«تغيير المناخ» و«تلويث البيئة»… مصطلحان يجدر بنا أن نعتمدهما إحقاقاً للحق!



لعل من أعجب المفارقات التي تكتنف تعامل الإنسان مع ما آل إليه أمر كوكب الأرض من سوء حال، أننا لا نكاد نكف عن الحديث عن «التغير المناخي» و«التلوث البيئي»، حتى إذا ما أمعنّا النظر في هذين المصطلحين، وتدبرنا ما ينطويان عليه من مضامين معرفية ودلالات لغوية، تبيَّن لنا أننا إنما نصف بهما ما يحدث لكوكبنا، دون أن نُحسن، بالقدر الذي تقتضيه الحقيقة، تسميةَ مَن كان له النصيب الأعظم في إحداثه!
فما الذي يجعلنا نؤثر القول بـ«التغير المناخي» على القول بـ«تغيير المناخ»؟ ولماذا درجنا على الحديث عن «تلوث البيئة» بدلاً من الحديث عن «تلويث البيئة»؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد اختلاف لغوي لا يترتب عليه ما يستحق الوقوف عنده، أم أن وراء هذا الاختلاف ما ينبغي أن يستوقفنا طويلاً، لما ينطوي عليه من دلالات معرفية وأخلاقية تتصل اتصالاً مباشراً بمسؤولية الإنسان عما أصاب كوكب الأرض من اختلالات؟
إننا، حين نقول إن المناخ قد تغير، لا نكون قد قلنا شيئاً عن الفاعل الذي أحدث هذا التغيير، مثلما أننا حين نقول إن البيئة قد تلوثت، لا نكون قد أجبنا عن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا: مَن الذي لوَّثها؟
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق منا إعادة النظر في اللغة التي نعتمدها في مقاربتنا لهذه الأزمة الكوكبية المتفاقمة.
فليس من الدقة أن نُسوِّي بين التغير الذي يطرأ على ظاهرة بفعل دينامياتها الطبيعية، والتغيير الذي تتعرض له بفعل تدخل خارجي يمكن تشخيصه وتحديد مسؤوليته. صحيح أن مناخ الأرض عرف، على امتداد تاريخه الجيولوجي الطويل، تغيرات طبيعية كبرى، وأن البيئة بدورها قد تتعرض للتلوث بفعل البراكين والحرائق الطبيعية وغيرها من الظواهر التي لا يد للإنسان فيها، غير أن هذا كله لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن ما نواجهه اليوم من أزمة مناخية وبيئية إنما يرتبط، في جانب أساسي وحاسم منه، بما أحدثه الإنسان من تدخلات واسعة النطاق في أنظمة الأرض الطبيعية.
فالإنسان هو الذي أفرط في حرق الوقود الأحفوري، وهو الذي اجتث الغابات، واستنزف الموارد، وأطلق في الغلاف الجوي كميات هائلة من الغازات الدفيئة، وهو الذي أغرق اليابسة والبحار والأنهار بما لا يُحصى من الملوثات والنفايات والمخلفات الصناعية والكيميائية. فكيف يستقيم، والحال هذه، أن نستمر في اعتماد مصطلحات تصف لنا ما أصاب المناخ والبيئة، دون أن تجعل الفاعل المسؤول عن ذلك حاضراً حضوراً صريحاً في بنائها الدلالي؟
وليس المقصود بهذا الاعتراض أن مصطلحَي «التغير المناخي» و«التلوث البيئي» مصطلحان خاطئان من الناحية العلمية أو اللغوية؛ فهما يؤديان وظيفة وصفية مشروعة، ويشيران إلى ظواهر يمكن دراستها وقياسها بصرف النظر عن أسباب حدوثها. وإنما المقصود أن الاكتفاء بهما، في سياق الحديث عن الأزمة الراهنة، قد يحجب عن الوعي العام ذلك التمييز الضروري بين ما يحدث للطبيعة وما يُحدثه الإنسان فيها.
وهذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، ولا هو ضرب من ضروب التدقيق الاصطلاحي الذي لا طائل من ورائه. ذلك أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة ننقل بها ما أدركناه من حقائق العالم، وإنما هي، في الوقت ذاته، إحدى الوسائط التي يتشكل من خلالها إدراكنا لهذه الحقائق، وتتحدد بموجبها طبيعة علاقتنا بها.
فحين نُسمي ما يحدث «تغيراً مناخياً»، فإننا نُبرز الحدث ونتيجته. أما حين نسميه «تغييراً بشرياً للمناخ»، فإننا نضيف إلى توصيف الحدث تشخيصاً لفاعله. وحين نتحدث عن «التلوث البيئي»، فإننا نضع أمام أنظارنا حالة البيئة وقد أصابها التلوث، بينما يضعنا الحديث عن «تلويث البيئة» وجهاً لوجه أمام الفعل الذي أفضى بها إلى تلك الحال.
وشتان بين لغة تجعلنا نتأمل ما أصاب العالم، ولغة تدعونا إلى مساءلة ما فعلناه بهذا العالم!
ولعل أخطر ما قد يترتب على شيوع اللغة الوصفية المجردة من تسمية الفاعل هو أن تتحول الكارثة، في تمثلاتنا الذهنية، إلى ما يشبه القدر الطبيعي الذي داهم الإنسان من خارج إرادته، بدلاً من أن نتبين فيها، على نحو أوضح، النتائج المتراكمة لخيارات بشرية اقتصادية وصناعية وسياسية واستهلاكية امتدت آثارها عبر أجيال متعاقبة.
وهكذا قد يجد الإنسان نفسه، من حيث لا يشعر، وقد انتقل من موقع المسؤول عن إحداث جانب كبير من الأزمة إلى موقع الضحية التي لا تملك إلا أن تتكيف مع ما ألمَّ بها من مصائب!
وليس ثمة ما هو أشد مدعاة إلى المساءلة من أن يغدو الإنسان ضحيةً لما صنعته يداه، ثم يتحدث عن هذه الضحية كما لو أنها لم تكن، في جانب كبير من محنتها، نتيجةً لأفعاله واختياراته.
غير أن تحميل الإنسان مسؤولية ما أحدثه لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن جميع البشر يتحملون هذه المسؤولية على قدم المساواة. فليس من العدل أن نُسوِّي بين مجتمعات راكمت ثرواتها عبر قرون من التصنيع كثيف الانبعاثات، ومجتمعات لم يكن لها إلا إسهام محدود في تفاقم الأزمة، لكنها أصبحت من أكثر المجتمعات تعرضاً لعواقبها.
ومن هنا فإن الانتقال من «التغير» إلى «التغيير»، ومن «التلوث» إلى «التلويث»، ينبغي ألا ينتهي بنا إلى تحميل البشرية مسؤولية جماعية مبهمة، تتساوى فيها الأدوار وتتلاشى الفوارق. بل ينبغي أن يكون مدخلاً إلى مساءلة أدق، نميز بموجبها بين الفاعلين، ونحدد نصيب كل منهم من المسؤولية، ونربط ما ترتب على أفعالهم من أضرار بما يتعين عليهم القيام به من إصلاح وتعويض وتحمل للتبعات.
فالمسؤولية التي لا نُحسن تشخيص أصحابها قد تنتهي بنا إلى توزيع اللوم على الجميع، وهو ما قد يفضي، في نهاية المطاف، إلى ألا يتحمل أحد مسؤوليته الحقيقية!
وهنا تتكشف لنا قيمة الانتقال من المقاربة الوصفية إلى المقاربة السببية والأخلاقية. فالأولى تخبرنا بما حدث، والثانية تسأل عما أحدثه، والثالثة تُلزمنا بمساءلة مَن أحدثه عما يترتب عليه من واجبات.
ولذلك فإن إعادة النظر في المصطلحات لا ينبغي أن تُفهم بوصفها دعوة إلى استبدال قاموس بآخر فحسب، وإنما بوصفها محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والمسؤولية؛ فلا يكفي أن نعرف أن الأرض تزداد احتراراً، بل ينبغي أن نُبقي حاضراً في وعينا أن أنشطة بشرية بعينها هي التي دفعت بهذا الاحترار إلى مستوياته الراهنة. ولا يكفي أن نعرف أن البحار والأنهار قد تلوثت، بل ينبغي أن نُسمِّي الأفعال والأنظمة الإنتاجية والاستهلاكية التي جعلتها على ما هي عليه.
ولعل هذا هو ما يجدر بالمشاركين في مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والثلاثين المعني بالمناخ، «كوب 31»، الذي تنطلق أعماله غداً، التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، في مدينة أنطاليا التركية، أن يجعلوه موضع تدبر ومناقشة.
فما أحوج مؤتمراً يجتمع فيه ممثلو دول العالم لمناقشة مستقبل المناخ إلى أن يتوقف، ولو للحظة، عند اللغة التي يصوغ بها موضوع اجتماعه!
وليس المطلوب أن يتخلى المؤتمر عن المصطلحات العلمية المعتمدة، أو أن يُغيِّر الاسم الرسمي للظاهرة التي يسعى إلى معالجتها، وإنما أن يولي مزيداً من العناية لما يمكن أن تؤديه اللغة من دور في ترسيخ الوعي بالمسؤولية البشرية عن الأزمة، وأن يجعل تسمية الفاعلين ومساءلتهم جزءاً لا ينفصل عن توصيف الأضرار والبحث في سبل معالجتها.
فكم من مؤتمر انعقد لمناقشة ما يحدث للأرض، وكم من اتفاقية أُبرمت للحد من الانبعاثات والتلوث، وكم من تعهد أُعلن لإنقاذ الكوكب من المصير الذي يتهدده! ولكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن هذه المؤتمرات هو: هل نجحنا حقاً في الانتقال من مجرد الاعتراف بوجود الأزمة إلى الاعتراف الكامل بمسؤوليتنا عن إحداثها، وما يترتب على هذا الاعتراف من التزامات عملية؟
إن التحدي الذي يواجه البشرية اليوم لا يقتصر على قدرتها على تطوير التقنيات الكفيلة بخفض الانبعاثات، ولا على نجاحها في إبرام الاتفاقيات الدولية، وإنما يمتد إلى قدرتها على إحداث تحول في تمثلها لعلاقتها بالطبيعة؛ تحول يجعلها تكف عن النظر إلى الأرض بوصفها مستودعاً لا ينضب للموارد، أو فضاءً مباحاً لتصريف مخلفات نشاطها، لتبدأ بالنظر إليها بوصفها نظاماً بالغ التعقيد، لا يمكن العبث بمكوناته دون أن تترتب على ذلك عواقب قد تتجاوز قدرتنا على التنبؤ بها أو السيطرة عليها.
وهذا التحول المعرفي والأخلاقي لا ينفصل عن اللغة التي نعتمدها في التعبير عنه.
فليس من اليسير أن نُحسن مواجهة مشكلة ما لم نُحسن أولاً تشخيصها، وليس من اليسير أن نُحسن تشخيصها ما لم نُحسن تسمية الأسباب التي أفضت إليها، والفاعلين الذين أسهموا في إحداثها.
ولذلك فإن الدعوة إلى اعتماد مصطلحَي «تغيير المناخ» و«تلويث البيئة»، حيث يكون المقصود هو الفعل البشري المسؤول عن الأزمة، ليست مجرد دعوة إلى تعديل لفظتين شائعتين، وإنما هي دعوة إلى استعادة ما ينبغي ألا يتوارى خلفهما من حقيقة: أن الإنسان ليس مجرد كائن يعيش على الأرض ويتعرض لما يطرأ عليها من تغيرات، وإنما هو أيضاً كائن أصبح يمتلك من القدرة على التأثير في أنظمتها الطبيعية ما يجعله مسؤولاً عن جانب بالغ الخطورة من التحولات التي تشهدها.
ولعل من أعظم ما ينبغي أن نتبينه، ونحن نتدبر ما آل إليه أمر كوكبنا، أن الإنسان الذي استطاع أن يغير المناخ وأن يلوث البيئة، هو ذاته الإنسان الذي يمتلك، من حيث المبدأ، القدرة على تغيير مسار أفعاله، والحد من آثارها، وإصلاح ما يمكن إصلاحه مما أفسدته يداه.
فما أحوجنا، والحال هذه، إلى أن نُعيد صياغة السؤال الذي ننشغل بالإجابة عنه!
فبدلاً من أن يظل سؤالنا: «ما الذي يحدث لمناخ الأرض وبيئتها؟»، يجدر بنا أن نسأل أيضاً: «ما الذي فعلناه بمناخ الأرض وبيئتها، وما الذي ينبغي علينا أن نفعله حتى نكف عن مواصلة الإضرار بهما؟»
ذلك أن الفرق بين السؤالين ليس فرقاً في الألفاظ وحدها، وإنما هو فرق بين وعي يكتفي بتشخيص الكارثة، ووعي يتبين مسؤوليته عن إحداثها، ومن ثم يشرع في تحمل ما تقتضيه هذه المسؤولية من واجبات.
فالأرض لا تحتاج منا إلى أن نُحسن وصف ما أصابها فحسب، وإنما تحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى أن نُحسن الاعتراف بما أصبناها به!

اترك تعليقًا