
من أعجب المفارقات التي تكتنف علاقة الإنسان بالعلم والعلماء أنَّ هذا الإنسان، الذي لا يكاد يكفُّ عن الإشادة بالعقل النقدي، وعن التشديد على ضرورة إخضاع كل ما يُعرض عليه من معارف وأفكار للمساءلة والتمحيص، سرعان ما يتخلى عن كثير من مقتضيات هذا الموقف العقلاني حين يكون بإزاء عالِم بلغ من الشهرة والنبوغ مبلغاً جعله يتبوأ مكانة استثنائية في الوعي الجمعي للبشرية! فما إن يقترن اسم هذا العالِم بإنجاز علمي عظيم، حتى يبدأ العقل البشري في إسباغ صفات عليه لا تستمد مشروعيتها من حقيقة ما هو عليه، وإنما من ذلك التمثُّل المثالي الذي استقر في الأذهان عن طبيعة العلاقة بين العبقرية العلمية والسمو الإنساني.
وهكذا يغدو العالِم، في تصورنا، كائناً استثنائياً، قُدَّ من غير الطينة التي قُدِدنا منها، وكأنَّ ما امتاز به من قدرة على النفاذ إلى أسرار الطبيعة قد جعله، بالضرورة، أقدر من سائر البشر على التحرر من نقائص النفس الإنسانية، وما يعتورها من أنانية وتناقضات وأهواء ونزعات لا عقلانية!
غير أنَّ تاريخ العلم، متى قرأناه قراءة لا تستسلم لسحر الأسماء ولا لسطوة الإنجازات، يكشف لنا عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فالعالِم، مهما بلغ من النبوغ، يظل إنساناً، بكل ما تنطوي عليه إنسانيته من عناصر قوة وضعف، واتساق وتناقض، وعقلانية ولا عقلانية. وليس ثمة ما يقتضي أن يكون تفوقه في ميدان معرفي بعينه دليلاً على تفوق مماثل في سائر ميادين الحياة، ولا سيما تلك التي تتصل بعلاقاته بالآخرين، وبقدرته على الإنصاف والعدل والوفاء.
ولعل في السيرة التي صدرت حديثاً لعالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكنغ، بعنوان Hawking: His Life and Work، لمؤلفها غراهام فارميلو، ما يدعونا إلى إعادة النظر في تلك الصورة التي درجنا على تكوينها عن العلماء الذين نضعهم في مصاف العباقرة الذين لا تكاد تطالهم نقائص البشر.
فالكتاب، الذي صدر عام 2026، واستند مؤلفه فيه إلى رسائل ويوميات عائلية لم يسبق نشرها، وإلى مقابلات مع أفراد من أسرة هوكنغ وأصدقائه وزملائه، لا يكتفي بإعادة سرد حكاية ذلك العقل الاستثنائي الذي تحدى المرض، وانشغل طوال عقود بمحاولة استكناه أسرار الكون والثقوب السوداء، وإنما يسعى إلى الاقتراب من الإنسان الذي ظل، إلى حد بعيد، محجوباً وراء الصورة الأسطورية للعالِم.
وهنا تتجلى القيمة المعرفية لهذا الضرب من الكتابة التاريخية؛ إذ إنَّ ما نحتاج إليه ليس أن نعرف كيف فكَّر هوكنغ في الكون فحسب، وإنما أن نتبين، كذلك، كيف عاش في العالم الإنساني الذي كان جزءاً منه، وكيف تعامل مع أولئك الذين شاركوه حياته، وأسهموا في تهيئة الظروف التي أتاحت لعبقريته أن تُثمر ما أثمرته من إنجازات.
فمن السهل أن نُعجب بعقل استطاع أن ينشغل بأعقد المسائل الفيزيائية، على الرغم من القيود الجسدية القاسية التي فرضها عليه مرضه. ولكن من الأصعب، وربما الأهم، أن نحرر هذا الإعجاب من الوهم الذي يجعلنا نتوقع أن يكون صاحب هذا العقل قد بلغ في سلوكه الإنساني مبلغاً مماثلاً لما بلغه في تفكيره العلمي.
ولقد كانت علاقة هوكنغ بزوجته الأولى جين وايلد، وما اكتنف حياتهما المشتركة من تضحيات وضغوط وتوترات، واحدة من تلك الجوانب التي تقتضي منا أن نعيد النظر في الصورة المبسطة التي اختزلت حياة الرجل في بطولة فردية خالصة. فذلك الإنجاز الذي نُسب، بحق، إلى عبقريته لم يكن ليتحقق في فراغ اجتماعي وإنساني، وإنما في ظل شبكة من الرعاية والمساندة والتضحيات، كان لأفراد أسرته وزملائه ومساعديه نصيباً كبيراً فيها.
وليس المقصود من استحضار هذه الجوانب أن ننتهي إلى إدانة أخلاقية جاهزة لهوكنغ، أو أن نتعامل مع ما تكشفه سيرته من تعقيدات بوصفه دليلاً على بطلان إنجازاته العلمية. وإنما المقصود أن نتبين مقدار ما يضيع من حقيقة الإنسان حين نختزله في أعظم ما أنجزه، ثم نسمح لهذا الإنجاز بأن يحجب عنا كل ما عداه.
وهنا يحضر اسم عالِم آخر، ربما كان أكثر العلماء اقتراناً في الوعي البشري الحديث بمفهوم العبقرية، وأعني به ألبرت آينشتاين.
فآينشتاين، الذي ارتبط اسمه بالانعطافة الكبرى التي شهدتها الفيزياء في مطلع القرن العشرين، لم يكن هو الآخر بمنأى عن تلك التناقضات التي تجعل من الصعب التوفيق بين الصورة المثالية التي رسمناها له وبين بعض ما تكشفه سيرته الشخصية.
ولعل علاقته بزوجته الأولى، ميليفا ماريتش، واحدة من أكثر الأمثلة دلالة على ذلك. فهذه المرأة، التي درست الرياضيات والفيزياء، وشاركت آينشتاين سنوات تكوينه العلمي الأولى، عاشت معه علاقة زوجية شابتها اختلالات وتوترات قاسية، تكشف بعض تفاصيلها مراسلاتهما والوثائق المتعلقة بحياتهما المشتركة.
غير أنَّ المسألة الأكثر إثارة للتدبر لا تتوقف عند حدود ما عانته ماريتش في علاقتها الزوجية، وإنما تمتد إلى السؤال عن طبيعة حضورها في التكوين العلمي لآينشتاين، وعن مقدار ما أسهمت به، إن كانت قد أسهمت، في ذلك المناخ الفكري الذي أفضى إلى إنجازاته الكبرى عام 1905، الذي أصبح يُعرف في تاريخ الفيزياء باسم «عام المعجزة».
صحيح أنَّ بعض الباحثين ذهبوا إلى القول إنَّ لماريتش إسهاماً علمياً جوهرياً في تلك الإنجازات، وأنَّ آينشتاين ربما ما كان ليبلغ ما بلغه لولا مساعدتها، غير أنَّ هذا القول لا يزال موضع خلاف تاريخي، ولا تتوافر أدلة حاسمة تجيز لنا اعتباره حقيقة مثبتة. ولذلك فإنَّ الإنصاف الذي نطالب به لماريتش يقتضي منا، في الوقت نفسه، ألا ننسب إليها من الإنجازات ما لم نستطع إقامة الدليل عليه.
وهذه النقطة بالذات تكشف عن مفارقة معرفية بالغة الدلالة: فإذا كان من الخطأ أن نحجب ما قد يكون للآخرين من فضل بسبب افتتاننا بعبقرية العالِم، فإنَّ من الخطأ أيضاً أن يدفعنا اكتشاف نقائصه الإنسانية إلى إعادة توزيع الفضل العلمي على نحو لا تسنده الأدلة.
فالموضوعية لا تتحقق باستبدال صورة مثالية بأخرى مضادة، وإنما بالتحرر من الحاجة إلى أي صورة مسبقة، سواء أكانت صورة تمجيد أم صورة إدانة.
ولعل هذا هو ما يجعل دراسة السِّيَر الذاتية للعلماء ضرورة معرفية، لا مجرد ضرب من الفضول الذي يتطلع إلى استكشاف أسرار حياتهم الخاصة.
ذلك أنَّ السيرة الذاتية، حين تُكتب وفق مقتضيات البحث التاريخي الرصين، تتيح لنا أن نتبين المسافة الفاصلة بين العالِم بوصفه إنساناً، والعالِم بوصفه منتجاً للمعرفة، والعالِم بوصفه رمزاً صنعته المؤسسات العلمية ووسائل الإعلام والذاكرة الجمعية.
وهذه مستويات ثلاثة لا يجوز لنا أن نخلط بينها.
فقد يكون العالِم بالغ النبوغ في اختصاصه، شديد القصور في بعض علاقاته الإنسانية، ومع ذلك يظل ما أنجزه من اكتشافات صحيحاً ومشروعاً علمياً. وقد يكون، في المقابل، إنساناً بالغ الاستقامة والفضيلة، من دون أن يجعل ذلك نظرياته بمنأى عن الخطأ أو التفنيد.
غير أنَّ الخطر المعرفي الحقيقي يبدأ حين نسمح للتمثُّل المثالي الذي كوَّناه عن شخصية العالِم بأن ينتقل من ميدان الحكم على الإنسان إلى ميدان الحكم على المعرفة التي ينتجها.
فعندئذٍ لا يعود اسم العالِم مجرد تعريف بصاحب النظرية، وإنما يتحول إلى سلطة معرفية قائمة بذاتها، تُضفي على ما يصدر عنه من آراء وأحكام حصانة لا تستمد مشروعيتها من قوة البرهان، وإنما من مكانة صاحبها في نفوسنا.
وهنا تحديداً يتعين علينا أن نطرح السؤال الذي ربما كان الأجدر بأن تتصدى له هذه المقالة: كم من الأفكار التي انتهى إليها كبار العلماء جرى التسليم بها، أو التساهل في مساءلتها، لا لأنَّ أدلتها كانت كافية لإثباتها، وإنما لأنَّ أصحابها كانوا قد بلغوا من الشهرة والهيبة ما جعل الاعتراض عليهم يبدو، في أعين البعض، اعتراضاً على العلم ذاته؟
وليس في هذا السؤال ما يستلزم التشكيك في المنجز العلمي لهوكنغ أو آينشتاين، وإنما فيه ما يستدعي التمييز بين القيمة العلمية الحقيقية للإنجاز وبين السلطة الرمزية التي قد يكتسبها صاحبه.
فالعلم لا يقوم على عصمة العلماء، ولا تتحدد مشروعية المعرفة العلمية بمقدار ما يتمتع به منتجها من فضائل شخصية أو شهرة عالمية. وإنما تتحدد هذه المشروعية بما تقوم عليه المعرفة من أدلة وبراهين، وبمدى اتساقها المنطقي، وقدرتها على الصمود أمام الاختبار والنقد والمراجعة.
ولذلك فإنَّ ما تكشفه السِّيَر الذاتية من تناقضات في شخصيات العلماء لا ينبغي أن يدفعنا إلى الطعن في علومهم، وإنما إلى التحرر من ذلك الميل التمثُّلي الذي يجعلنا نخلط بين العبقرية والعصمة، وبين التفوق المعرفي والكمال الإنساني.
بل إنَّ لهذا التحرر ثمرة أخرى لا تقل قيمة؛ إذ إنه يعيد إلى تاريخ العلم طابعه الإنساني والجماعي، بعدما درجنا على اختزاله في سلسلة من العباقرة المنفردين الذين تبدو اكتشافاتهم وكأنها انبثقت من عقولهم بمعزل عن كل ما أحاط بهم من ظروف وعلاقات ومؤثرات.
فما من عالِم، مهما بلغ من النبوغ، إلا وكانت لإنجازه شروط تاريخية واجتماعية ومعرفية أسهمت في جعله ممكناً. وما من عبقرية إلا وكان وراءها، بدرجات متفاوتة، معلمون وزملاء ومحاورون ومساعدون وأفراد أسرة، قد لا تذكرهم الرواية الشائعة لتاريخ العلم إلا عرضاً، إن ذكرتهم أصلاً.
ومن هنا فإنَّ قراءة سيرة هوكنغ لا تعني أن نبحث عن الوجه المظلم لقمره لكي نطفئ ما يشع منه من نور، وإنما لكي نتبين أنَّ ذلك النور، مهما اشتد سطوعه، لم يكن كافياً لأن يجعل القمر كله مضيئاً.
وكذلك الحال مع آينشتاين وسائر أولئك الذين رفعناهم إلى منزلة جعلتنا نكاد ننسى أنهم بشر مثلنا، لا يخرجهم تفوقهم العلمي من دائرة الطبيعة الإنسانية، ولا يمنحهم امتيازاً أخلاقياً أو معرفياً يجعل كل ما يصدر عنهم جديراً بالتسليم.
ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من دراسة السِّيَر الذاتية للعلماء هو أنَّ العقلانية الحقة لا تقتضي منا أن نقلل من شأن العباقرة حين نكتشف نقائصهم، وإنما أن نكف عن تعظيمهم على نحو يحول بيننا وبين إدراك تلك النقائص ابتداءً.
فليس العالِم العظيم هو ذلك الإنسان الذي لا يخطئ، وإنما هو الذي استطاع، في ميدان بعينه، أن يضيف إلى معرفتنا ما لم يكن متاحاً لنا من قبل. وليس الوفاء لإنجازه أن نجعل منه مرجعاً معصوماً، وإنما أن نُبقي ما أنجزه خاضعاً للمنهج النقدي ذاته الذي أتاح للعلم أن يتقدم.
وهكذا تنتهي بنا قراءة الوجه المظلم لقمر هوكنغ إلى حقيقة ربما كانت أشد إشراقاً من الصورة المثالية التي اعتدناها: أنَّ العبقرية لا تستلزم الكمال، وأنَّ الاعتراف بنقائص العباقرة لا ينتقص من عظمة ما أنجزوه، بل يحررنا من أوهامنا بشأنهم.
فالعلماء لا يصبحون عظماء لأنهم ليسوا بشراً مثلنا، وإنما لأنهم استطاعوا، وهم بشر مثلنا، أن يحققوا ما عجز كثير منا عن تحقيقه.
وما أحوجنا إلى أن نقرأ سيرهم على هذا الأساس؛ لا لكي نهدم التماثيل التي أقمناها لهم فنستبدل بها تماثيل أخرى، وإنما لكي نتحرر، مرة واحدة، من حاجتنا إلى إقامة التماثيل أصلاً.
