قراءة متأنية في المضامين الاستراتيجية لثلاث خسارات انتخابية… هل بدأ العدُّ التنازلي لنهاية المشروع الترمبي العابر للحدود؟

ليس من المبالغة القول إننا نقف اليوم أمام مشهد سياسي عالمي يستحق من المحللين الاستراتيجيين أن يتوقفوا عنده طويلاً، لا ليستقصوا ما ينطوي عليه من نتائج انتخابية آنية فحسب، وإنما ليتبينوا ما تختزنه هذه النتائج من مضامين استراتيجية بعيدة المدى، قد يكون لها من الأثر في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للعالم ما يتجاوز بكثير حدود البلدان التي شهدت هذه الانتخابات.
فلقد شهدنا، خلال السنوات القليلة الماضية، ثلاث خسارات انتخابية كبرى، تباعدت مواقع حدوثها جغرافياً، وتفاوتت ظروفها السياسية والاجتماعية، ولكنها تلتقي عند قاسم مشترك يستحق أن نتدبره ملياً: خسارة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو الانتخابات الرئاسية عام 2026، وخسارة الحزب الجمهوري الأمريكي السيطرة على مجلسَي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي عام 2026، وخسارة الائتلاف الذي يقوده بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.
فما الذي يجمع هذه الخسارات الثلاث، على الرغم من اختلاف البيئات السياسية التي وقعت فيها؟ وهل من الجائز أن ننظر إليها بوصفها أحداثاً انتخابية مستقلة، لا يجمع بينها غير المصادفة التاريخية؟ أم أن التدبر المتأني في ما تنطوي عليه من دلالات استراتيجية يحيلنا إلى حقيقة قد لا تكون بادية للعيان، ومفادها أن الخاسر السياسي الأكبر في هذه الانتخابات الثلاث لم يكن أحداً غير الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب؟
إن ما يعنينا هنا ليس أن نثبت أن ترمب كان مسؤولاً بصورة مباشرة عن كل واحدة من هذه الخسارات، وإنما أن نتبين ما إذا كانت هذه الخسارات، مجتمعة، تكشف عن بداية انحسار مشروع سياسي توهَّم صاحبه أن بمقدوره أن يتجاوز الحدود الوطنية للولايات المتحدة، ليغدو مشروعاً عالمياً تتولى قيادته شخصيات سياسية تتوزع على بلدان ذات قيمة جيوسياسية مفصلية.
ولعل أول ما ينبغي أن نلتفت إليه أن الترمبية لم تكن، في تصور صاحبها ومريديه، مجرد برنامج انتخابي أمريكي يستهدف الفوز بالسلطة داخل الولايات المتحدة. فلقد تطورت، على مستوى الخطاب السياسي والتحالفات الدولية، إلى ما يشبه المشروع العابر للحدود، الذي يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية في العالم من خلال شبكة من الزعماء والأحزاب والحركات التي يجمع بينها قدر متفاوت من التشابه الأيديولوجي والمصالح السياسية.
فبولسونارو في البرازيل لم يكن مجرد رئيس يميني يحكم بلداً بعيداً عن واشنطن؛ بل كان يمثل، من حيث تقاربه السياسي والرمزي مع ترمب، إحدى أبرز التجليات اللاتينية للترمبية. ونتنياهو في إسرائيل لم يكن مجرد حليف تقليدي للولايات المتحدة، وإنما شريكاً سياسياً وجد في ترمب حليفاً استثنائياً لمشروعه الإقليمي. أما الحزب الجمهوري الأمريكي، فقد غدا، في ظل هيمنة ترمب على مفاصله القيادية، الحاضنة المؤسسية الأساسية لهذا المشروع، والوسيلة التي يتوسل بها صاحبه تحويل إرادته السياسية إلى سياسات وتشريعات وقرارات ملزمة.
وهكذا، فإننا لا نكون إزاء ثلاث خسارات انتخابية متفرقة حين ننظر إلى هذه الوقائع من زاوية استراتيجية أشمل؛ وإنما إزاء ثلاث ضربات أصابت مواقع مختلفة من شبكة سياسية كان يُراد لها أن تتسع وتترسخ، وأن تجعل من الولايات المتحدة مركزاً لتجمع دولي تتولى قيادته شخصيات تدين لترمب بالولاء السياسي، أو تجد في مشروعه ما يتوافق مع مصالحها وتصوراتها.
غير أن ما يستحق التوقف عنده أكثر من غيره هو أن هذه الخسارات تكشف عن خلل في واحد من أهم الافتراضات التي يبدو أن المشروع الترمبي قد راهن عليها: الاعتقاد بأن امتلاك السلطة، والاستحواذ على المال السياسي، والاستعانة بأصحاب النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والإعلامي، كفيل بضمان إعادة إنتاج الانتصار الانتخابي، حتى حين تتغير الظروف وتتراكم أسباب السخط الشعبي.
فلقد بالغ ترمب، على ما يبدو، في تعظيم القدرة السياسية للمال، وفي تقدير ما يمكن أن يحققه له اصطفاف شخصيات ذات ثراء ونفوذ استثنائيين، ومن بينها شخصيات بارزة في عالم التكنولوجيا. غير أن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية جاءت لتضع حدوداً لهذا التصور، بعدما استطاع الديمقراطيون تحقيق انتصارات واسعة، لم تقتصر على انتزاع السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وإنما امتدت إلى دوائر انتخابية ومواقع على مستوى الولايات كانت تُعد، طوال سنوات أو عقود، أقرب إلى المعسكر الجمهوري.
وهنا ينبغي ألا نخطئ في تشخيص الدلالة الاستراتيجية لهذه النتائج؛ فهي لا تعني أن المال السياسي قد فقد تأثيره، ولا أن أصحاب النفوذ الاقتصادي لم يعودوا قادرين على التأثير في اتجاهات الناخبين، وإنما تعني أن هذا التأثير، مهما تعاظم، لا يستطيع أن يضمن النصر حين تتراكم لدى قطاعات واسعة من المجتمع أسباب تدفعها إلى مراجعة خياراتها السياسية.
فثمة فارق جوهري بين القدرة على التأثير في الناخب والقدرة على التحكم بإرادته. ولعل واحدة من أخطر أخطاء المشاريع السياسية التي تستند إلى تعظيم شخصية الزعيم أنها تنتهي، مع مرور الزمن، إلى الخلط بين الأمرين، فتتوهم أن ما تملكه من أدوات التأثير قد جعلها في مأمن من تقلبات المزاج الانتخابي، ومن قدرة المجتمعات على إعادة النظر في ولاءاتها السابقة.
وليس بعيداً عن هذا السياق ما حدث في البرازيل؛ فبولسونارو، الذي استطاع أن يستقطب قطاعات واسعة من المجتمع البرازيلي بخطاب شعبوي يميني، لم يستطع أن يحول ما راكمه من شعبية ونفوذ إلى ضمانة تحول دون خسارته أمام لولا دا سيلفا. وصحيح أن هذه الخسارة لا تعني انتهاء البولسونارية بوصفها تياراً سياسياً واجتماعياً، ولكنها كشفت عن حدود قدرة زعيمها على الاحتفاظ بالسلطة، وعن إمكان أن تنقلب الموازين الانتخابية حتى في مجتمع شهد استقطاباً سياسياً حاداً.
أما في إسرائيل، فإن خسارة ائتلاف نتنياهو أغلبيته البرلمانية تنطوي على دلالة لا تقل قيمة، وإن كانت نتائج تشكيل الحكومة المقبلة لم تُحسم بعد. ذلك أن القيمة الاستراتيجية لهذه الخسارة لا تتحدد بمصير نتنياهو الشخصي وحده، وإنما بما قد يترتب عليها من إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين القيادة الإسرائيلية والمشروع الترمبي، وفي مدى استعداد أي قيادة إسرائيلية مقبلة للاستمرار في الاصطفاف السياسي ذاته.
ومن الخطأ، بطبيعة الحال، أن نفترض أن خروج نتنياهو المحتمل من السلطة سيعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسات الإسرائيلية أو في العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة. غير أن هذا التحفظ لا يلغي حقيقة أن خسارة حليف سياسي وثيق قد تحد من قدرة ترمب على التعويل على شخص بعينه لتنفيذ تصورات مشتركة، أو لإدامة نمط محدد من التنسيق السياسي.
وهكذا، فإن القاسم المشترك بين الخسارات الثلاث لا يتمثل في تطابق أسبابها، ولا في وحدة دوافع الناخبين الذين أسهموا في حدوثها؛ فلكل مجتمع ظروفه، ولكل انتخابات حساباتها الخاصة. وإنما يتمثل في أن نتائجها قد أضعفت، بدرجات متفاوتة، مواقع سياسية كان المشروع الترمبي يعول عليها، سواء بوصفها أدوات مباشرة لممارسة السلطة، أو بوصفها حواضن إقليمية لنفوذه السياسي.
ولعلنا هنا نصل إلى السؤال الأكثر قيمة استراتيجية: هل نحن أمام تراجع انتخابي عابر، أم أمام بداية انحسار تاريخي لمشروع سياسي بالغ صاحبه في الاعتقاد بقدرته على الاستمرار والتوسع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا أن نميز بين بقاء الترمبية بوصفها تياراً فكرياً وسياسياً، وبين استمرارها بوصفها مشروعاً استراتيجياً قادراً على التحكم في مراكز القرار داخل الولايات المتحدة وخارجها.
فليس من المستبعد أن تستمر الترمبية سنوات طويلة بعد خروج ترمب من البيت الأبيض، وأن يبقى لها أنصار ومريدون وحركات سياسية تتبنى كثيراً من أطروحاتها. ولكن استمرار الأفكار شيء، واستمرار القدرة على تحويلها إلى مشروع سياسي مهيمن شيء آخر مختلف تمام الاختلاف.
وهنا تكمن، في تقديري، الدلالة الأعمق للخسارات الانتخابية الثلاث؛ فهي تشير إلى أن المشروع الترمبي قد يكون بلغ مرحلة بدأت فيها قدرته على التوسع تصطدم بحدود لم يكن صاحبه قد أحسن تقديرها. وهذه الحدود ليست بالضرورة حدوداً جغرافية أو مؤسسية فحسب، وإنما هي أيضاً حدود تتعلق بطبيعة المجتمعات البشرية، وبما يعتور سلوكها الانتخابي من تحولات لا يستطيع أي زعيم، مهما بلغ نفوذه، أن يضمن التحكم فيها إلى ما لا نهاية.
ولذلك فإن انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة عام 2028 تكتسب قيمة استراتيجية استثنائية؛ فهي لن تكون مجرد منافسة تقليدية بين مرشح ديمقراطي وآخر جمهوري، وإنما قد تتحول إلى امتحان تاريخي لقدرة الحزب الجمهوري على إعادة إنتاج المشروع الترمبي في غياب ترمب نفسه عن قائمة المرشحين.
فإذا كانت انتخابات التجديد النصفي قد كشفت عن تراجع قدرة هذا المشروع على الاحتفاظ بالتأييد الانتخابي في مواقع متعددة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل قادة الحزب الجمهوري، وفي مقدمتهم نائب الرئيس جي دي فانس، هو ما إذا كان بالإمكان استعادة ذلك التأييد من دون مراجعة جوهرية للخطاب السياسي الذي قاد إلى هذه النتائج.
ولا ريب في أن النتائج الأخيرة تجعل الطريق إلى البيت الأبيض عام 2028 أكثر صعوبة أمام أي مرشح جمهوري يصر على تقديم نفسه بوصفه مجرد امتداد لترمب. غير أن القول إن خسارة الجمهوريين في تلك الانتخابات قد أصبحت أمراً محسوماً سيكون خروجاً على مقتضيات التحليل الاستراتيجي ذاته؛ إذ إن الاستشراف العقلاني للمستقبل لا يقوم على تحويل المؤشرات إلى يقين، وإنما على تقدير الاحتمالات في ضوء ما يتوافر من معطيات.
ومع ذلك، فإن ثمة فرقاً بين أن نعجز عن الجزم بنتيجة الانتخابات المقبلة، وبين أن نعجز عن تبين الاتجاه الاستراتيجي الذي تشير إليه النتائج الحالية. فما حدث في انتخابات 2026 يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت الترمبية قد بدأت تفقد قدرتها على اجتذاب ناخبين كانوا، حتى عهد قريب، يشكلون جزءاً من القاعدة الانتخابية التي مكنت ترمب من العودة إلى البيت الأبيض.
والأهم من ذلك أن هذه الخسارات قد تفرض على حلفاء ترمب خارج الولايات المتحدة مراجعة حساباتهم الاستراتيجية. فالقادة الذين يراهنون على استمرار النفوذ الترمبي قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى إعادة النظر في جدوى ربط مستقبلهم السياسي بمشروع لم تعد قدرته على البقاء في السلطة أمراً مضموناً.
وهذا تحديداً ما يجعلنا نذهب إلى أن الخسارة الاستراتيجية لترمب قد تكون أعظم بكثير من مجموع الخسارات الانتخابية التي تعرض لها حلفاؤه. فالمشروع الذي يقوم على شبكة من الولاءات والتحالفات الشخصية يتعرض لضربة مضاعفة حين تبدأ الأطراف التي تشكل هذه الشبكة في فقدان مواقعها؛ إذ لا يقتصر الأمر عندئذ على خسارة حليف، وإنما يمتد إلى إضعاف الثقة بقدرة المركز الذي تنتظم حوله هذه التحالفات على ضمان استمرارها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لا يعود مقتصراً على ما إذا كان بولسونارو قد خسر، أو ما إذا كان نتنياهو سيغادر السلطة، أو ما إذا كان الجمهوريون سيستعيدون أغلبيتهم في الكونغرس؛ وإنما يصبح سؤالاً أشمل: هل بدأ العالم يشهد انحسار القدرة الاستراتيجية للمشروع الترمبي على إعادة إنتاج نفسه في مراكز السلطة التي كان يطمح إلى إحكام نفوذه فيها؟
ولعل أعظم ما تعلمنا إياه هذه الوقائع أن المشاريع السياسية التي تبالغ في تعظيم إرادة الفرد، وفي تقدير قدرته على إخضاع التاريخ والجغرافيا والمجتمعات لتصوراته الخاصة، كثيراً ما تغفل عن حقيقة جوهرية، وهي أن ما يبدو لها انتصاراً تاريخياً نهائياً قد لا يكون سوى مرحلة عابرة في مسار تحولات أوسع وأعمق.
فليس كل انتصار انتخابي إيذاناً بقيام مشروع تاريخي مستدام، كما أن كل خسارة انتخابية لا تعني بالضرورة نهايته. غير أن تكرار الخسارات في مواقع استراتيجية متعددة قد يكون أول ما ينبغي أن يستوقفنا ونحن نحاول أن نتبين ما إذا كان مشروع ما قد بدأ يفقد الشروط التي أتاحت له الصعود والانتشار.
ولذلك، فإننا حين نتحدث عن قرب نهاية المشروع الترمبي، لا ينبغي أن نعني بذلك اختفاء الترمبية من الحياة السياسية، وإنما احتمال اقتراب نهاية المرحلة التي استطاعت فيها أن تقدم نفسها بوصفها مشروعاً عالمياً صاعداً، لا تقف أمامه حدود، ولا تحول دون انتشاره إرادات الشعوب.
فقد يكون الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات الثلاث هو ترمب، ولكن الخسارة الأعمق قد تكون خسارة الوهم الذي قام عليه مشروعه: أن بالإمكان تحويل النفوذ الشخصي والمال السياسي والتحالفات الدولية إلى ضمانة تاريخية لاستمرار الهيمنة.
وإذا ما تأكد هذا الاتجاه في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028، فإن المؤرخين قد يعودون إلى هذه الخسارات الثلاث بوصفها محطات مبكرة في مسار انحسار مشروع سياسي ظن صاحبه أنه بصدد إعادة تشكيل العالم، فإذا بالعالم، من خلال آلياته السياسية والانتخابية المختلفة، يشرع في إعادة تشكيل حدود ذلك المشروع نفسه.

اترك تعليقًا