرانه في إبداع ألعابهم ومظاهر احتفالهم، وطفل لا يكاد يفعل أكثر من محاكاة ما تعرضه عليه الأسواق والشاشات من صور جاهزة، قد لا يدرك ما تنطوي عليه من دلالات، ولا ما يراد لها أن تثيره فيه من رغبات وانفعالات.
وليس المقصود بذلك أن المنتجات التجارية تقضي بالضرورة على الخيال، أو أن كل ما تقدمه الأسواق للأطفال ضار بهم. وإنما المقصود أن علينا ألا نخلط بين ما يختاره الطفل اختياراً واعياً يتناسب مع مرحلته العُمُرية، وما يُدفع إلى اختياره بفعل مؤثرات قد لا يمتلك القدرة على إدراك طبيعتها أو مقاومتها.
وإذا كان المجتمع قد استطاع في مرحلة سابقة من تاريخ الهالوين أن يعيد تنظيم بعض مظاهره، وأن يحول جانباً من ممارساته العبثية إلى أنشطة اجتماعية أكثر ملاءمة للأطفال، فإن ما ينبغي أن نستخلصه من هذه التجربة ليس أن الماضي كان أفضل من الحاضر، وإنما أن المجتمع ليس عاجزاً عن مراجعة تقاليده، وأن ما يصنعه الإنسان من أعراف وممارسات لا ينبغي أن يتحول إلى سلطان يحول بينه وبين مراجعتها وتقويمها.
فما الذي يجعلنا نتصور أن كل مراجعة لما أصبح عليه الاحتفال بالهالوين تمثل اعتداءً على الحرية؟ ولماذا لا ننظر إلى هذه المراجعة بوصفها ممارسة للحرية ذاتها؛ تلك الحرية التي تجعل الإنسان قادراً على أن يعيد النظر في اختياراته، وأن يعترف بما قد يكون شابها من خلل، وأن يعمل على تصحيح ما يتبين له أنه جدير بالتصحيح؟ إن الإنسان الذي يعجز عن مراجعة ما اختاره لنفسه لا يكون، لمجرد تمسكه بهذا الاختيار، أكثر حرية ممن يستطيع أن يتراجع عنه متى تبين له ما يقتضي التراجع.
بل لعل من أعظم تجليات الحرية أن يمتلك الإنسان القدرة على التحرر من سلطان اختياراته السابقة، حين يكتشف أنها لم تعد تتفق مع ما ينبغي له أن يحتكم إليه من معايير عقلية وقيمية.
ولذلك فإن الدعوة إلى مراجعة بعض مظاهر الاحتفال المعاصر بالهالوين لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة إلى تقييد حرية الأطفال، أو إلى مصادرة حقهم في اللعب والتخيل والاحتفال. وإنما هي دعوة إلى أن نعيد النظر في الكيفية التي نمارس بها مسؤوليتنا تجاههم، حتى لا تتحول رغبتنا في إسعادهم إلى سبب في إغفال ما يتوجب علينا أن نحرص عليه في تنشئتهم.
فالطفل لا يحتاج إلى أن نمنحه عالماً يخلو من كل قيد، بقدر حاجته إلى أن نعينه على فهم العالم الذي يعيش فيه، وعلى إدراك ما يترتب على وجود الآخرين فيه من حقوق وواجبات.
ولا يحتاج إلى أن نمنعه من تخيل ما هو مخيف أو غريب، بقدر حاجته إلى أن نربي فيه القدرة على التمييز بين الخيال والواقع، وبين المحاكاة والإيذاء، وبين الاختلاف المشروع والاستخفاف بالآخرين.
ولا يحتاج إلى أن نختار له كل ما ينبغي أن يفعله، بقدر حاجته إلى أن نساعده على اكتساب القدرة على الاختيار، وعلى تحمل ما يترتب على اختياراته من مسؤولية.
وهكذا فإن السؤال الذي بدأنا به هذه المقالة يفضي بنا إلى سؤال أشد عمقاً وأبعد أثراً.
فإذا كان الإنسان قد استطاع أن يضبط بعض مظاهر الفوضى التي رافقت الاحتفال بالهالوين في الماضي، فما الذي يحول بينه وبين أن يفعل ذلك اليوم؟
أهو العجز عن إدراك ما ينبغي مراجعته، أم إدراكه مع الإصرار على التغاضي عنه، خشية أن يُتهم بالتعدي على حرية الآخرين؟
إن الفرق بين الاحتمالين ليس بالهين، لأن الأول يحيلنا إلى مشكلة معرفية تستوجب التصحيح، في حين يحيلنا الثاني إلى مشكلة قيمية تستوجب المراجعة والمساءلة.
ولعل ما ينبغي أن نخشاه حقاً ليس أن يبتعد الهالوين عن تقاليده الأولى، وإنما أن نبتعد نحن عن إدراك ما يقتضيه واجبنا التربوي، حتى يصبح احترامنا المعلن لحرية أطفالنا ذريعة نتنصل بها من مسؤوليتنا تجاههم.
فليس من تمام الحرية أن نترك الطفل يفعل كل ما يرغب فيه، وإنما أن نربيه على أن يكون قادراً، ذات يوم، على أن يسأل نفسه: هل ينبغي لي أن أفعل كل ما أستطيع فعله؟
وحين يكتسب الطفل القدرة على طرح هذا السؤال، والتدبر في الإجابة عنه، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو تنشئته إنساناً حراً ومسؤولاً.
وعندها لن يكون ما يعنينا من الهالوين، أو من أي احتفال آخر، مقدار ما احتفظ به من تقاليده القديمة، وإنما مقدار ما استطعنا أن نجعله مناسبة لإثراء خيال أطفالنا، وتنمية قدراتهم الإبداعية، وتعزيز احترامهم للآخرين.
فما أحوجنا إلى أن نربي أطفالنا على حرية لا تتنصل من المسؤولية، وعلى خيال لا يتخذ من الإبداع ذريعة للإيذاء، وعلى احتفال لا تكون متعته على حساب حرية الآخرين وخصوصياتهم.
ولعلنا، إن نجحنا في ذلك، نكون قد أدركنا أن المشكلة لم تكن يوماً في الهالوين ذاته، وإنما في ما نريده نحن من هذا الاحتفال، وفي ما نريد لأطفالنا أن يكونوا عليه حين يكبرون.

اترك تعليقًا