هل يمثل امتلاك النظام الإيراني للقنبلة الذرية خطراً وجودياً يقتضي الذهاب إلى الحرب للحيلولة دون تحققه؟

لعل من أخطر ما يمكن أن يترتب على الخلط بين ما هو ممكن وما هو محتوم أن تنتهي بنا أحكامنا على الوقائع والأحداث إلى اتخاذ قرارات مصيرية، لا تستند إلى ما يكفي من الأدلة والبراهين التي تبرر الإقدام عليها. ويزداد الأمر خطورة حين يتعلق الأمر بقرارات الحرب والسلام، وحين يكون ما يُراد للحرب أن تحول دون تحققه مجرد احتمال يجري التعامل معه كما لو كان حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها.
ولنا في الجدل الدائر بشأن البرنامج النووي الإيراني مثال يستحق أن نتوقف عنده ملياً، لنتدبر ما ينطوي عليه من افتراضات تستدعي المراجعة، ومن استنتاجات لا يبدو أن جميعها قد استوفى ما يقتضيه العقل من شروط البرهنة والاستدلال.
فهل يمثل امتلاك النظام الإيراني للقنبلة الذرية خطراً وجودياً حقيقياً على خصومه، وبما يقتضي الذهاب إلى الحرب للحيلولة دون تحققه؟ أم أن هذا التصور يقوم على افتراض لم يثبت بعد، ومفاده أن امتلاك هذا النظام للسلاح النووي سوف ينتهي به، لا محالة، إلى استخدامه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا، بادئ ذي بدء، أن نميز بين ثلاثة أمور لا يجوز الخلط بينها: امتلاك القدرة على استخدام السلاح النووي، ووجود النية لاستخدامه، واتخاذ القرار الفعلي باستخدامه. فليس ثمة ما يجيز لنا أن ننتقل من ثبوت الأمر الأول إلى الجزم بتحقق الأمرين الآخرين، ما لم تتوافر لدينا أدلة إضافية تسوِّغ هذا الانتقال.
ذلك أن امتلاك القدرة على الفعل لا يعني بالضرورة وجود النية للإقدام عليه، كما أن وجود النية لا يعني حتمية تحولها إلى فعل. وبين هذه المراحل الثلاث مسافات معرفية واستراتيجية يتوجب على العقل السياسي ألا يقفز فوقها، خصوصاً حين تكون الحرب هي النتيجة العملية لهذا القفز.
ولعل أول ما ينبغي استذكاره هنا أن العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس هو عالم عام 1945.
ففي ذلك العام، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بامتلاك السلاح الذري، وكان الرئيس الأمريكي هاري ترومان في موقع يتيح له اتخاذ قرار استخدام هذا السلاح من دون أن يواجه احتمال رد نووي مماثل من خصمه الياباني. وهكذا شهد العالم إلقاء القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما في السادس من أغسطس، ثم الثانية على ناغازاكي في التاسع منه.
ولئن ظل الجدل التاريخي قائماً بشأن الدوافع التي حملت ترومان على اتخاذ ذلك القرار، وما إذا كان إنهاء الحرب مع اليابان هو الدافع الحاسم، أم أن الرغبة في التأثير على حسابات الاتحاد السوفيتي كانت هي الأخرى حاضرة في ذهن صانع القرار الأمريكي، فإن ما لا خلاف عليه هو أن الاحتكار الأمريكي للسلاح الذري قد أوجد ظرفاً استراتيجياً يختلف اختلافاً جذرياً عما أصبح عليه العالم بعد ذلك. فما إن دخل الاتحاد السوفيتي النادي النووي عام 1949 حتى بدأت تتشكل معادلة جديدة في العلاقات الدولية، سرعان ما أصبح فيها السلاح النووي وسيلة للردع بقدر ما هو أداة للتدمير.
ولقد انتهى تطور هذه المعادلة إلى ما أصبح يُعرف بالردع النووي، القائم على إدراك كل طرف يمتلك هذا السلاح أن استخدامه ضد خصم قادر على الرد قد ينتهي إلى تدمير الطرفين معاً.
وهكذا شهد العالم مفارقة تستحق التأمل: فالسلاح الذي أُبدع ليُستخدم في الحرب أصبح امتلاكه، في ظل شروط معينة، سبباً يدفع إلى تجنب استخدامه.
وليس في هذه المفارقة ما يتعذر على العقل فهمه؛ ذلك أن السلاح النووي لا يقتصر أثره على ما يستطيع إلحاقه بالخصم من دمار، بل يمتد إلى ما قد يستجلبه استخدامه من دمار على الطرف الذي بادر إلى إطلاقه.
ولذلك فإن الحديث عن امتلاك النظام الإيراني للقنبلة الذرية ينبغي ألا ينفصل عن هذه الحقيقة الاستراتيجية التي تحكم عالمنا المعاصر.
فهذا النظام، مهما بلغت درجة عدائه لإسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية، لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة أن استخدامه سلاحاً نووياً ضد أي منهما، أو ضد حليف يتمتع بضمانات ردع نووية، قد يفضي إلى رد عسكري مدمر يهدد وجوده ذاته.
وإذا كان الحفاظ على بقاء النظام يمثل أحد أهم الاعتبارات التي تحكم قراراته السياسية والاستراتيجية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما الذي يمكن أن يدفعه إلى استخدام سلاح يعلم أن استخدامه قد ينتهي بالقضاء عليه؟
إن هذا السؤال لا ينطوي على افتراض أن النظام الإيراني يتصف بالحكمة أو الاعتدال، ولا يستلزم منا أن نبرئ سياساته من النزعات العدوانية أو التوسعية. وإنما يقتضي أن نأخذ بنظر الاعتبار أن الأنظمة السياسية، حتى حين تكون أيديولوجية ومتشددة، لا تتصرف بالضرورة بمعزل عن حسابات بقائها واستمرارها.
ولنا في كوريا الشمالية مثال جدير بالتدبر.
فهذا النظام الذي طالما اتصف خطابه السياسي والعسكري بالتهديد والوعيد، والذي امتلك السلاح النووي وواصل تطوير ترسانته، لم يُقدم حتى الآن على استخدامه في حرب.
وتشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2026 إلى أن كوريا الشمالية ربما تمتلك نحو ستين رأساً نووياً، مع استمرار عدم اليقين بشأن العدد الفعلي. ومع ذلك، فإن امتلاك هذه الترسانة لم يؤدِّ إلى تحقق السيناريو الكارثي الذي يفترض أن حيازة السلاح النووي تفضي حتماً إلى استخدامه. فهل يعود ذلك إلى أن النظام الكوري الشمالي أصبح أكثر اعتدالاً وأقل عدوانية؟ أم أن الأمر يتعلق بحسابات استراتيجية تدفعه إلى إدراك أن قيمة السلاح النووي تكمن، في المقام الأول، في امتلاكه والتهديد بإمكان استخدامه، لا في المبادرة إلى استخدامه فعلاً؟
الأرجح أن منطق الردع وحسابات بقاء النظام يقدمان تفسيراً مهماً لهذا السلوك، وإن لم يكونا وحدهما كافيين لتفسير جميع قراراته.
فالقنبلة النووية، في هذه الحالة، ليست مجرد وسيلة لتدمير الخصم، وإنما هي أيضاً ضمانة يسعى النظام إلى توظيفها للحيلولة دون تعرضه هو نفسه للتدمير.
وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا نفترض أن النظام الإيراني سوف يتصرف، إن امتلك السلاح النووي، على نحو يختلف جذرياً عما درجت عليه أنظمة أخرى امتلكت هذا السلاح، وأدركت أن استخدامه قد يكون آخر قرار تتخذه؟
إن القول بأن إيران تختلف عن كوريا الشمالية في طبيعة نظامها الأيديولوجي، وفي شبكة علاقاتها الإقليمية، وفي مواقفها المعلنة من إسرائيل، قول يستحق الاعتبار. غير أن هذا الاختلاف لا يكفي، بمفرده، لإثبات أن النظام الإيراني سوف يتجاوز منطق الردع، ويقدم على فعل يعلم أن عواقبه قد تكون كارثية عليه.
فالخصوصية الأيديولوجية لا تعني بالضرورة انتفاء الحسابات العقلانية، كما أن الخطاب السياسي المتشدد لا يمثل، في جميع الأحوال، دليلاً قاطعاً على استعداد صاحبه لتحويل تهديداته إلى أفعال مهما بلغت كلفتها.
غير أن هذا كله لا يعني أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيكون حدثاً لا ينطوي على أخطار جدية.
فقد يؤدي ذلك إلى إطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة، أو إلى زيادة جرأة النظام الإيراني في ممارسة الضغوط العسكرية والسياسية التقليدية، اعتماداً على ما يعتقد أنه مظلة نووية تحميه من الردع المضاد. كما أن احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود تظل قائمة، حتى بين أطراف لا ترغب أصلاً في الدخول في حرب نووية.
وهذه ليست أخطاراً متخيلة؛ فقد حذر معهد ستوكهولم في تقريره لعام 2026 من تصاعد مخاطر سوء الحسابات والتصعيد، بالتزامن مع تزايد اعتماد الدول على الأسلحة النووية وتراجع آليات ضبط التسلح. ولكن الاعتراف بهذه الأخطار شيء، والجزم بأن امتلاك النظام الإيراني للقنبلة الذرية سوف ينتهي حتماً إلى استخدامها شيء آخر تماماً.
ولذلك فإن النقاش ينبغي ألا ينحصر في السؤال عما إذا كان امتلاك إيران للسلاح النووي أمراً مرغوباً فيه أو غير مرغوب فيه، وإنما يجب أن يتجاوزه إلى سؤال أبلغ قيمة استراتيجية: هل تبلغ المخاطر المحتملة لهذا الامتلاك من اليقين والخطورة ما يجعل الحرب الوقائية خياراً ضرورياً، بل الخيار الوحيد المتاح؟
إن الإجابة بالإيجاب تقتضي تقديم ما يكفي من الأدلة على أن وسائل الاحتواء والردع والرقابة والضغط الدبلوماسي لا تستطيع تحقيق الغاية المنشودة، وأن الحرب قادرة بالفعل على منع الخطر، لا مجرد تأجيله أو إعادة إنتاجه في صورة أشد خطورة.
ولعل ما يزيد هذا السؤال إلحاحاً أن واقع البرنامج النووي الإيراني نفسه لا يزال محاطاً بجوانب من عدم اليقين. فقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبتمبر 2026 إلى عجزها عن القيام بمهام التحقق الميداني في المنشآت النووية الإيرانية المعلنة خلال الفترة التي شملها تقريرها، بسبب عدم حصولها على المعلومات والوصول اللازمين. كما أن آثار الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تعرضت لها المنشآت النووية الإيرانية في عامي 2025 و2026 لم تكن قد اتضحت بصورة كاملة. وهذا الغموض لا يبرر الاطمئنان إلى البرنامج النووي الإيراني، ولكنه لا يجيز، في المقابل، أن نستعيض عن الأدلة المفقودة بأحكام قطعية بشأن ما سوف يفعله النظام إذا امتلك القنبلة.
فبين الجهل بحقيقة النوايا والجزم بأسوأ ما يمكن أن تؤول إليه تلك النوايا مسافة لا يجوز إلغاؤها بمجرد استحضار السيناريو الأكثر إثارة للخوف.
بل إننا قد نجد أنفسنا أمام مفارقة أخرى: أن تؤدي الحرب التي يُراد لها أن تمنع إيران من امتلاك السلاح النووي إلى تعزيز اقتناع صناع القرار فيها بأن امتلاك هذا السلاح هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون تكرار تعرضهم للهجوم.
وبذلك قد تتحول الحرب الوقائية، من وسيلة يُفترض أنها تمنع الانتشار النووي، إلى عامل يدفع نحو مزيد من الإصرار عليه.
ولا يعني ذلك أن الدبلوماسية مضمونة النجاح، أو أن الردع قادر على منع جميع الاحتمالات الكارثية. وإنما يعني أن المفاضلة بين الحرب وبدائلها يجب أن تقوم على مقارنة دقيقة بين الأخطار، لا على افتراض أن الخطر الذي نريد منعه أكبر بالضرورة من جميع الأخطار التي قد يفضي إليها سعينا لمنعه.
فالحرب ليست فعلاً يقع خارج نطاق الحسابات الاستراتيجية، ولا يجوز النظر إليها كما لو كانت أداة مضمونة النتائج، يمكن استخدامها لإزالة احتمال مستقبلي من دون أن تخلق احتمالات جديدة.
ومن هنا فإن الموقف الذي يرفض التسليم بحتمية استخدام إيران للسلاح النووي، إن امتلكته، ليس موقفاً يستخف بالخطر النووي، ولا هو دفاع عن سياسات النظام الإيراني. إنه، في جوهره، مطالبة بأن تُخضع القرارات المصيرية للمعايير العقلانية ذاتها التي نطالب بالاحتكام إليها في سائر مجالات التفكير والتدبير.
فإذا كنا لا نقبل أن يتحول الاحتمال إلى يقين في ميادين المعرفة والعلم، فلماذا نقبل بهذا التحول حين يتعلق الأمر بالحرب، وهي من أكثر القرارات الإنسانية استعصاءً على التراجع عن نتائجها؟
وإذا كنا نطالب بأن تقوم الأحكام على الأدلة، فلماذا نعفي الحكم القائل بحتمية استخدام النظام الإيراني للسلاح النووي من هذا المطلب؟
إن ما ينبغي أن ينشغل به صناع القرار ليس مجرد البحث عن الوسيلة التي تحول دون امتلاك إيران للقنبلة الذرية، وإنما البحث أيضاً في ما إذا كان بالإمكان إقامة نظام ردع وضمانات ورقابة يحد من مخاطر هذا الامتلاك، إن تعذر منعه، من دون الانزلاق إلى حرب قد تكون عواقبها أشد خطورة من الخطر الذي اندلعت للحيلولة دونه.
ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه لنا تاريخ السلاح النووي، منذ هيروشيما وناغازاكي وحتى يومنا هذا، هو أن امتلاك القدرة على التدمير لا يستلزم حتمية استخدامها، وأن الخوف من هذه القدرة، مهما كان مشروعاً، لا يعفينا من واجب التفكير المتأني في ما ينبغي فعله لمواجهتها.
فليس كل خطر وجودي محتمل خطراً وجودياً محتوماً، وليس كل خطر محتمل مبرراً كافياً لخوض حرب، وليس كل حرب يُراد لها أن تمنع كارثة قادرةً بالضرورة على منعها.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا ليس: هل يستطيع النظام الإيراني استخدام القنبلة الذرية إذا امتلكها؟ فالإجابة عن هذا السؤال تتعلق بالقدرة التقنية والعسكرية.
وإنما السؤال الأجدر بالتدبر هو: هل لدينا ما يكفي من الأدلة التي تبرر الجزم بأنه سوف يستخدمها، رغم معرفته بما قد يترتب على ذلك من تهديد لبقائه؟
فإذا لم تكن لدينا هذه الأدلة، فإن الواجب العقلي والاستراتيجي يقتضي منا ألا نجعل من احتمال لم تثبت حتميته يقيناً نبني عليه قراراً بالحرب.
ذلك أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يخطئ في تقدير الخطر فحسب، وإنما أن يحوِّل خوفه من خطر لم يتحقق بعد إلى سبب لوقوع كارثة كان بوسعه أن يتجنبها.

اترك تعليقًا