هل بإمكاننا حقاً أن نتبيَّن الحدود الفاصلة بين ما هو بشري وغير بشري في نتاجنا المعرفي؟

من المسلَّمات التي قلَّما يخطر للإنسان أن يُخضعها للمساءلة اعتقادُه أنَّ ما تراكم لديه، على مرِّ العصور وتعاقب الدهور، من معارف وعلوم وفنون، إنما هو نتاجٌ بشريٌّ خالص، أبدعه عقلُه، وأنتجته ملكاتُه، وأثمرته خبراتُه وتجاربه في تعامله مع العالَم الذي قُدِّر له أن يعيش فيه. غير أنَّ هذا الاعتقاد، مهما بدا منسجماً مع ما ألفناه من تصورات عن تاريخ المعرفة البشرية، يظلُّ افتراضاً معرفياً يتوجب علينا ألا نُعفيه من المساءلة، ولاسيما إذا ما أردنا أن نأخذ بنظر الاعتبار ما يقصُّه علينا القرآن العظيم عن طبيعة هذا العالَم، وما يتواجد فيه من كائنات لا يقتصر حضورها على مجرد مشاركتنا الوجود فيه، وإنما يمتدُّ إلى التأثير في الإنسان، وفيما يصدر عنه من قولٍ وعمل، بل وفيما يتلقَّاه من معارف أيضاً. فهل يحقُّ لنا، والحال هذه، أن نجزم بأنَّ كلَّ ما نعدُّه اليوم نتاجاً معرفياً بشرياً إنما هو من إبداع الإنسان وحده؟ أم أنَّ هذا الجزم ينطوي على تجاهلٍ لما يقتضيه الإقرار بأنَّ الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يتواجد في هذا العالَم، ولا الكائن الوحيد الذي كان له أن يؤثِّر في مسيرته المعرفية؟
ولقد بيَّن لنا القرآن العظيم أنَّ هنالك كائناتٍ تشارك الإنسانَ التواجدَ في هذا العالَم، ولكنها لا تخضع، في علاقتها الإدراكية به، لما يخضع له الإنسان في علاقته بها. فنقرأ في سورة الأعراف قولَه تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: 27). وهذه الآية، وإن وردت في سياق التحذير من الشيطان، فإنها تضعنا أمام حقيقة قرآنية تتعلق بحدود الإدراك البشري؛ إذ ليس كلُّ ما يعجز الإنسان عن رؤيته خارجاً عن نطاق الوجود، وليس كلُّ ما لا يستطيع إدراكَه بحواسِّه ممتنعاً عن التأثير فيه. وإذا كان هذا التفاوت الإدراكي قائماً بين الإنسان وتلك الكائنات، فإنَّ السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن بالنا هو: هل كان لهذا التفاوت أثرٌ في تاريخ المعرفة البشرية؟ وهل نستطيع أن نستبعد احتمال أن يكون بعض ما نُسب إلى إبداع العقل البشري قد نشأ، ابتداءً، عن تأثيراتٍ أو معارف تلقَّاها الإنسان من مصادر غير بشرية، ثم أعاد إنتاجها وتطويرها حتى غابت عنه أصولُها الأولى؟
ولنا في الآية الثانية بعد المئة من سورة البقرة مثالٌ قرآني يستدعي أن نتوقف عنده طويلاً؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. فما الذي ينبغي لنا أن نتبيَّنه من هذه الآية، بعيداً عن الاقتصار على ما اعتدنا أن نستخلصه منها من أحكام تتعلق بالسحر وتحريمه؟ أليس من اللافت أنَّ الآية تتحدث عن تعليمٍ وتعلُّم، وعن معارف انتقلت إلى الإنسان من مصادر غير بشرية، وعن أثرٍ أمكن أن يترتب على تلقي تلك المعارف وممارستها؟ وإذا كان القرآن قد أطلعنا على مثالٍ كهذا، فما الذي يسوِّغ لنا أن نجعل منه واقعةً معزولة لا تستدعي إعادة النظر في افتراضنا أنَّ الإنسان هو المصدر الوحيد لكل ما دخل في تكوين تراثه المعرفي؟
غير أنَّ تدبُّر هذه الآية الكريمة يقتضي منا أن نتحلَّى بـ “الحذر المعرفي” ذاته الذي نطالب العقل البشري بألا يحيد عنه. فالقرآن يذكر تعليم الشياطين الناسَ السحر، ويذكر ما أُنزل على الملكين هاروت وماروت، وما كان الناس يتعلمونه منهما من أمورٍ تفضي إلى التفريق بين المرء وزوجه. ولكنه لا يفصِّل لنا الكيفية التي جرى بها هذا التأثير، ولا يقدِّم لنا وصفاً تقنياً لآلياته، كما لا يبيِّن لنا على وجه القطع أنَّ الشياطين كانت تحفظ علماً سبق أن اندثر ثم أعادت نقله إلى الإنسان. ومن ثمَّ، فإنَّ ما يحقُّ لنا أن نستخلصه من هذه الآية هو أنَّ تاريخ تلقِّي الإنسان للمعرفة، وفقاً لما يقصُّه القرآن، لا يقتصر بالضرورة على ما يتلقَّاه الإنسان من الإنسان. أما تحديد طبيعة تلك المعارف، ومسارات انتقالها، وما إذا كان لها امتدادٌ في بعض ما توارثته البشرية لاحقاً، فذلك كله يظلُّ مجالاً للتساؤل والبحث، لا مسوِّغاً لإطلاق أحكامٍ قطعية تتجاوز ما صرَّح به النص القرآني.
وهنا تبرز الإشكالية الفلسفية التي ينبغي أن تكون محور بحثنا: هل تتحدد بشرية المعرفة بهوية مَن أبدعها أول مرة، أم بهوية مَن تلقَّاها وأعاد إنتاجها وطوَّرها؟ فلو أنَّ الإنسان تلقَّى معرفةً من مصدر غير بشري، ثم أخضعها لتجاربه، وأدخل عليها من التعديلات والإضافات ما جعلها جزءاً لا يتجزأ من تراثه المعرفي، فهل يكون من الصواب أن ننسبها إليه نسبةً خالصة؟ وإذا ما توارثت الأجيال تلك المعرفة، حتى انقطعت صلتها بمصدرها الأول، فهل سيكون في مقدورنا أن نتبيَّن ما هو بشري فيها مما ليس ببشري؟ إنَّ هذه الأسئلة لا تستدعي التشكيك في قدرة الإنسان على الإبداع، ولا الانتقاص من شأن ما حقَّقه من إنجازات معرفية، وإنما تستدعي التمييز بين الإبداع بوصفه فعلاً معرفياً يمارسه الإنسان، والأصل الذي انبثقت عنه المادة المعرفية التي مارس عليها هذا الفعل. فليس كلُّ مَن أعاد صياغة معرفةٍ هو بالضرورة مَن أبدعها ابتداءً، وليس كلُّ ما استقرَّ في التراث البشري دليلاً، بمجرد استقراره فيه، على بشرية مصدره الأول.
ولعلَّ أشدَّ ما تنطوي عليه هذه الإشكالية من صعوبة يتمثل في أنَّ العقل البشري لا يمتلك، في كثيرٍ من الأحيان، الوسيلة التي تتيح له أن يتعقَّب المعرفة إلى منبعها الأول. فالتاريخ الذي بين أيدينا هو، في جانبٍ كبير منه، تاريخ ما وصل إلينا من آثار الإنسان وأقواله ومدوَّناته، وليس بالضرورة تاريخ جميع المؤثرات التي أسهمت في تشكيل ما قاله وفعله وعرفه. وإذا كان هذا القصور يكتنف محاولاتنا لتحديد الأصول البشرية لكثيرٍ من الأفكار والمعارف، فكيف سيكون الحال إذا ما أدخلنا في حساباتنا احتمال وجود مؤثرات غير بشرية لا تخضع لوسائل التتبُّع التاريخي المألوفة؟ ولكنَّ العجز عن استبعاد هذا الاحتمال لا يكفي، في ذاته، لإثبات تحققه في واقعةٍ بعينها. فثمة فرقٌ جوهري بين أن نقرَّ بإمكان وجود مصدرٍ غير بشري للمعرفة، وبين أن نزعم أنَّ معرفةً محددة قد جاءت بالفعل من ذلك المصدر. والأول قد يفتح باباً مشروعاً للتفكير الفلسفي والتدبُّر القرآني، أما الثاني فيقتضي دليلاً يتناسب مع ما ينطوي عليه من ادعاء.
وإذا كان القرآن العظيم قد نبَّه الإنسان إلى أنَّ إدراكه لا يحيط بكل ما يتواجد في العالَم، وأنَّ هنالك من الكائنات ما يؤثِّر فيه من حيث لا يراه، فإنَّ مقتضى هذا التنبيه ليس أن ننسب كلَّ ما نعجز عن تفسيره إلى تلك الكائنات، وإنما أن نراجع مقدار الثقة التي نوليها لتصوراتنا عن حدود الفعل البشري ومصادر المعرفة الإنسانية. فليس من العقلانية أن نجعل جهلنا بمصدر معرفةٍ ما دليلاً على أنها جاءت من مصدر غير بشري، مثلما ليس من العقلانية أن نجعل اعتيادنا نسبة المعرفة إلى الإنسان برهاناً على استحالة أن يكون قد تلقَّى بعضاً منها من غيره. وبين هذين الموقفين تتحدد مسؤوليتنا المعرفية: أن نُبقي السؤال مفتوحاً حيث لا يتوافر الدليل الحاسم، وأن نمتنع عن تحويل الاحتمال إلى يقين، أو تحويل ما ألفناه من تصورات إلى حقائق لا تقبل المراجعة.
وهكذا، فإنَّ السؤال عما إذا كان بمقدورنا حقاً أن نتبيَّن الحدود الفاصلة بين ما هو بشري وغير بشري في نتاجنا المعرفي لا ينتهي بنا إلى إجابةٍ يسيرة، وإنما يضعنا أمام تحدٍّ معرفي بالغ التعقيد. فليس المطلوب أن نجرِّد الإنسان من ملكاته الإبداعية، ولا أن نعيد كتابة تاريخ المعرفة البشرية على أساس افتراضاتٍ لا سبيل إلى التحقق منها، وإنما أن ندرك أنَّ نسبة المعرفة إلى الإنسان لا تعني، بالضرورة، أننا قد أحطنا بجميع العوامل التي أسهمت في نشأتها وتشكُّلها وانتقالها. ولعلَّ ما ينبغي أن ننتهي إليه، بعد تدبُّر ما قصَّه علينا القرآن العظيم، هو أنَّ الحدود الفاصلة بين ما أبدعه الإنسان وما تلقَّاه من غيره قد تكون أشدَّ استعصاءً على التبيُّن مما توحي به تصوراتنا المألوفة عن تاريخ المعرفة. وعندئذٍ لن يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان الإنسان قد أبدع هذه المعرفة أو تلك، بل سيمتدُّ إلى سؤالٍ أعمق: هل نعرف حقاً ما يكفي عن مصادر معرفتنا حتى نجزم بأنَّنا نعرف مَن الذي علَّم الإنسان ما يعرفه؟

\

اترك تعليقًا