
من أعظم ما يقتضيه منا التدبر في القرآن العظيم أن نعيد النظر في تلك المسلَّمة المعرفية التي درج الإنسان على التسليم بها، دون أن يخطر له، في كثير من الأحيان، أن يُخضعها للمساءلة؛ وأعني بها اعتقاده أنَّ نظامه المعرفي، بما يقوم عليه من أسس وأركان، وما يشتمل عليه من معلومات وتصورات ومعتقدات، إنما هو نتاج بشري خالص، تولَّى الإنسان بنفسه إبداعه وتطويره، عبر ما تراكم لديه من خبرات وتجارب ومعارف، على مرِّ العصور وتعاقب الدهور.
غير أنَّ هذا الاعتقاد، مهما بدا منسجماً مع ما ألفناه من تصورات عن تاريخ المعرفة البشرية، لا يكاد يصمد أمام ما يقصُّه علينا القرآن العظيم عن طبيعة الإنسان، وعن ذلك العالَم الذي قُدِّر له أن يعيش فيه؛ عالَم لا ينفرد الإنسان بالتواجد فيه، ولا يحتكر التأثير في مجريات أحداثه، ولا يستأثر، من باب أولى، بإنتاج كل ما يتشكل في نظامه المعرفي من معلومات ومعارف وتصورات.
فالقرآن لا يقدِّم لنا الإنسان بوصفه كائناً معرفياً مغلقاً على ذاته، لا يتلقى من المعارف إلا ما أنتجه بنفسه، أو ما انتقل إليه عن طريق غيره من بني جنسه. بل إنه يضعنا أمام صورة مغايرة تمام المغايرة، صورةٍ تتناوش فيها الإنسانَ تأثيراتٌ معرفية من مصادر متعددة، بعضها بشري، وبعضها الآخر غير بشري، حتى ليغدو من المتعذر، في ضوء هذا التصور القرآني، أن نجزم بأن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن كل ما يقوم عليه نظامه المعرفي من أسس وأركان.
ولعل أول ما ينبغي أن نستحضره في هذا السياق هو أن القرآن نفسه قد أخبرنا بأن الإنسان لم يبدأ مسيرته المعرفية مكتفياً بما تتيحه له ملكاته الذاتية من قدرات على التعلم والاكتشاف، وإنما كان هنالك تعليم إلهي مباشر أسهم في تأسيس هذه المسيرة منذ بداياتها الأولى؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31).
وهذه الآية، بصرف النظر عما اختلف فيه المفسرون بشأن المقصود بالأسماء، تضعنا أمام حقيقة لا يجوز إغفالها، وهي أن القرآن ينسب جانباً من المعرفة الإنسانية الأولى إلى تعليم إلهي، لا إلى اكتشاف بشري مستقل. ثم يأتي قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 5) ليؤكد أن المعرفة الإنسانية، في التصور القرآني، لا يمكن اختزالها في ما ينتجه الإنسان بمعزل عن كل مصدر آخر.
غير أن الأمر لا يقف عند حدود التعليم الإلهي، ذلك أن القرآن يحدِّثنا كذلك عن كائنات غير بشرية تتدخل في النظام المعرفي للإنسان، فتؤثر في ما يتلقاه من معلومات، وما يتبناه من تصورات، وما ينتهي إليه من أحكام ومواقف.
ولنا في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] ما يستحق الوقوف عنده طويلاً.
فالوحي، في هذه الآية، لا يقتصر استعماله على ما يكون من الله إلى أنبيائه، وإنما يرد كذلك في سياق التواصل بين الشياطين، بما ينطوي عليه هذا التواصل من تبادل للأقوال التي تتصف بالزخرف والغرور. وهذا يعني أن القرآن يلفت أنظارنا إلى وجود عمليات لنقل المضامين والتأثير في المتلقين لا يجوز لنا أن نفترض أن جميع أطرافها بشرية.
ويزداد الأمر وضوحاً حين يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (الأنعام: 121).
فهنا لا يقتصر التأثير الشيطاني على إثارة رغبة أو تحريك نزعة أو استثارة شهوة، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير في ما يتسلح به الإنسان من حجج يجادل بها غيره. ونحن، والحال هذه، بإزاء تأثير يطال جانباً من النشاط المعرفي والاستدلالي للإنسان، لا مجرد سلوكه الظاهر.
ولعل من أعجب ما يورده القرآن في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 37).
فالمفارقة المعرفية هنا بالغة الدلالة؛ إذ لا يقتصر الأمر على أن الإنسان قد ينتهي، بفعل التأثير الشيطاني، إلى اعتقاد خاطئ، وإنما يتعداه إلى أن يعتقد أنه على صواب، وأنه قد اهتدى إلى الحقيقة!
وهذا يعني أن التأثير لا يطال مضمون الاعتقاد فحسب، بل قد يطال كذلك حكم الإنسان على اعتقاده، وثقته في سلامة ما انتهى إليه من نتائج.
وهنا تحديداً تتجلى خطورة المسألة من منظور إبستمولوجي؛ فكيف يمكن للإنسان أن يجزم باستقلال نظامه المعرفي، إذا كان القرآن يخبره بأن بعض ما يستقر في هذا النظام من قناعات قد يكون قد تشكل تحت تأثير لا يتبين هو نفسه حقيقته، بل قد يزداد، بسببه، يقيناً بأنه مهتدٍ إلى الصواب؟
وليس بعيداً عن هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ (البقرة: 268).
فالإنسان، وفقاً لهذه الآية، يتلقى مضامين متعارضة تتصل بتقديره لما قد يترتب على أفعاله من نتائج مستقبلية. وهي مضامين لا تتساوى في مصدرها ولا في مصداقيتها، الأمر الذي يجعلنا أمام مسألة تتجاوز مجرد تعدد المؤثرات إلى اختلاف قيمتها المعرفية والأخلاقية.
ثم إن القرآن لا يحصر التأثيرات غير البشرية في ما يصدر عن الشياطين، بل يحدِّثنا كذلك عن الملائكة، وعن أدوار لها صلة بالتعليم والتبليغ والتثبيت.
ولنا في قصة الملَكين هاروت وماروت مثال يستدعي تدبراً خاصاً؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (البقرة: 102).
وبصرف النظر عن الاختلافات التفسيرية التي أحاطت بتفاصيل هذه القصة، فإن القراءة التي تجعل الملَكين فاعلين في عملية التعليم تضعنا أمام مثال بالغ الدلالة الأبستمولوجية على انتقال معرفة إلى الإنسان من مصدر غير بشري.
والأهم من ذلك أن هذه الآية لا تكتفي بالإخبار عن التعليم، بل تربطه بالتحذير والابتلاء والمسؤولية، بما يدل على أن تلقي المعرفة ليس أمراً منفصلاً عن الكيفية التي يتعامل بها الإنسان معها، ولا عن النتائج التي قد تترتب على استخدامها.
ومن هنا يتعين علينا أن نميِّز بين مصدر المعرفة من جهة، ومضمونها ومصداقيتها وغايات توظيفها من جهة أخرى. فليس كل ما يتلقاه الإنسان من معلومات جديراً بالتصديق، وليس كل ما يستطيع تعلمه جديراً بأن يعمل بموجبه.
ولعل ما يزيد هذه المسألة تعقيداً أن القرآن يخبرنا عن وجود كائنات غير بشرية لا تتكافأ معها قدرات الإنسان الإدراكية؛ إذ يقول تعالى في شأن الشيطان وقبيله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: 27).
وهذا التفاوت في القدرة على الإدراك يجعل العلاقة بين الإنسان وهذه الكائنات، وفقاً للخبر القرآني، علاقة لا تقوم على التكافؤ في إمكانات الرصد والملاحظة. فالإنسان قد يكون موضوعاً لتأثير لا يستطيع أن يعاين مصدره معاينة مباشرة، وإن كان ذلك لا يجيز لنا أن ننسب كل فكرة تخطر له، أو كل اعتقاد يتبناه، إلى مؤثر غيبي بعينه.
ومن هنا أيضاً تبرز ضرورة التمييز بين ما يقرره القرآن عن وجود هذه التأثيرات، وما يستطيع الإنسان أن يثبته بشأن حضورها في حالة معرفية محددة.
فالقول بوجود تأثيرات غير بشرية في النظام المعرفي للإنسان شيء، والقدرة على تعيين مصدر كل فكرة أو معتقد أو معرفة شيء آخر مختلف تمام الاختلاف.
وهذا التمييز ليس مجرد احتراز منهجي، وإنما هو من صميم ما يقتضيه “الانضباط الإبستمولوجي”؛ إذ لا يجوز لنا أن ننتقل من إثبات وجود مؤثر معرفي إلى الجزم بأنه المسؤول عن كل ما لا نعرف له تفسيراً من معارف الإنسان وتصوراته.
غير أن عجزنا عن تعيين هذه التأثيرات في كل حالة لا يسوِّغ لنا، في المقابل، أن ننفي وجودها، أو أن نقطع بأن كل ما راكمه الإنسان من معارف هو نتاج بشري خالص.
وهنا نبلغ جوهر الأطروحة التي تسعى هذه المقالة إلى تأسيسها: إن القرآن لا يجيز لنا أن نختزل التاريخ المعرفي للإنسان في تاريخ ما أنتجه الإنسان بنفسه.
فإذا كان الإنسان، وفقاً للقرآن، قد تلقى تعليماً إلهياً، وإذا كانت الملائكة قد اضطلعت بأدوار في التعليم والتبليغ والتثبيت، وإذا كانت الشياطين تتدخل في ما يتلقاه الإنسان من مضامين، وفي ما ينتهي إليه من قناعات وأحكام، فكيف يجوز لنا أن نقطع جازمين بأن النظام المعرفي البشري قد نشأ وتطور بمعزل عن كل هذه التأثيرات؟
بل كيف يمكننا أن نرسم حدوداً فاصلة ونهائية بين ما هو بشري وما هو غير بشري في ذلك التراكم المعرفي الهائل الذي انتهى بالإنسان إلى أن يغدو على ما هو عليه اليوم؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بإمكان إنكار ما أبدعه الإنسان من علوم وفنون ومعارف، ولا بالتقليل من شأن ما بذله من جهود في سبيل اكتشاف أسرار العالَم الذي يعيش فيه، وإنما يتعلق بمدى مشروعية أن ننسب إليه، على سبيل الحصر، كل ما أسهم في تشكيل نظامه المعرفي.
ولعل من الضروري، في هذا المقام، ألا نخلط بين مسؤولية الإنسان عن اختياراته المعرفية، وبين مسؤوليته عن إنتاج جميع المضامين التي يجد نفسه بإزائها.
فالقرآن، حين يحدِّثنا عن الوسوسة والإيحاء والإغواء والتعليم والتثبيت، لا يلغي بذلك قدرة الإنسان على التمييز والاختيار، ولا يعفيه من مسؤولية ما يتبناه من معتقدات وما يصدر عنه من أفعال. بل إنه يجعل هذه المسؤولية قائمة في عالَم تتعدد فيه مصادر التأثير، وتتفاوت فيه درجات الصدق والموثوقية.
وهكذا لا يعود الإنسان، في ضوء هذا التصور، مجرد منتج مستقل للمعرفة، وإنما يغدو كذلك متلقياً ومفسراً وممحصاً ومختاراً، تتحدد مسؤوليته المعرفية، في جانب منها، بالكيفية التي يتعامل بها مع ما يَرِد إليه من مضامين، لا بمجرد كونه المصدر الذي أوجد تلك المضامين ابتداءً.
وهذا ما يجعل الحاجة إلى التثبت والتمحيص والنظر والتدبر حاجة أشد إلحاحاً؛ إذ إن الإنسان الذي لا يستطيع أن يضمن استقلال جميع مصادر ما يتلقاه من معلومات، أحوج ما يكون إلى ألا يجعل من مجرد حضور فكرة في ذهنه، أو استقرار اعتقاد في نفسه، دليلاً على صدق تلك الفكرة أو سلامة ذلك الاعتقاد.
ولذلك فإن ما ينبغي أن ننتهي إليه، بعد تدبر هذه الجمهرة من الآيات القرآنية، ليس الادعاء بأننا أصبحنا قادرين على الفصل بين المكونات البشرية وغير البشرية في نظامنا المعرفي، وإنما الإقرار بأن هذا الفصل قد يكون أعسر بكثير مما توهمناه، وأن الجزم ببشرية جميع مكونات هذا النظام لا يستند، في ضوء التصور القرآني، إلى ما يكفي لتسويغه.
فليس كل ما استقر في عقل الإنسان من معرفة قد ابتدأ منه، وليس كل ما يتبناه من تصور قد أبدعه بنفسه، وليس كل ما يعتقد أنه ثمرة تفكيره المستقل بمنأى، بالضرورة، عن تأثيرات لم يتبين مصادرها.
وهكذا فإن القرآن، بما يقصُّه علينا عن التعليم الإلهي، والإيحاء الشيطاني، والتأثيرات الملائكية، يدعونا إلى إعادة النظر في صورة الإنسان بوصفه كائناً معرفياً مكتفياً بذاته، ويضعنا أمام سؤال لا يجوز أن نتعجل الإجابة عنه:
إذا كنا لا نستطيع أن نجزم بأن الإنسان هو المصدر الوحيد لما يقوم عليه نظامه المعرفي، فبأي حق نجزم بأن كل ما أصبحنا عليه، معرفياً، إنما هو من صنعنا وحدنا؟!
ولعل أعظم ما نتعلمه من القرآن، في هذا الباب، هو أن تواضع الإنسان المعرفي لا ينبغي أن يقتصر على اعترافه بحدود ما يعلم، بل يتعين أن يمتد إلى اعترافه بحدود ما يستطيع أن يعرفه عن مصادر علمه نفسه.
فقد لا تكون المشكلة المعرفية الكبرى التي تواجه الإنسان هي أنه لا يعلم كل شيء، وإنما أنه قد لا يعلم، على وجه اليقين، من أين جاءه بعض ما يظن أنه يعلمه!
