
من أعجب المفارقات التي تستوقف المتدبِّر في السلوك البشري تلك التي تتجلى في ما قد ينشأ بين إنسانين من خصومة، لا يكاد أيٌّ منهما يتبيَّن حقيقة الأسباب التي أفضت إليها، حتى وإن كان كلٌّ منهما على يقين مطلق بأنه قد أحاط علماً بكل ما كان من أمر نشأتها وتطورها! فكم من خصومة نشبت بين اثنين، واستحكمت أسباب العداء بينهما، حتى انتهى الأمر بكلٍّ منهما إلى أن يرى في صاحبه خصماً لا سبيل إلى مصالحته، من دون أن يكونا قد اتفقا، ابتداءً، على تشخيص واحد للأسباب التي جعلت أحدهما يخاصم الآخر، أو يتوهم أنه قد شرع بمخاصمته!
ولعل أكثر ما يبعث على العجب في هذه المفارقة أن الخصمين قد لا يكونان مختلفين بشأن واقعة بعينها، ولا متنازعين حول حقٍّ يدَّعيه أحدهما وينكره الآخر، وإنما يكون اختلافهما قد نشأ، في المقام الأول، عن تباين ما تمثَّله كلٌّ منهما عن صاحبه، وما انتهى إليه من أحكام بشأن ما يضمره له من مشاعر، وما ينويه حياله من مقاصد.
فقد يلتقي إنسان بصاحبه، فيلحظ على وجهه ملامح ضيق، أو يلمس في صوته نبرة فتور، أو يتبيَّن في تصرفاته ما لم يألفه منه من جفاء، فيبادر إلى الاعتقاد بأن هذا التغير إنما كان بسبب قول صدر عنه، أو فعل أقدم عليه، أو موقف اتخذه في وقت سابق. غير أن صاحبه قد لا يكون منشغلاً بشيء من ذلك كله؛ إذ ربما كان ما اعتور تقاسيم وجهه من ضيق، وما بدا عليه من فتور، مردَّه إلى همٍّ شخصي، أو مشكلة عائلية، أو عارض صحي، أو أمر آخر لا علاقة له، من قريب أو بعيد، بذلك الذي توهَّم أنه المقصود بهذا التغير في السلوك.
وهنا تبدأ المفارقة في التشكل؛ إذ لا يكتفي الإنسان بأن يفسر ما لاحظه على صاحبه تفسيراً لا دليل قاطعاً عليه، وإنما يشرع في التعامل مع هذا التفسير كما لو كان حقيقة قد ثبتت لديه بما لا يدع مجالاً للشك. فيتغير سلوكه هو الآخر، ويغدو أكثر تحفظاً في حديثه، وأقل إقبالاً على صاحبه، وربما عمد إلى تجنبه، أو قابل ما توهَّمه من جفاء بجفاء مماثل.
وعند هذه اللحظة تحديداً، يدخل الطرف الثاني إلى المشهد التمثُّلي ذاته، ولكن من موقع مختلف تمام الاختلاف؛ فهو يلحظ بدوره ما طرأ على صاحبه من تغير، ويشرع في البحث عن أسبابه، غير أنه لا يكاد يخطر له أن هذا التغير إنما كان استجابة لما بدا عليه هو نفسه من ضيق لا علاقة لصاحبه به! ولذلك فإنه يبادر إلى تأويل هذا التغير على نحو مغاير، فيعزوه إلى أسباب أخرى قد لا تكون لها صلة بما جرى بينهما.
وهكذا نجد أنفسنا بإزاء خصومة يتوهم كلٌّ من طرفيها أنه قد تبين أسبابها، بينما لم يتبين أيٌّ منهما، في حقيقة الأمر، ما الذي جعل الآخر يتصرف على النحو الذي تصرف به!
إنها خصومة لا يتفق الخصمان حتى على أسبابها، ومع ذلك يتفقان، من حيث لا يدريان، على الاستمرار فيها!
وما كان لهذه المفارقة أن تبلغ هذا الحد من التعقيد لولا خاصية من خصائص العقل البشري، تتمثل في ميله إلى سد الثغرات التي تعترض بناءه التمثُّلي للواقع، وذلك بالاستعانة بما يتيسر له من ظنون وتوقعات وتأويلات، حتى وإن لم تكن هذه جميعاً قائمة على ما يكفي من الأدلة والشواهد.
فالإنسان لا يطيق، في كثير من الأحيان، أن يترك ما يجهله على حاله من الجهل، وإنما يسارع إلى ملء الفراغ المعرفي الذي يواجهه بتفسير يبدو له معقولاً، ثم لا يلبث أن ينسى أن هذا التفسير لم يكن، في الأصل، سوى احتمال من بين احتمالات كثيرة أخرى كان بوسعه أن يأخذها بنظر الاعتبار.
ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر آليات التضليل الذاتي؛ إذ يتحول الاحتمال إلى اعتقاد، ويتحول الاعتقاد إلى يقين، ثم يغدو هذا اليقين أساساً لسلوك يستدعي من الطرف الآخر استجابة جديدة، لا تلبث هي الأخرى أن تُفسَّر تفسيراً يؤكد الاعتقاد الأول ويعزز رسوخه.
وهذا هو ما يجعل الخصومة، في مثل هذه الأحوال، قادرة على أن تُنتج أسباب استمرارها بنفسها؛ فكل تصرف يصدر عن أحد الخصمين يغدو، في نظر الآخر، شاهداً جديداً على صحة ما سبق له أن اعتقده بشأنه، حتى وإن كان ذلك التصرف في حقيقته مجرد استجابة لما صدر عنه هو نفسه من سلوك!
وبذلك لا تعود الخصومة بحاجة إلى سبب خارجي يمدها بمقومات الاستمرار؛ إذ تغدو هي ذاتها نظاماً مغلقاً من التأويلات المتبادلة، ينتج كلٌّ منها ما يعزز الآخر، ويجعل الخروج من دائرتها أشد صعوبة كلما طال أمدها.
ولعل ما يزيد هذه المفارقة غرابة أن كلاً من الخصمين قد يكون صادقاً تمام الصدق في وصف ما يشعر به، وفي التعبير عما يعتقد أنه قد تعرض له من إساءة. فالمشكلة هنا ليست بالضرورة في تعمد الكذب، ولا في الرغبة الواعية في تضليل الآخر، وإنما في الخلط بين صدق الشعور وصحة تفسير الأسباب التي أفضت إليه.
فليس كل من شعر بأنه قد أُسيء إليه قد أُسيء إليه بالفعل، وليس كل من أيقن بأن صاحبه قد تعمد جرح مشاعره قد أحسن تشخيص ما كان من أمر ذلك الصاحب ودوافعه ومقاصده.
فصدق الألم لا يستلزم صدق التأويل، كما أن شدة الاقتناع بوجود الإساءة لا تكفي وحدها لإثبات وقوعها.
وهذا التمييز بالغ الدلالة المعرفية؛ لأنه يكشف لنا أن كثيراً من الخصومات البشرية قد تكون خصومات بين تمثُّلات متعارضة، أكثر منها خصومات بين وقائع موضوعية متنازع عليها.
فكلٌّ من الطرفين لا يتعامل، في هذه الحالة، مع صاحبه كما هو، وإنما يتعامل مع الصورة التي شيدها له في نظامه المعرفي، ثم راح يضيف إليها، مع تعاقب المواقف، ما يجعلها أكثر اتساقاً مع ما سبق له أن اعتقده بشأنه.
ولذلك فإننا لا نبالغ إن قلنا إن الخصمين قد ينتهيان إلى العداء، لا لأن أحدهما قد عرف الآخر حق المعرفة، وإنما لأنه قد ازداد اقتناعاً بصحة صورة لم يُخضعها يوماً لما تستحقه من مراجعة وتمحيص.
ولكن، هل كان بالإمكان الحيلولة دون نشوء هذه الخصومة، أو منعها من التطور إلى ما آلت إليه من عداء؟
لعل الإجابة عن هذا السؤال تحيلنا إلى واحدة من أكثر الفضائل المعرفية والسلوكية التي يغفل الإنسان عن أهميتها في تنظيم علاقاته بالآخرين؛ وأعني بها حسن الظن، لا بوصفه تسليماً ساذجاً ببراءة الآخر من كل خطأ، وإنما بوصفه امتناعاً واعياً عن الجزم بما لم تتوافر عليه الأدلة الكافية.
فحسن الظن، بهذا المعنى، ليس نقيضاً للعقلانية، ولا خروجاً على مقتضيات التحري والتثبت، وإنما هو من صميم ما تستلزمه العقلانية من عدم اختزال الاحتمالات المتعددة في احتمال واحد، لمجرد أنه كان أول ما خطر لنا، أو أكثرها انسجاماً مع ما نضمره من مخاوف وتوقعات.
فما الذي يمنع الإنسان، حين يرى على وجه صاحبه ملامح ضيق، من أن يفترض أن لهذا الضيق أسباباً لا يعلمها؟ وما الذي يحول بينه وبين أن يعزو ما بدا له من فتور إلى همٍّ يثقل نفس صاحبه، أو مشكلة تشغله، أو تعب ألمَّ به، بدلاً من أن يسارع إلى الاعتقاد بأنه هو المقصود بهذا الضيق، وأن ما صدر عنه من قول أو فعل هو الذي استدعاه؟
وما الذي يمنعه، إن استبد به الشك، من أن يسأل صاحبه عما به، بدلاً من أن يشرع في بناء موقف عدائي على أساس تفسير لم يتثبت من صحته؟
إن مجرد إفساح المجال أمام احتمال آخر، لا تكون فيه الذات هي محور ما يجري في نفس الآخر، قد يكون كفيلاً بالحيلولة دون نشوء خصومة كان مقدراً لها أن تستمر أعواماً، وربما عقوداً، من دون أن يتبين طرفاها أنها قامت، منذ البدء، على سوء فهم لم يكن يستعصي على التدارك.
وهنا تتجلى مفارقة أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها؛ إذ إن الإنسان الذي يحرص على أن يكون منصفاً في أحكامه على الوقائع والأشياء، قد لا يبدي الحرص ذاته حين يتعلق الأمر بتفسير سلوك الآخرين تجاهه. فهو، في هذه الحالة، يجعل من ذاته مركزاً للتفسير، ومن مشاعره معياراً للحكم، ومن ظنونه قرائن تكفيه للاستغناء عن التثبت.
ولعل في هذا ما يكشف لنا عن جانب من ذلك التضخم التمثُّلي للذات، الذي يجعل الإنسان يتوهم أن ما يطرأ على الآخرين من تغير في أحوالهم ومشاعرهم إنما ينبغي أن تكون له صلة به، وكأن العالم النفسي للآخر لا يشتمل على ما يكفي من الهموم والمشاغل والتجارب التي لا شأن له بها!
غير أن الإنصاف يقتضينا ألا نعمم هذا التشخيص على كل خصومة؛ فثمة خصومات تنشأ بالفعل عن إساءات مقصودة، أو اعتداءات ثابتة، أو اختلافات حقيقية في المصالح والمواقف. وليس حسن الظن دعوة إلى التغاضي عن الأذى، أو تبرير السلوك المؤذي، أو إلغاء حق الإنسان في الدفاع عن نفسه.
وإنما نحن بصدد تلك الخصومات التي تنشأ في المسافة الفاصلة بين ما حدث بالفعل وما توهم الإنسان أنه قد حدث، وبين ما قصده الآخر حقاً وما نسبه إليه صاحبه من مقاصد لم يقم عليها دليل.
وهذه المسافة، على ما قد تبدو عليه من ضيق، قد تتسع حتى تستوعب تاريخاً طويلاً من الجفاء والقطيعة والعداء.
ولعل أشد ما يبعث على الأسى في هذه المفارقة أن الخصمين قد يمضيان في حياتهما وهما يحملان في نفسيهما روايتين مختلفتين تمام الاختلاف عن خصومة واحدة، ويظل كلٌّ منهما مقتنعاً بأن الآخر هو الذي بدأها، وأنه هو نفسه لم يفعل سوى أن ردَّ على ما صدر عن صاحبه من إساءة!
وهكذا يغدو كلٌّ منهما، في نظر نفسه، ضحية، وفي نظر الآخر، معتدياً؛ وتغدو الخصومة، في وعي الطرفين، دفاعاً مشروعاً عن النفس، بينما قد لا تكون في أصلها سوى حصيلة سلسلة من التأويلات التي لم يخطر لأيٍّ منهما أن يتوقف عندها ليسأل: أكانت صحيحة حقاً؟
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذه المفارقة ليس أن نكف عن الاختلاف، ولا أن نتوهم إمكان إقامة علاقات بشرية لا يعكر صفوها سوء الفهم، وإنما أن نتعلم كيف نميز بين ما نعلمه عن الآخرين وما نتوهم أننا نعلمه عنهم.
فما أكثر الخصومات التي ما كان لها أن تنشأ لو أن أحد طرفيها أحسن الظن بصاحبه، وما أكثرها مما كان بالإمكان أن ينتهي لو أن أحدهما امتلك من التواضع المعرفي ما يجعله يعترف بأن تفسيره لسلوك الآخر قد لا يكون هو التفسير الصحيح!
ولعلنا، في نهاية المطاف، نكون بإزاء واحدة من أكثر المفارقات البشرية إيلاماً: أن يتعادى اثنان، لا لأنهما اختلفا على حقيقة يعرفانها، وإنما لأن كلاً منهما قد خاصم في الآخر صورةً صنعها له ظنُّه، ثم أمضى عمره يعاقب الإنسان الحقيقي على ما اقترفته تلك الصورة المتخيَّلة!
