بين الأصل الأنطولوجي للمعرفة ومشروعيتها الإبستمولوجية… هل تتحدد قيمة المعرفة بمصدرها أم بمطابقتها للحقيقة؟

لعل من أعظم المفارقات التي تستوقف المتدبر في طبيعة المعرفة الإنسانية أن الإنسان، على ما راكمه من علوم ومعارف وتصورات، وعلى ما أبدعه من مناهج وأدوات للتحقق والتثبت والبرهنة، لا يزال يواجه سؤالاً بالغ التعقيد، لا يبدو أن ما أحرزه من تقدم معرفي قد مكَّنه من تقديم إجابة نهائية عنه؛ وأعني به السؤال المتعلق بالعلاقة بين الأصل الذي صدرت عنه المعرفة، والقيمة المعرفية التي ينبغي أن تُسبغ عليها. فهل تتحدد قيمة المعرفة بهوية المصدر الذي صدرت عنه؟ أم أن هذه القيمة لا تتقرر إلا بالنظر في مدى مطابقة مضمونها للحقيقة؟ أم أن الأمر أعقد من أن يُختزل في أيٍّ من هذين الاحتمالين، بما يقتضي منا أن نعيد النظر في طبيعة العلاقة بين المصدر والمضمون، وبين المنشأ الأنطولوجي للمعرفة ومشروعيتها الإبستمولوجية؟
ولعل أول ما ينبغي أن ننطلق منه، ونحن نسعى إلى مقاربة هذه الإشكالية، هو التمييز بين سؤالين درجنا على التعامل معهما كما لو أنهما سؤال واحد: سؤال يتعلق بكيفية نشوء المعرفة ومصدرها، وسؤال آخر يتعلق بما يجعل هذه المعرفة صادقة أو مبررة أو جديرة بالتصديق. فالسؤال الأول يتجه إلى الأصل الأنطولوجي للمعرفة، أي إلى الجهة التي صدرت عنها، والكيفية التي دخلت بها إلى النظام المعرفي للإنسان. أما السؤال الثاني فيتجه إلى مشروعيتها الإبستمولوجية، أي إلى الأسس التي تسوِّغ لنا قبولها، والمعايير التي تتيح لنا التمييز بين ما يستحق التصديق وما ينبغي إخضاعه للمراجعة أو الرفض.
وهذا التمييز ليس مجرد ترف اصطلاحي، وإنما هو ضرورة فلسفية لا غنى عنها إذا أردنا أن نتحرر من ذلك الخلط الذي يجعلنا نعتقد أن معرفتنا بمصدر المعلومة تكفينا للحكم على صدقها، أو أن جهلنا بهذا المصدر يحول بالضرورة دون إمكان التثبت من مضمونها.
ولقد انتهينا، في مقاربتنا السابقة لما يقصه علينا القرآن العظيم عن طبيعة النظام المعرفي للإنسان، إلى أن هذا النظام لا يجوز لنا أن نقطع جازمين بأنه نتاج بشري خالص، ذلك أن القرآن يخبرنا عن تأثيرات غير بشرية أسهمت، على نحو أو آخر، في تشكيل ما يتلقاه الإنسان من معلومات، وما يتبناه من تصورات ومعتقدات، وما ينتهي إليه من أحكام ومواقف.
غير أن التسليم بهذا التعدد في مصادر التأثير المعرفي يضعنا أمام إشكالية جديدة، لعلها أشد تعقيداً من الإشكالية التي انطلقنا منها: فإذا كانت المعرفة الإنسانية لا تنحصر، من حيث مصادرها، فيما هو بشري، فهل يعني ذلك أن علينا أن نحدد قيمتها المعرفية تبعاً لهوية المصدر الذي صدرت عنه؟
وهنا تحديداً يتعين علينا أن نتوقف عند ما يقصه القرآن عن الشياطين والملائكة، وعن ذلك التفاوت الذي يكتنف ما يصدر عنهم من تأثيرات تطال النظام المعرفي للإنسان.
فالقرآن، حين يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121]، لا يكتفي بالإخبار عن وجود مصدر غير بشري للتأثير، وإنما يضعنا أمام حالة تتصل بإنتاج الحجج وتوجيه الجدل والتأثير في الأحكام التي ينتهي إليها الإنسان.
وهذا يعني أن المعلومة، أو الحجة، قد تجد طريقها إلى النظام المعرفي للإنسان عبر تأثير لا يكون الإنسان هو مصدره الأول، وإن بدا له، في واقع الحال، أنه إنما يعبر عن رأيه المستقل، أو عن نتيجة انتهى إليها بإعمال ملكاته العقلية.
ولكن هل يكفي أن نعلم أن حجة ما قد صدرت عن مصدر شيطاني لكي نحكم ببطلان مضمونها، أم أن هذا الحكم يستدعي منا أن نميِّز بين فساد الغاية التي سيقت الحجة من أجلها، وبين صدق المقدمات التي تقوم عليها؟
إن هذا السؤال يضعنا أمام مفارقة ذات دلالة ابستمولوجية بالغة؛ إذ ليس من الضروري أن يكون كل ما يُستخدم في التضليل كاذباً في ذاته، فقد يكون التضليل قائماً على توظيف حقيقة صحيحة في سياق مضلل، أو على اقتطاع معلومة صادقة من سياقها، أو على ترتيب مقدمات صحيحة للوصول إلى نتيجة لا تلزم عنها.
ولعل في ما قصه علينا القرآن عن إبليس وآدم ما يتيح لنا أن نتبين جانباً من هذه المفارقة؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21). فالمشكلة هنا لا تتعلق بمجرد وجود خطاب صادر عن مصدر شيطاني، وإنما تتعلق كذلك بادعاء هذا المصدر صفة النصيحة والحرص على مصلحة المتلقي.
وهكذا يتبين لنا أن هوية المصدر ليست دائماً أمراً ظاهراً للإنسان، وأن المصدر قد يقدم نفسه في صورة مغايرة لحقيقته، الأمر الذي يجعل الاكتفاء بما يعلنه عن نفسه أساساً للحكم على مصداقيته ضرباً من التسليم الذي لا تسنده حجة.
غير أن هذا لا يعني أن هوية المصدر عديمة القيمة المعرفية، بل يعني أن علينا أن نحدد طبيعة هذه القيمة وحدودها.
فإذا كان المصدر معلوماً لنا بصدق لا يعتريه شك، وكانت عصمته من الكذب ثابتة لدينا، فإن هذه المعرفة بمصدره يمكن أن تشكل مسوغاً قوياً لقبول ما يصدر عنه، حتى وإن لم نتمكن من التحقق المستقل من جميع مضامينه.
أما إذا كان المصدر مجهولاً، أو كانت موثوقيته موضع شك، فإن مجرد انتساب المعلومة إليه لا يكفي لتقرير صدقها أو كذبها.
وهنا يبرز الفرق بين صدق المعلومة من جهة، ومسوغات اعتقادنا بصدقها من جهة أخرى. فقد تكون المعلومة صادقة في ذاتها، ولكننا لا نملك من الأدلة ما يسوِّغ لنا الجزم بصدقها. وقد نملك أسباباً تبدو لنا قوية لتصديق معلومة، ثم يتبين لنا لاحقاً أنها كانت خاطئة. وهذا يعني أن المطابقة للحقيقة والتبرير المعرفي ليسا شيئاً واحداً؛ فالأولى تتعلق بما إذا كان مضمون المعلومة يوافق الواقع الذي يخبر عنه، أما الثاني فيتعلق بما إذا كنا نملك أسباباً كافية للاعتقاد بهذه المطابقة.
ولعل القرآن نفسه يلفت أنظارنا الى القيمة المعرفية لهذا التمييز حين يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). فهذه الآية لا تكتفي بتوجيه الإنسان إلى تحري الحقيقة، وإنما تشدد كذلك على مسؤوليته عما يتبناه من أحكام ومعتقدات، بما يقتضي ألا يجعل من مجرد تلقي المعلومة مسوغاً كافياً لاتباعها.
ويأتي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] ليضيف إلى هذه المسألة بُعداً آخر لا يقل عنه قيمةً معرفية. فالآية تجعل من حال المصدر سبباً يستدعي التثبت من الخبر، ولكنها لا تقرر أن كل خبر يأتي به الفاسق كاذب بالضرورة.
وهذا فارق معرفي بالغ الدقة؛ إذ إن ضعف موثوقية المصدر لا يستلزم منطقياً كذب كل ما يصدر عنه، كما أن الثقة بالمصدر، ما لم تكن قائمة على أساس يضمن صدقه في موضع الخبر، لا تعني بالضرورة صحة جميع ما ينقله.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مبدأ معرفي يستحق أن يكون أساساً لمقاربتنا: إن هوية المصدر قد تحدد مقدار ما ينبغي أن نبذله من جهد في التثبت، لكنها لا تحدد، في جميع الأحوال، حقيقة المضمون الذي نتثبت منه. غير أن الأمر يكتسب خصوصية أخرى حين يتعلق بالمصدر الإلهي؛ ذلك أن القرآن يقدم الله تعالى بوصفه الحق، ويقرر في شأن خبره: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87). وهنا لا تكون موثوقية المصدر مجرد قرينة قابلة للترجيح والمراجعة، كما هي الحال مع المصادر البشرية، وإنما تقوم، في إطار الإيمان القرآني، على صدق إلهي مطلق. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي إشكالية معرفية أخرى، وهي ضرورة التمييز بين صدق ما صدر عن الله، وبين صحة ما ينسبه الإنسان إلى الله، أو سلامة فهمه لما يعتقد أنه مراد الله.
فصدق المصدر الإلهي شيء، وصحة إدراك الإنسان للخطاب الإلهي وتأويله له شيء آخر. وكم من إنسان يعتقد أنه إنما يدافع عن حقيقة إلهية، بينما لا يكون ما يدافع عنه، في واقع الأمر، إلا فهماً بشرياً لتلك الحقيقة، فهماً قد يصيب وقد يخطئ!
وهنا تتجلى واحدة من أخطر المفارقات التي تكتنف العلاقة بين الأصل الأنطولوجي للمعرفة ومشروعيتها الإبستمولوجية؛ إذ قد يكون المصدر الذي ننسب إليه المعرفة معصوماً من الخطأ، بينما تكون معرفتنا نحن بما صدر عنه غير معصومة من سوء الفهم والتأويل. وهذا يقتضي منا ألا ننقل صفة العصمة من المصدر إلى فهمنا البشري لما صدر عنه، وألا نجعل من يقيننا بصدق الله دليلاً تلقائياً على صحة كل ما ننتهي إليه من تفسير لكلامه.
ولعل هذه المسألة هي التي تجعلنا أكثر إدراكاً لما يقتضيه التمييز بين ثلاثة أمور لا يجوز الخلط بينها: المصدر الذي صدرت عنه المعلومة، والمضمون الذي تحمله، والكيفية التي أدرك بها الإنسان هذا المضمون وفهمه.
فقد يكون المصدر صادقاً، ولكن الإنسان يسيء الفهم. وقد يكون المصدر غير موثوق، ولكن المعلومة التي ينقلها صادقة. وقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، ولكن توظيفها يجري على نحو يجعلها أداة للتضليل والإيهام.
وهذه الاحتمالات تكشف لنا أن العلاقة بين المصدر والمضمون والمتلقي ليست علاقة بسيطة، ولا يجوز اختزالها في معادلة تجعل صدق أحد أطرافها ضماناً تلقائياً لسلامة الطرفين الآخرين.
ولعلنا، إذا ما عدنا إلى قصة هاروت وماروت، كما وردت في الآية 102 من سورة البقرة، وجدنا أنفسنا أمام وجه آخر لهذه الإشكالية. فالآية، وفق القراءة التي تجعل الملَكين فاعلين في التعليم، لا تضعنا أمام مجرد انتقال لمعلومات من مصدر غير بشري إلى الإنسان، وإنما أمام تعليم يقترن بالتحذير من الفتنة والكفر، ثم بإمكان توظيف ما جرى تعلمه في الإضرار بالآخرين.
وهذا يعني أن علينا ألا نخلط بين القيمة المعرفية للمعلومة، من حيث ما تخبر به أو ما تتيحه من قدرة، وبين قيمتها الأخلاقية، من حيث الغاية التي توظف من أجلها. فقد يمتلك الإنسان معرفة صحيحة، ويستخدمها استخداماً فاسداً. كما قد يجهل حقيقة من الحقائق، ويكون جهله بها أقل ضرراً من توظيفها في الإفساد. غير أن هذا لا يجعل الصدق والفساد الأخلاقي صفتين مترادفتين، ولا يجعل المعرفة الباطلة والمعرفة الضارة شيئاً واحداً. فالصدق وصف يتعلق بمطابقة المضمون للحقيقة، أما الصلاح والفساد فيتعلقان، في جانب منهما، بالغايات والأفعال والنتائج. وهنا نبلغ منعطفاً حاسماً في مقاربتنا؛ إذ لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت المعرفة بشرية أو غير بشرية، وإنما أصبح متعلقاً بما إذا كان بوسعنا أن نقيم حكماً معرفياً على معلومة ما دون أن نعرف مصدرها، أو أن نحكم على صدقها لمجرد أننا عرفنا هذا المصدر.
ولعل الإجابة تقتضي منا أن نقر بأن العلاقة بين المصدر والحقيقة علاقة تتفاوت طبيعتها باختلاف الأحوال. ففي بعض الحالات تكون معرفة المصدر هي السبيل الأهم إلى تسويغ التصديق، كما في الأخبار التي لا نملك وسيلة مباشرة للتحقق منها، فنضطر إلى الاعتماد على موثوقية من ينقلها إلينا. وفي حالات أخرى تكون المعلومة قابلة للتحقق بمعزل عن هوية مصدرها، كما في القضايا الرياضية التي يمكن البرهنة عليها، أو الوقائع التجريبية التي يمكن إخضاعها للفحص والملاحظة. وفي حالات ثالثة قد تتداخل معرفة المصدر مع إمكانات التحقق من المضمون، فلا يكون أحدهما كافياً بمفرده لتقرير ما ينبغي أن نتخذه من موقف معرفي.
وهذا يعني أن السؤال: «هل تتحدد القيمة المعرفية للمعلومة بهوية مصدرها أم بمطابقتها للحقيقة؟» لا يمكن أن نجيب عنه إجابة منضبطة قبل أن نحدد ما نعنيه بالقيمة المعرفية. فإذا كنا نعني بها صدق المعلومة، فإن هذا الصدق لا يتقرر، في ذاته، بمجرد معرفة مصدرها، وإنما بما إذا كان مضمونها مطابقاً للحقيقة. أما إذا كنا نعني بها مشروعية تصديق المعلومة، فإن هوية المصدر قد تكون من أهم العوامل التي يتعين أخذها بنظر الاعتبار، إلى جانب الأدلة والقرائن ووسائل التحقق الأخرى.
وأما إذا كنا نعني بها قيمة المعرفة في توجيه السلوك الإنساني، فإن الأمر يستدعي إضافة بُعد ثالث، يتعلق بغايات توظيف المعرفة وما يترتب عليها من نتائج.
وهكذا لا تعود العلاقة بين المصدر والمضمون علاقة تنافس على تحديد القيمة المعرفية، وإنما تصبح علاقة تكامل مشروط، لا يجوز لنا أن نفترض أن أحد طرفيها يغني، في جميع الأحوال، عن الآخر. غير أن ما ينبغي ألا يغيب عن بالنا هو أن هذه المقاربة تكتسب قيمة مضاعفة حين نأخذ بنظر الاعتبار ما يقصه علينا القرآن عن تعدد المؤثرات التي تتناوش النظام المعرفي للإنسان.
فالإنسان، وفقاً لهذا التصور، لا يواجه مجرد معلومات تتفاوت في صدقها وكذبها، وإنما يواجه كذلك مصادر للتأثير قد لا يستطيع أن يتبين هويتها، وقد لا يدرك أصلاً أنها أسهمت في تشكيل بعض ما استقر لديه من تصورات ومعتقدات.
وهنا يصبح من غير الجائز إبستمولوجياً أن نجعل من شعور الإنسان بأنه صاحب الفكرة دليلاً على أنه مصدرها الأول، كما يصبح من غير الجائز أن نجعل من يقينه بصحة اعتقاده دليلاً كافياً على مطابقته للحقيقة. فقد يعتقد الإنسان أنه إنما ينطق بما انتهى إليه عقله المستقل، بينما يكون بعض ما استقر في هذا العقل قد تشكل تحت تأثيرات لم يتبين حقيقتها. وقد يعتقد أنه على هدى، بينما يكون اعتقاده هذا نفسه جزءاً من الإشكالية المعرفية التي لم يتنبه إليها.
ولعل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 37] من أبلغ ما يضعنا أمام هذه المفارقة؛ إذ إن الإنسان قد يخطئ، ثم يخطئ مرة أخرى حين يحكم على خطئه بأنه صواب.
وهكذا لا يكون الخلل مقتصراً على مضمون الاعتقاد، وإنما قد يمتد إلى المعايير التي يحتكم إليها الإنسان في تقدير سلامة اعتقاده. وهذا هو ما يجعل التواضع المعرفي ضرورة لا مجرد فضيلة؛ إذ لا يكفي أن يعترف الإنسان بأنه قد يجهل بعض الحقائق، بل يتعين عليه كذلك أن يعترف بإمكان خطئه في تقدير ما يعتقد أنه يعرفه، وفي تحديد المصادر التي أسهمت في تكوين هذه المعرفة. ولكن هل يعني هذا أن الإنسان محكوم عليه بأن يظل عاجزاً عن التمييز بين المعرفة الصادقة والمعرفة الكاذبة؟ ليس بالضرورة.
فالإقرار بتعدد مصادر التأثير المعرفي، وبإمكان خفاء بعضها عن الإنسان، لا يستلزم أن تكون جميع معارفه موضع شك متساوٍ، ولا أن تتعذر عليه إقامة الحجج والبراهين على ما يتبناه من أحكام. بل لعل ما يقتضيه هذا الإقرار هو أن يكون أكثر حرصاً على التثبت، وأقل ميلاً إلى إضفاء اليقين المطلق على ما لا يملك بشأنه إلا أسباباً محدودة للترجيح. فالقرآن، الذي يحدِّثنا عن تأثيرات قد تصد الإنسان عن سبيل الحق، هو نفسه الذي يدعوه إلى النظر والتفكر والتدبر، ويحذره من اتباع ما ليس له به علم.
ومن هنا فإن الاعتراف بوجود مصادر غير بشرية للتأثير المعرفي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإلغاء العقل أو تعطيل النقد أو الاستغناء عن البرهان، وإنما ينبغي أن يكون باعثاً على مزيد من الانضباط في التعامل مع ما يَرِد إلى النظام المعرفي من معلومات وتصورات.
ولعلنا نستطيع، بعد هذا كله، أن ننتهي إلى خلاصة مفادها أن الأصل الأنطولوجي للمعرفة لا يطابق بالضرورة مشروعيتها الإبستمولوجية، وإن كان قد يسهم في تحديدها. فمعرفة المصدر تجيب عن سؤال المنشأ، ولكنها لا تجيب دائماً، بمفردها، عن سؤال الصدق. ومعرفة أن المعلومة صادقة لا تعني بالضرورة أننا نعرف مصدرها الأول. كما أن امتلاك الإنسان مسوغات قوية لتصديق معلومة لا يحول دون إمكان أن يتبين له لاحقاً أنها كانت خاطئة. ولذلك فإن ما ينبغي أن ننشغل به ليس مجرد الفصل بين ما هو بشري وما هو غير بشري في مصادر المعرفة، وإنما التمييز بين ما نعرفه عن تلك المصادر، وما نستطيع أن نبرهن عليه من صدق مضامينها، وما نملك من مسوغات لتبنيها والعمل بموجبها.
وهكذا تتكشف لنا، في ضوء التصور القرآني، صورة أكثر تعقيداً للنظام المعرفي للإنسان؛ صورة لا يكون فيها الإنسان المصدر الوحيد لكل ما يعرفه، ولا يكون فيها المصدر وحده كافياً للحكم على كل ما يتلقاه، ولا تكون فيها ثقته بما يعتقده ضماناً لسلامة اعتقاده.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: «من أين جاءت معارفنا؟» فحسب، ولا: «هل معارفنا مطابقة للحقيقة؟» فحسب، وإنما سؤال ثالث أشد إحراجاً لعقل اعتاد الاطمئنان إلى ما استقر فيه من قناعات: كيف لنا أن نطمئن إلى مشروعية ما نعتقد أننا نعرفه، إذا كنا لا نستطيع دائماً أن نتبين مصادره، ولا أن نضمن أن المعايير التي نحتكم إليها للحكم على صدقه قد سلمت هي الأخرى من التأثيرات التي نسعى إلى إخضاعها للتمحيص؟!
ولعل في هذا السؤال ما يدعونا إلى إعادة النظر في واحدة من أعمق مسلَّماتنا المعرفية: أن امتلاك المعرفة شيء، وامتلاك ما يسوِّغ لنا الجزم بأننا نمتلكها شيء آخر قد يكون أعسر منه بكثير!

اترك تعليقًا